ما التحديات التي تعترض مجلس القيادة الرئاسي؟

Getting your Trinity Audio player ready...

مقدِّمة

مع حلول شهر أبريل (الحالي)، وتحديدًا السابع مِنه، حلَّت الذكرى الثانية لتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، والذي مثَّل التحوُّل الأبرز في جسم السلطة الشرعية، منذ إعادة بنائها بعد التدخُّل العسكري الداعم لها مِن قبل “التحالف العربي”، بقيادة المملكة العريبة السعودية والإمارات العربية المتَّحدة (منذ 26 مارس 2015م).
وبالرغم مِن أدائه المتواضع، وربَّما المخيِّب للآمال، بشكل عام، تنوَّع أداء المجلس -خلال العامين الماضيين- تجاه المهام والقضايا الرئيسة التي تصدَّى لها، في ظلِّ جملة مِن التحدِّيات المركَّبة التي اعترضت مساره، ومِنها السياق الإقليمي الذي غلب عليه خفض التصعيد بين إيران ودول الخليج مِن جهة، وبروز الاشتباك الإقليمي بسبب العدوان الإسرائيلي على غزَّة مِن جهة أخرى. وفي ظلِّ سياق محلِّي، غلب عليه الجمود والمراوحة بين مسارات الحرب والسلام، وانتقال الصراع مع جماعة الحوثي إلى حرب حول الموارد مِن خلال أدوات اقتصادية ونقدية، مع استمرار المواجهات العسكرية لكن بوتيرة أقل، وفي ظلال ارتدادات مِن الاشتباك الإقليمي بسبب العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطَّاع غزَّة.
هذه الورقة تتناول تحليل وضع مجلس القيادة الرئاسي بعد مرور عامين  مِن تشكيله، وتتوقَّف عند أبرز التحدِّيات التي تعترضه، لا سيَّما تلك المتَّصلة بأحداث البحر الأحمر.

ملفَّات معقَّدة

تعامل مجلس القيادة الرئاسي خلال العامين الماضيين مع عدد مِن الملفَّات المعقَّدة التي مثَّلت تحدِّيات رئيسة أمامه؛ وفي مقدِّمتها كيفية إدارة العلاقة بين مكوِّناته، والتحدِّيات الاقتصادية التي تعاظمت بفعل تمكُّن جماعة الحوثي، المدعومة إيرانيًّا، مِن منعه مِن تصدير النفط، وتراجع الدعم المقدَّم مِن دولتي “التحالف العربي”، وكذا موقعه مِن مفاوضات السلام التي انتظم إيقاعها بين السعودية وجماعة الحوثي، وقدرته على بناء رؤية متماسكة خاصَّة به للتعامل مع استحقاقات السلام المحتملة، وغيرها مِن الملفَّات.

العلاقة بين مكوناته

مثَّلت العلاقة بين أعضاء المجلس الثمانية، والمكوِّنات التي يمثِّلونها، التحدِّي الأبرز مجلس القيادة، إذ لم تدم حالة الوفاق التي حرص أعضاؤه على إظهارها وقت إعلان تشكيله طويلًا، إذ سرعان ما برزت التناقضات بينهم؛ فقد تعرَّض عدد مِن أعضاء المجلس لمضايقات بعد عودتهم إلى عدن مِن قبل الحراسات الأمنية التابعة للـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتيًّا، ما اضطرَّهم إلى مغادرة العاصمة المؤقَّتة (عدن) إلى جهات أخرى، فقد استقرَّ طارق صالح في مدينة المخا، وأمضى الشيخ سلطان العرادة شطرًا مِن وقته في العاصمة السعودية (الرياض) قبل أن يعود إلى مدينة مأرب في 25 أغسطس (2023م)، وبقي فرج البحسني متنقِّلًا بين الرياض ومدينة المكلَّا، وعواصم أخرى، في ظلِّ اضطراب شاب علاقته مع المجلس في فترة ما، وأمضى كلٌّ مِن عبدالله العليمي وعثمان مجلِّي معظم العامين في الرياض، مع انتقاد الأخير للطريقة التي يُدار بها المجلس وعلاقته مع الحلفاء.
وكان التطوُّر الأبرز في هذا الجانب هو انضمام اثنين مِن أعضاء مجلس القيادة الرئاسي إلى “المجلس الانتقالي”، فقد أصدر عيدروس الزبيدي، يوم الاثنين الموافق 9 مايو (2023م)، قرارًا بصفته رئيس “المجلس الانتقالي”، قضى بتعيين زميليه في مجلس القيادة الرئاسي، عبدالرحمن المحرمي وفرج البحسني، نائبين له في قيادة “المجلس الانتقالي”، في ختام ما عُرِف بـ”اللقاء التشاوري” الذي عقده “المجلس الانتقالي” في عدن، ووقَّع المشاركون في ختامه على ما أطلق عليه “الميثاق الوطني الجنوبي”.
وخلال العامين تعرَّضت الحكومة، أو بعض أعضائها، لحصار أو مضايقات مِن قبل أنصار “المجلس الانتقالي”، ما اضطرَّها إلى الخروج مِن العاصمة المؤقَّتة (عدن)، والعمل مِن خارجها لفترات متقطِّعة. وخلافًا لما سبق، شهدت الشهور الأخيرة تحسُّنًا ملحوظًا في العلاقة بين “المجلس الانتقالي” ومجلس القيادة الرئاسي، فقد أصبح الأوَّل (الانتقالي) أكثر تسليمًا بوجود الحكومة وقيادة الدولة وأدائهم لأعمالهم مِن عدن، كما أصبحت سلطة الدولة المركزية أكثر حضورًا في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها.
وكانت العلاقة بين المكوِّنات الداعمة لمجلس القيادة شهدت انتكاسة كبيرة، في 7 أغسطس 2022م، على وقع المعارك التي شهدتها محافظة شبوة بين كلٍّ مِن: التشكيلات التابعة لـ”المجلس الانتقالي” والوحدات التابعة للجيش الوطني وقوَّات الأمن، وانتهت بسيطرة تلك التشكيلات على مدينة عتق، عاصمة المحافظة، ومعظم مديريَّاتها، فيما انسحبت الوحدات التابعة للجيش الوطني إلى أطراف المحافظة. وجاءت تلك المعارك في سياق توجُّه “المجلس الانتقالي” للسيطرة على المحافظات الشرقية، وفرض أجندته الانفصالية؛ فقد نفَّذ حملات عسكرية بعيدًا عن مجلس القيادة لفرض سيطرته على محافظة أبين تحت لافتة “محاربة الإرهاب”، وبعد انتهاء معاركه في شبوة زحف بتشكيلاته نحو محافظة حضرموت، غير أنَّ رفض المكوِّنات الاجتماعية والسياسية، والموقف السعودي، حال دون ذلك، فقد سارعت تلك المكوِّنات إلى تشكيل عدد مِن الكيانات كحائط صدٍّ وممانعة، ومِنها “مجلس حضرموت الوطني”، و”مجلس شبوة الوطني”، و”المجلس الموحَّد للمحافظات الشرقية”، ومارست السعودية ضغوطًا لكبح جماح “المجلس الانتقالي”، ودعمت تشكيل قوَّات “درع الوطن”، ونشرها في محافظتي عدن وحضرموت. وبذلك تحوَّلت المحافظات الشرقية -خلال عام 2023م- إلى ساحة استقطاب حاد بين “المجلس الانتقالي” والمكوِّنات السياسية والاجتماعية في تلك المحافظات، ومِن خلفها تنافس غير معلن بين السعودية والإمارات.
وقد أحدث الاقتتال في شبوة شرخًا عميقًا وممتدًّا بين المكوِّنات الداعمة لمجلس القيادة الرئاسي، فقد أصدر حزب “التجمُّع اليمني للإصلاح” بيانًا هدَّد فيه أنَّه قد يضطرُّ إلى إعادة النظر في مشاركته في كافَّة المجالات، وكان مِن ارتدادات الاقتتال في شبوة استمرار التوتُّر، واغتيال خطيب يوم العيد في مدينة عتق، عبدالله الباني، مِن قبل قوَّات تابعة لدفاع شبوة المرتبطة بمحافظ المحافظة، عوض بن الوزير.

توحيد المؤسَّسة العسكرية

مثَّل دمج التشكيلات العسكرية للكيانات المنضوية في مجلس القيادة الرئاسي، تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية، المهمَّة الأكبر للمجلس، بل إنَّها كانت المبرِّر الأهمَّ لتشكيله. ومع أنَّ المجلس توافق -نهاية مايو 2022م- على تشكيل لجنة عسكرية وأمنية، مكوِّنة مِن (59) عضوًا، برئاسة اللواء الركن هيثم قاسم طاهر، تكن مِن مهمِّتها إعادة هيكلة القوَّات المسلَّحة والأمن، بموجب المادَّة رقم (5) المعنيَّة بدمج التشكيلات العسكرية الأخرى بالجيش الوطني، والمنصوص عليها في إعلان نقل السلطة، وهو الإعلان الذي صدر في 7 أبريل 2022م، وتمَّ بموجبه نقل السلطة مِن الرئيس عبدربِّه منصور هادي ونائبة علي محسن الأحمر إلى مجلس القيادة الرئاسي، إلَّا أنَّ هذه اللجنة لم تنجز حتَّى الآن عملية الدمج، وأقصى ما حقَّقته -بحسب رئيس مجلس القيادة الرئاسي- هو التوافق على مواجهة ميليشيا جماعة الحوثي، واستعادة الدولة، كهدف مشترك، وتشكيل غرفة عمليَّات مشتركة تدير مسرح عمليَّات واحد، تحت إمرة وزارة الدفاع، ومقرُّها العاصمة المؤقَّتة (عدن)، إضافة إلى إعادة تفعيل وتوزيع المعاهد والكلِّيَّات العسكرية، وتنشيطها لتدريب أفراد الجيش الوطني وبقيَّة التشكيلات.
وقطع مجلس القيادة الرئاسي شوطًا في دمج أجهزة المخابرات، فقد أصدر رئيس المجلس -في 4 يناير 2024م- قرارًا جمهوريًّا نصَّ على إنشاء الجهاز المركزي لأمن الدولة، وعلى أن يُدمج فيه كلٌّ مِن (الجهاز المركزي للأمن السياسي) و(جهاز الأمن القومي) والكيانات الاستخباريَّة الأخرى التابعة لـ”المجلس الانتقالي” و”حرَّاس الجمهورية” و”قوَّات العمالقة”، وعلى أن تنتهي أعمال الدمج خلال مدَّة أقصاها ستَّة أشهر مِن تاريخ صدور القرار. ويبدو أنَّ هذا القرار لم يمض دون مقابل، فقد تطلَّب تمريره مرضاة “شلَّال شايع”، أحد قيادات “المجلس الانتقالي”، مِن خلال إصدار قرار آخر ينصُّ على تشكيل جهاز جديد يسمَّى “جهاز مكافحة الإرهاب”، وتعيينه رئيسًا له. وقد أثار القرار الأخير ردود فعل سلبيَّة بسبب دور “شايع” السابق -عندما كان مديرًا لأمن عدن- في انتهاكات تتعلَّق بحقوق الإنسان.
وبحسب رئيس مجلس القيادة الرئاسي فإنَّ الفشل في جهود دمج التشكيلات العسكرية يعود إلى تحفُّظ بعض قادة التشكيلات العسكرية لاعتقادهم أنَّ عملية الدمج ستفضي إلى أن تكون هذه القوَّات خارج إطار السيطرة لهذا الكيان أو ذاك (في إشارة على ما يبدو إلى المجلس الانتقالي).
ويُمثِّل الإخفاق في دمج التشكيلات العسكرية تحت وزارتي الدفاع والداخلية أحد أهمِّ جوانب الفشل في أداء مجلس القيادة الرئاسي. كما أنَّه مهدِّد إستراتيجي لأيِّ مكتسبات يمكن أن يحقِّقها المجلس، بل ويجعل مستقبل العلاقة بين مكوِّناته محفوفة بمخاطر الانزلاق إلى صراع مسلَّح؛ فكما هو معلوم فإنَّ تعدُّد السلاح غالبًا ما يقود إلى دورات جديدة من الصراع، والخبرة اليمنية خلال العقود الخمسة الأخيرة مشبعة بما يبرهن على ذلك.

مفاوضات السلام

تتابعت خلال السنتين الماضيتين مِن عمر مجلس القيادة الرئاسي مباحثات ومفاوضات بين السعودية وجماعة الحوثي، وانتقلت مِن السرِّية إلى العلنية؛ فقد تبادل الطرفان زيارات الوفود الأمنية والسياسية التي تبحث سبل إنهاء الحرب، في حين لم يشارك مجلس القيادة الرئاسي في المفاوضات بشكل مباشر. وفيما يشير مصدر إلى أنَّ المجلس كان مغيَّبًا تمامًا، يشير مصدر آخر إلى أنَّ القيادة السعودية كانت تُطلِع رئيس المجلس -مِن وقت لآخر- على بعض تفاصيل تلك المفاوضات، فضلًا عن عقد وزير الدفاع السعودي (والمكلَّف بالملفِّ اليمني)، الأمير خالد بن سلمان، اجتماعات بأعضاء المجلس عندما يتطلَّب الأمر مِن المجلس الموافقة على قضايا محدَّدة في خارطة السلام التي تطوُّرها السعودية بناء على مفاوضاتها مع الحوثيين.
وكان موقف المجلس محرجًا، وبدا وكأنَّه في حال مِن التبعيَّة الكاملة للسعودية التي تفاوض نيابة عنه، ولا يملك مِن أمره شيئًا. وكانت مجموعة الأزمات الدولية قد شدَّدت -في تقرير لها- على أنَّ إبعاد مجلس القيادة الرئاسي عن المفاوضات لا يمكن أن يساعد على إنهاء الحرب؛ كما أنَّ هذا الوضع وفَّر لجماعة الحوثي فرصة لشنِّ حملات إعلامية على المجلس، واتِّهامه بالتبعية وعدم الاستقلال، والإعلان المتكرِّر عن رفضهم التفاوض معه وإنَّما مع الطرف الذي يقف خلفه.
ومع مضي السعودية قدمًا في بلورة خارطة طريق للسلام في اليمن، كان على مجلس القيادة الرئاسي أن يبلور رؤية سياسية حول المفاوضات المفترضة مع الحوثيين، وكان هذا الأمر يمثِّل تحدٍّ له نظرًا للتباين الكبير بين مكوِّناته حول مستقبل البلاد. وقد تولَّت “هيئة التشاور والمصالحة”، التابعة للمجلس، مهمة بناء رؤية موحدة، وتمكَّنت المكوِّنات المنضوية فيها -في 7 مارس 2023م- مِن إقرار وثيقة “الإطار العام للرؤية السياسية لعملية السلام الشاملة”، وبحسب عضو مجلس القيادة، فرج البحسني، فقد أقرَّ مجلس القيادة الرئاسي أسماء وفده المفاوض الذي سيجتمع مع الحوثيين. ومع هذا فقد كانت المفاوضات أحد أسباب التوتُّر والخلاف المـُعلن داخل المجلس وبين المكوِّنات الداعمة له، إذ غالبًا ما تطالب قيادة “المجلس الانتقالي” بإدراج القضيَّة الجنوبية في المفاوضات، وأن يكون هناك وفد مفاوض خاصٌّ بـ”المجلس الانتقالي”.

تحدِّيات اقتصادية

واجه مجلس القيادة الرئاسي -خلال العامين الماضيين- صعوبات اقتصادية كبيرة، مثَّلت تحدِّيًا جدِّيًّا له، فقد تراجعت الموارد التي كانت بحوزة السلطة الشرعية على نحو كبير، فقد هاجم الحوثيُّون -في شهر أكتوبر 2022م- موانئ تصدير النفط في شبوة وحضرموت، وتمكَّنوا مِن منع الحكومة الشرعية مِن التصدير، الأمر الذي حرمها ما يزيد على مليار دولار سنويًّا مِن عائدات النفط، وهو المصدر الرئيس للموارد، ويوازي 70% تقريبًا مِن موارد الدولة.
كما أنَّ الهدنة التي جاءت مترافقة مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي أدَّت إلى انتقال الصراع مع الحوثيين إلى طور جديد، ألا وهو “حرب الموارد الاقتصادية”. فإلى جانب منع تصدير النفط، أدَّى رفع قيود الاستيراد عن ميناء الحديدة، والذي تسيطر عليه جماعة الحوثي، إلى تجفيف مصادر دخل الحكومة الشرعية، فقد حرمها مِن قدر كبير مِن إيرادات الضرائب والجمارك، وعمل على تحويلها لصالح الحوثيين، وهو ما ساهم في تفاقم المشاكل الاقتصادية للحكومة الشرعية مِن جهة، وتحسين الوضع المالي للحوثيين، وتغيير ميزان القوَّة لصالحهم من جهة أخرى. كما أنَّ تراجع الموارد ترافق مع ارتفاع كبير في أسعار صرف العملات الأجنبية، إذ وصلت منتصف شهر أبريل الجاري (2024م)، إلى (1,669) ريالًا يمنيًّا للدولار الواحد، وكذا في أسعار السلع والخدمات، ما أحال حياة الناس لضائقة معيشيَّة لا تطاق.
كما تطلَّب توفير خدمة الكهرباء في مناطق الحكومة الشرعية، خاصَّة في مدينة عدن، موارد مالية كبيرة، تصل إلى ما يقرب مِن ثلاثة ملايين دولار شهريًّا، ومعه تحوَّلت خدمة الكهرباء إلى ثقب أسود يلتهم الموارد التي تتحصَّل عليها الحكومة الشرعية، خاصَّة في ظلِّ اتِّهامات بالفساد وسوء الإدارة.
ومِن جهة ثالثة، لم تف دولتا “التحالف” بمستوى الدعم الاقتصادي الذي وعدتا به عند ولادة المجلس، إذ كانت الرياض وأبو ظبي قد أعلنتا التزامهما بتقديم ثلاثة مليار دولار دعمًا له، غير أنَّهما تثاقلتا بعد ذلك في الوفاء بتلك الالتزامات، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة السلطة الشرعية، إذ لم تقدِّم الرياض سوى (1.2) مليار دولار، تسلَّمتها الحكومة على دفعات، الدفعة الأولى مِنه بلغت (267) مليون دولار، في أغسطس 2023م، والدفعة الثانية بلغت (250) مليون دولار، في فبراير 2024م. وغالبًا ما توجِّه الحكومة اليمنية تلك المبالغ للإنفاق على المرتَّبات والأجور والكهرباء.
وقد أدَّت الأزمة الاقتصادية إلى تداعيات مختلفة، فقد وسَّعت مِن مساحة التذمُّر الشعبي مِن سياسات مجلس القيادة وحكومته، وتراجع كبير في شرعيَّته، كما أنَّها مِن جهة أخرى ساهمت في إجبار “المجلس الانتقالي” على التخفيف مِن شططه، والتسليم بدور المجلس والحكومة في التعامل مع هذه الأزمة.

هجمات البحر الأحمر

تصاعدت الأوضاع في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، منذ أكتوبر الفائت، فقد استهدف الحوثيُّون عدَّة سفن تجارية وعسكرية، ونفَّذت الولايات المتَّحدة وبريطانيا هجمات على أهداف عسكرية في عدد مِن المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، وازداد الاشتباك في البحر الأحمر بفعل التطوُّرات الأخيرة بين إيران وإسرائيل.
وقد ألقت تلك الهجمات بظلال متعدِّدة على مجلس القيادة الرئاسي، فمِن جهة أدَّت إلى تغيير نسبي في الموقف الدولي مِن الصراع في اليمن، وساعدت في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى مخاطر تصاعد نفوذ الحوثيين، وإلى الأضرار التي يمكن أن تلحق الأمن الإقليمي والمصالح الدولية مِنهم، ودفعت إلى مزيد مِن الدعم الدولي للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، فمع استمرار هجمات الحوثيين حصل تغيُّر ، وبدا هذا التغيُّر في قرار مجلس الأمن (2722)، والذي أكَّد بالإجماع على القرار (2216)، وهو القرار الذي صدر المجلس في 2015م، ومثَّل أساسًا لشرعية التدخُّل العسكري لـ”التحالف العربي”، وتضمَّن القرار دعوة الدول لدعم قوَّات خفر السواحل اليمنية. وقد عدَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي خطوة إيجابية في الطريق الصحيح لمزيد مِن الدعم للقدرات العسكرية للحكومة الشرعية.
وأدَّى استمرار الهجمات والتوتُّر في البحر الأحمر وخليج عدن إلى تماسك نسبي بين أعضاء مجلس القيادة والمكوِّنات الداعمة له، بفعل تزايد المخاطر التي نتجت عن ذلك، ووجود فرص في إمكانية الحصول على دعم مِن قبل المجتمع الدولي.
وكان التأثير الأبرزتلك الهجمات هو تجميد مسار التسوية السياسية، فقد كانت الأطراف اليمنية على وشك التوقيع على خارطة للسلام، أعدَّتها السعودية بناء على مفاوضاتها مع الحوثيين كما سبق. غير أنه وبفعل الضغوط الأمريكية اضطرَّت السعودية إلى تأجيل التوقيع على تلك الخارطة. ويبدو أنَّ الاشتباك الأخير بين إيران وإسرائيل وضع السلام في اليمن أمام مسارات مختلفة، ورجَّح مِن فرص العودة إلى الحرب في ظل رغبة غير ملعنة بذلك من قبل مختلف الأطراف؛ وهو ما دعا المبعوث الدولي، “هانس جروندبرج”، إلى مطالبة الأطراف في اليمن بعدم استغلال الأوضاع الحالية كفرصة للتخلِّي عن الالتزامات التي تعهَّدت بها أواخر عام 2023م، والتي مِن شأنها أن تشكِّل أساسًا لخارطة طريق للسلام في اليمن.
وفي المقابل، أزاحت هجمات البحر الأحمر الضغوط الشعبية عن الحوثيين، فقد وضعت الهدنة التي استمرَّت لمدَّة عامين الحوثيِّين في مواجهة مباشرة مع المطالب الشعبية، وفي مقدِّمتها دفع مرتَّبات الموظَّفين الحكوميين، لا سيَّما مع ارتفاع إيراداتهم المالية بسبب فتح ميناء الحديدة، وتحوُّل استيراد الكثير مِن البضائع عن طريقه، وما يعنيه ذلك مِن ارتفاع ما يحصلون عليه مِن عائدات الجمارك والضرائب، وفيما كان التذمُّر الشعبي في حال تصاعد وآخِذٍ في التحوُّل إلى حراك مجتمعي للمطالبة بصرف المرتَّبات، جاءت هجمات البحر الأحمر ووفَّرت للحوثيين مبرِّرات جديدة للتنصُّل عن التزاماتهم، بل وحرف الأمور بعيدًا مِن خلال الادِّعاء بالدفاع عن القضية الفلسطينية، واستغلال ما تتمتَّع به هذه القضية مِن حضور كبير في وجدان اليمنيين ومشاعرهم.
كما أنَّ هجمات البحر الأحمر وفرَّت للحوثيين لافتة جديدة للتعبئة العسكرية لقطاعات مِن المجتمع والشباب اليمني، بدعاوى المشاركة العسكرية في الحرب بغزَّة. وفي ظلِّ ما بدا أنَّه خذلان من الدول العربية والإسلامية لأهل غزَّة والشعب الفلسطيني ومعه ارتفعت أسهم الحوثيِّين في الأوساط الشعبية داخليًّا وخارجيًّا.
وينظر مجلس القيادة -وغالبية اليمنيين- بقلق بالغ إلى تزايد شعبية الحوثيِّين، إذ أنَّ هذا يعني القدرة على تجنيد وحشد الكثير مِن الشباب، وإمكانية الزجِّ بهم في معارك جديدة، ومعها تزداد احتمالات انزلاق اليمن مجدَّدًا إلى دورة حرب قد تكون أكثر عنفًا مِن سابقاتها، بفعل إقحام الحوثيين للمقدَّسات فيها.
كما أنَّ تلك الهجمات ضاعفت مِن المصاعب الاقتصادية في مناطق الحكومة الشرعية، واليمن عمومًا، فقد تسبَّبت في ارتفاع رسوم التأمين على الموانئ اليمنية إلى خمسة أو ستَّة أضعاف، وارتفعت رسوم الشحن إلى ثمانية أضعاف، وانعكس ذلك على ارتفاع أسعار السلع والخدمات؛ وأكثر مِن ذلك فإنَّها تضع البلاد أمام مخاطر مجاعة محتملة، إذ أنَّ تعرّض سلاسل إمداد الغذاء لمخاطر حقيقية قد يجعل اليمن قاب قوسين أو أدنى مِن المجاعة في ظل انعدام للأمن الغذائي وانفتاح المنطقة على مسارات غامضة وخطيرة.

توصيات لصنَّاع السياسات

أوَّلًا: لأعضاء مجلس القيادة:
تتوافر فرصة سانحة لإمكانية الحصول على دعم مِن المجتمع الدولي، يُساهم في تغيير الميزان العسكري في البلاد، في ظلِّ تنامي قناعة الأطراف الدولية الفاعلة بفشل التعويل على العمل السياسي لإيجاد حلٍّ للصراع في اليمن. ويبدو أنَّ عدم الثقة بقدرة السلطة الشرعية على تحقيق هذا التحوُّل العسكري نتيجة حالة التناقض بين مكوِّناتها، والرسائل المتعدِّدة والمتناقضة التي تصدر عنها، يجعل الأطراف الدولية في حال تردُّد. فعلى مجلس القيادة ألَّا يفوِّت مثل هذه الفرصة، وأن يتبنَّى رؤية واضحة في هذا الأمر، وأن يُظهِر موقفًا متماسكًا، وأن يُترجم ذلك في الكثير مِن الأمور، وفي مقدِّمتها المضي قدمًا في دمج التشكيلات العسكرية تحت إمرة وزارتي الدفاع والداخلية.
ثانيًا: للمجتمع الدولي
بالرغم مِن نقاط الضعف الحقيقية التي يُعاني مِنها مجلس القيادة الرئاسي إلَّا أنَّ الاستثمار فيه هو أقصر الطرق وأضمنها لتحقيق استقرار دائم في اليمن، وأمن للإقليم، وحماية للمصالح الدولية. ونظرًا لأنَّ مجلس القيادة تحت تأثير مباشر لدولتي “التحالف” فإنَّ على الأطراف الدولية ممارسة الكثير مِن الضغوط عليهما لتوفير أكبر قدر مِن التماسك والفاعلية للمجلس.

 

 

Author

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى