إلى إخوتنا الفلسطينيين ناصرنا قضيتكم… فلا تناصروا قاتلنا

 

لم يكن اليمني الذي ناصر فلسطين ينتظر أن يأتي يوم يدافع فيه عن حرمة دمه أمام بعض من ناصرهم. لكن ذلك ما يحدث حين يسمع من إخوةٍ فلسطينيين وشخصيات إسلامية عربية تمجيدا وتأييدا للحوثي، ويرى أن ما فعله بإسرائيل قد حجب عن أعينهم ما فعله باليمنيين. هنا يبدأ عتبنا: كيف تتسع الذاكرة لصاروخ أُطلق نحو إسرائيل، وتضيق عن سنوات من القتل والتهجير في اليمن؟ وكيف يُطلب ممن شرد وطرد من بيته أو فقد أحد أهله أن يتقبّل تمجيد من ظلمه، باسم قضيةٍ ما زال يعدّها قضيته؟

لم نختلف معكم على فلسطين حتى يصبح موقف الحوثي منها جوابًا عن مظلمتنا. ولم نطلب منكم أن تختاروا بين غزة واليمن. نحن الذين لم نفصل يومًا بين حق الفلسطيني في أرضه وحق اليمني في وطنه، نجد أنفسنا اليوم مضطرين إلى شرح أمر كان يفترض أن يكون بديهيًا بيننا: نصرة المظلوم في بلد لا تمنح صاحبها حق ظلمه في بلد آخر.

نعرف قسوة ما تعيشه غزة، وندرك معنى أن يبحث المحاصر عن أي يد تمتد إليه. لكن فهمنا لهذا الاضطرار لا يجعلنا نقبل تحويل الحوثي إلى قدوة، أو منح مشروعه شهادة صلاح. كان يمكن تقدير موقف بعينه دون تبرئة صاحبه من بقية أفعاله، وكان يمكن الحديث عن فلسطين دون إهانة ذاكرة اليمنيين. أما أن يُرفع من قتلهم إلى مقام البطولة، ثم يُطلب منهم الصمت مراعاةً للمقاومة، فذلك ظلم آخر يأتيهم هذه المرة من جهة الإخوة ولا يمكن قبوله.

لقد عرفتم اليمن قبل أن تعرفوا الحوثي. عرفتم مساجده ومنابره، وتجارَه وجمعياته، وبيوتًا كان لفلسطين نصيب مما يدخلها من رزق. ويعرف القائمون على حملات دعم فلسطين ما قدّمه اليمنيون، وبينهم أبناء القوى التي تقاتل الحوثي اليوم. هؤلاء لم يتخلوا عن فلسطين حين خسروا مدنهم، ولم يشترطوا موقفًا من مأساتهم حتى يتضامنوا مع غزة. فكيف غابوا عن المشهد في أعينكم، وحضر الحوثي وحده ممثلًا لليمن وضميره؟

لا نسرد ذلك طلبًا لردّ الجميل، وإنما لأن في هذا التجاهل جحودًا يصعب تجاوزه. يؤلمنا أن يُنسى من وقف معكم طويلًا، وأن يُحتفى بمن نكّل به، ثم تُختصر شكواه في أنه لا يفهم مقتضيات المعركة. نحن نفهم معنى المعركة جيدًا؛ فقد دفعنا من أعمارنا وبيوتنا وأهلنا ما يكفي لنعرف أن دم الإنسان لا يجوز أن يصبح تفصيلًا في حسابات التحالف.

والأخطر أن مديح الحوثي لا يصل إلينا بوصفه رأيًا بعيدًا لا يعنينا. فالكلمة التي تصدر عن شخص من غزة، أو عن اسم مرتبط بالمقاومة الفلسطينية، يستطيع الحوثي أن يحملها إلى اليمنيين ويحتج بها عليهم. يعرضها في دعايته، ويستند إليها في التحشيد، ويقول للشباب إن الالتحاق بصفوفه هو طريق نصرة فلسطين، وإن من يقاتلونه يقفون في وجهها. هكذا يمكن لكلمة شكر أن تُستخدم في استدعاء مقاتلين إلى جبهات يمنية، وأن تتحول إلى غطاء لحرب يدفع أهلنا ثمنها قتلًا وتهجيرًا وجوعًا.

قد لا يكون هذا قصد من قالها، لكنه مسؤول عن الانتباه إلى أثرها. أنتم تعرفون قيمة الصوت القادم من غزة في وجدان الناس. فكيف تُمنح هذه الاصوات للحوثي دون اعتبار لمن يقتلون بسلاحه؟ وكيف لا يكون في حساب المتحدث أمٌّ يمنية تسمع من يمدح قاتل ولدها باسم القضية التي ربّت ولدها على محبتها وتبرعت بذهبها لنصرة هذه القضية؟

ولو منح بعض المحتفين بالحوثي ضحايا الحوثي جزءًا من الوقت الذي يمنحونه لخطاباته، لتغيّرت الصورة كثيراً في أذهانهم. اسمعوا للمعتقلين عن التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له، ولأسر المخفيين عن سنوات الانتظار التي لاتنتهي كمحمد قحطان ، وللنساء عن القمع والإذلال في سجون الحوثي واليمنية كانت مكرمة لم تعرف دخول السجن قبل مجيئ الحوثي. هذه ليست اتهامات عابرة في خصومة سياسية؛بل حقائق يمكنكم سماعها والتأكد منها. فبأي حق يُطلب من أصحاب هذه المظالم أن يؤجّلوا وجعهم كلما رفع الحوثي اسم فلسطين؟

يا إخوتنا، اتقوا الله في دمائنا. لا تجعلوا ما فعله الحوثي ضد إسرائيل يحجب عنكم ما فعله بنا، ولا تمنحوه من رصيد فلسطين ما يستقوي به على اليمنيين. لسنا نطالبكم بأن تخوضوا معركتنا، وإنما بأن تكفّوا عن تمجيد من يجرم في حقنا.

ستبقى فلسطين قضيتنا، ولن نتخلى عنها بسبب خذلان شخص أو انحياز فصيل. لكن ثباتنا على نصرتها لا يعني أن نسكت عمّن يسترخص دماءنا باسمها. كان حقنا عليكم أن تجدوا لمظلمتنا مكانًا في ضمائركم؛ فإن عجزتم عن نصرتنا، فلا تزيدوا وجعنا بتمجيد من ظلمنا.

ناصرنا قضيتكم… فلا تناصروا قاتلنا.

مشير الصبري

باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
زر الذهاب إلى الأعلى