اليمن والدولة المؤجلة

من أحرار الأربعينيات إلى اليوم: كيف راكم اليمنيون تجارب السياسة ولم يراكموا الدولة؟

ليس السؤال الأكثر إلحاحا في اليمن اليوم: من يحكم؟ ولا حتى: أي مشروع سياسي سينتصر؟ بل سؤال أعمق من ذلك بكثير: هل يستطيع اليمنيون، بعد ثمانية عقود تقريبا من الثورات والانقلابات والحروب والوحدات والتسويات، أن يبنوا دولة لا تبدأ حياتها وتنتهي مع كل منتصر جديد؟

 

منذ أن بدأ الأحرار اليمنيون في أربعينيات القرن العشرين التفكير في تقييد سلطة الإمام بالدستور، وحتى الصراع الراهن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تغيّر في اليمن كل شيء تقريبا: سقطت الإمامة، وقامت الجمهورية، وانتهى الاستعمار في الجنوب، وظهرت دولتان ونظامان متعارضان، ثم توحدتا، وأُقر دستور تعددي، وأُجريت انتخابات، واندلعت حرب أهلية، وقامت ثورة شعبية، وعُقد مؤتمر حوار وطني، وكُتب مشروع دستور جديد، ثم تفكك مركز الدولة مجددا ودخل البلد حربا طويلة.

لكن الشيء الذي لم يكتمل في كل هذه المراحل هو تراكم الدولة ذاتها.

وهنا تكمن المعضلة اليمنية الكبرى.

 

فاليمن ليس بلدا يفتقر إلى التجربة السياسية. العكس هو الصحيح؛ إنه بلد مثقل بالتجارب السياسية. غير أن خبراته المتراكمة في الثورة والمعارضة والحرب والتسويات لم تتحول بالقدر نفسه إلى تراكم مؤسسي. وفي كل مرة كان اليمن يقترب فيها من لحظة تأسيس جديدة، كان الصراع على السلطة يسبق عملية بناء المؤسسات، فتتحول الدولة من إطار محايد لتنظيم التنافس إلى جائزة يسعى المنتصر إلى الاستحواذ عليها.

ومن هنا يمكن قراءة تاريخ اليمن الحديث بطريقة مختلفة: ليس باعتباره سلسلة من الثورات فحسب، وإنما بوصفه سلسلة متصلة من المحاولات غير المكتملة للانتقال من حكم الأشخاص والجماعات إلى حكم المؤسسات.

 

البداية: عندما ظهر الدستور قبل الجمهورية

بدأ السؤال عن الدولة الحديثة في اليمن قبل ثورة سبتمبر بسنوات طويلة.

ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين تشكلت معارضة سياسية وفكرية ضد نظام الإمام يحيى حميد الدين، وتبلورت بصورة أوضح مع نشاط حركة الأحرار اليمنيين في عدن منذ منتصف الأربعينيات. وتُظهر الدراسات الأكاديمية أن الحركة لم تكن تسعى فقط إلى استبدال شخص بآخر، بل حملت أفكارا حول إصلاح الإدارة والتعليم والاقتصاد وتقييد السلطة وتنظيم الحكم دستوريا. وفي فبراير 1948 أُعلنت حكومة دستورية عقب مقتل الإمام يحيى، لكنها لم تعمر سوى أسابيع قبل أن يستعيد الإمام أحمد السلطة.

كانت التجربة قصيرة وفاشلة عسكريا، لكنها مهمة جدا في تاريخ فكرة الدولة اليمنية.

للمرة الأولى تقريبا، انتقل الخلاف من سؤال “من الإمام؟” إلى سؤال أكثر حداثة: “كيف يجب أن تُمارس السلطة؟”

وهذا تحول جوهري.

فالانتقال من الدولة الشخصية إلى الدولة المؤسسية يبدأ عندما لا تعود صلاحية الحاكم مستمدة فقط من نسبه أو قوته أو تحالفاته، وإنما من قواعد مجردة تعلو عليه هو نفسه.

لهذا يمكن النظر إلى ثورة 1948، بغض النظر عن الخلاف الأكاديمي حول تسميتها انقلابا أو ثورة، باعتبارها أول محاولة واضحة في التاريخ اليمني الحديث لوضع الدستور بين الحاكم والسلطة.

لكنها كشفت في الوقت نفسه الدرس الأول في تاريخ بناء الدولة اليمنية: الفكرة الدستورية وحدها لا تصنع دولة.

كان لدى الأحرار تصور للإصلاح، لكنهم لم يمتلكوا مؤسسات مستقرة أو جهاز دولة متماسكا أو قاعدة اجتماعية وعسكرية تستطيع حماية النظام السياسي الجديد. وحين اصطدمت الوثيقة الدستورية بموازين القوة الفعلية، انتصرت موازين القوة.

وسيظهر هذا التناقض مرارا في تاريخ اليمن اللاحق.

 

سبتمبر 1962: تأسيس الجمهورية وبداية الدولة الحديثة

جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 لتنجز التحول الذي فشل مشروع 1948 في تثبيته: إنهاء نظام الإمامة في الشمال وإعلان الجمهورية العربية اليمنية.

لكن الجمهورية لم تولد بوصفها جهاز دولة مكتملا؛ ولدت وسط حرب أهلية وتدخلات إقليمية وصراع واسع امتد معظم عقد الستينيات. وتبين الدراسات التاريخية أن الحرب اليمنية أصبحت آنذاك جزءا من الصراعات الإقليمية الأوسع، فيما بدأت الجمهورية الناشئة في الوقت نفسه إنشاء مؤسسات الإدارة والتعليم والصحة والجيش. وبعد انتهاء المرحلة الرئيسية من الحرب أُقر دستور جمهوري عام 1970، وتوسعت خلال السبعينيات الوزارات والبنك المركزي وأجهزة الإدارة العامة.

كانت تلك قفزة تاريخية ضخمة.

أصبح اليمني ـ نظريا على الأقل ـ مواطنا في جمهورية لا تابعا لنظام سلالي. وأصبحت المدرسة والمستشفى والوزارة والجيش والوظيفة العامة أدوات الدولة الجديدة.

لكن ثورة سبتمبر تركت خلفها سؤالا لم يُحسم بالكامل: هل قامت الجمهورية باعتبارها دولة مؤسسات، أم باعتبارها تحالفا سياسيا وعسكريا واجتماعيا يحمي النظام الجمهوري؟

مع مرور الوقت، نشأت صيغة تجمع بين المؤسسة الرسمية وشبكات القوة القبلية والعسكرية والشخصية. وتشير دراسات عن تطور الجمهورية في الشمال إلى أن عدم اكتمال بناء الدولة وسياسات الاستيعاب والمحسوبية ومنح زعماء اجتماعيين وعسكريين أدوارا داخل النظام ساهمت في إنتاج اختلالات طويلة المدى.

وهكذا أنتجت سبتمبر الجمهورية، لكنها لم تنهِ بالكامل المسافة بين الجمهورية كنظام سياسي والدولة كنظام مؤسسي.

وهذا تمييز بالغ الأهمية.

قد تنجح الثورة في تغيير شكل الشرعية خلال أيام، لكن بناء جهاز إداري محترف وقضاء مستقل وجيش وطني ونظام مالي فعال وثقافة سياسية تحترم القواعد يحتاج أجيالا.

 

الجنوب: التجربة الأخرى للدولة

في الطرف الآخر من اليمن كانت تتشكل تجربة مختلفة تماما.

انتهى الوجود البريطاني في عدن في نوفمبر 1967، وقامت دولة جنوب اليمن التي تحولت لاحقا إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وعلى خلاف النموذج الذي نشأ في الشمال، اتجه الجنوب نحو مركزية شديدة وبناء جهاز دولة واسع، وتوسعت المؤسسات العامة والتعليم والخدمات الصحية والتوظيف الحكومي. وتشير الدراسات المقارنة للإدارة اليمنية إلى أن الجنوب أنشأ شبكات واسعة نسبيا للتعليم والخدمات الصحية، في حين أصبح القطاع العام مركز النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

بعبارة أخرى، خاض اليمن تجربتين متعاكستين تقريبا.

في الشمال كانت الدولة تفاوض المجتمع ومراكز القوة وتتعايش معها وتستوعبها.

وفي الجنوب حاولت الدولة إعادة تشكيل المجتمع من الأعلى.

نجحت التجربة الجنوبية في بناء جهاز إداري ومؤسسات أكثر حضورا في الحياة اليومية، لكنها دفعت في المقابل ثمنا سياسيا مرتفعا بسبب تركيز السلطة داخل حزب واحد وضعف آليات التداول السلمي للخلافات. وعندما انفجرت صراعات القيادة في يناير 1986، تحولت أزمة داخل النظام إلى مواجهة دموية هزت الدولة نفسها.

وهنا ظهرت الخبرة اليمنية الثانية الكبرى:

كما أن التعدد الاجتماعي بلا دولة قوية قد ينتج التفكك، فإن الدولة القوية بلا مؤسسات سياسية قادرة على إدارة الخلاف قد تنتج الانفجار.

فالمؤسسات ليست مباني ووزارات فقط. الدولة المستقرة هي منظومة تستطيع تحويل الخلاف السياسي من معركة وجود إلى نزاع يمكن احتواؤه بالقانون.

 

الوحدة عام 1990: دولتان اتحدتا قبل أن تتوحد مؤسساتهما

في 22 مايو 1990 حدث ما بدا حينها تتويجا لمسار تاريخي طويل: توحدت الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في دولة واحدة.

كانت لحظة استثنائية.

لم تكن الوحدة مجرد ضم جغرافي؛ لقد جمعت تجربتين سياسيتين وإداريتين واجتماعيتين مختلفتين بصورة جوهرية. واعتمدت الدولة الجديدة دستورا تعدديا، وسمحت بالتعددية الحزبية والصحافة والانتخابات. وفي أبريل 1993 جرت انتخابات برلمانية وطنية انتهت إلى حكومة ائتلافية.

لكن المشكلة كانت أن الدولتين اندمجتا سياسيا أسرع مما اندمجتا مؤسسيا.

كان هناك جهازان إداريان، ونظامان قانونيان، وثقافتان بيروقراطيتان، والأخطر من ذلك جيشان لم يتحولا فعليا إلى جيش وطني واحد.

وتوضح دراسات البنك الدولي أن عملية الوحدة ورثت جهازين حكوميين مختلفين وأدت إلى ازدواج الوظائف والمؤسسات، بينما بقي دمج الإدارة عملية بطيئة ومعقدة.

ثم جاءت أزمة 1994.

وبدل أن تُحل أزمة الوحدة من خلال بناء عقد مؤسسي جديد، حُسمت عبر الحرب. وانتهت المواجهة العسكرية بانتصار طرف، لكنها لم تستطع بالقوة وحدها إنتاج الإجماع الذي تحتاج إليه الدولة الموحدة. وظلت أسئلة توزيع السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأطراف والقضية الجنوبية حاضرة في العقود التالية.

وهنا يظهر درس تاريخي ثالث:

الوحدة السياسية لا تصبح دولة بمجرد رفع علم واحد.

الدولة الموحدة تحتاج جيشا واحدا، ومالية عامة واحدة، وقضاء واحدا، وقواعد متفقا عليها لتوزيع الموارد والسلطات، وشعورا عاما بأن المؤسسات لا تنتمي إلى المنتصر في آخر حرب.

وإذا غابت هذه العناصر، تصبح الوحدة الجغرافية أوسع من الوحدة المؤسسية.

 

الاستقرار الذي أكل الدولة

بعد حرب 1994 دخل اليمن مرحلة طويلة بدت ظاهريا أكثر استقرارا.

لكن جزءا مهما من الأدبيات التي درست نظام علي عبد الله صالح يرى أن هذا الاستقرار اعتمد بدرجات متفاوتة على شبكة واسعة من التوازنات والمحسوبية والعلاقات الشخصية والقبلية والعسكرية، بحيث أصبحت المؤسسات الرسمية تعمل جنبا إلى جنب مع شبكات غير رسمية للقوة والنفوذ.

كانت الدولة موجودة: وزارات، برلمان، انتخابات، جيش، قضاء، أحزاب، أجهزة رقابية.

لكن وجود المؤسسات لا يعني بالضرورة أنها المصدر الحقيقي للقرار.

وهنا يمكن فهم أحد أخطر أشكال ضعف الدولة: الدولة التي تمتلك المؤسسات شكلا، بينما تتحرك السلطة فعليا من خلال الأشخاص والشبكات.

في مثل هذا النظام يستطيع الرئيس القوي أن يحافظ على التوازن لسنوات طويلة، لكن النظام يراكم هشاشته في الوقت نفسه؛ لأن العلاقات التي كان يديرها الفرد لا تتحول إلى قواعد تستطيع المؤسسة إدارتها بعده.

ولهذا ميّزت دراسات اليمن بين “قوة النظام” و”قوة الدولة”. يمكن لنظام سياسي أن يكون قادرا على البقاء، بينما تظل الدولة نفسها ضعيفة.

وقد عبّر اليمنيون خلال احتجاجات 2011 عن هذه المفارقة بمطلب شديد الدلالة: دولة المؤسسات. وقد لاحظت دراسات تلك المرحلة أن هذا التعبير كان يعني، في الوعي السياسي للمحتجين، دولة تحدد فيها الإجراءات والمؤسسات النتائج بدل الأفراد.

 

الثورة التي أعادت سؤال الدولة 2011

مثلت انتفاضة 2011 لحظة جديدة في التاريخ السياسي اليمني.

لم يكن الاحتجاج على شخص الرئيس وحده؛ كانت هناك مطالب بمكافحة الفساد، وإصلاح أجهزة الدولة، وتوسيع المشاركة السياسية، وإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة.

أفضت الأزمة إلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية في نوفمبر 2011، ثم المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار الوطني.

ولعل مؤتمر الحوار الوطني كان أكبر محاولة يمنية منذ الوحدة لإعادة التفكير في شكل الدولة نفسها، لا مجرد هوية من يحكمها.

شارك في المؤتمر 565 مندوبا من قوى سياسية ومناطق وفئات اجتماعية متعددة، وانتهت أعماله في يناير 2014 إلى مبادئ تناولت شكل الدولة والحكم الرشيد وسيادة القانون والحقوق، وأُنشئت لجنة لصياغة دستور جديد.

كانت لدى اليمن، للمرة الأولى تقريبا، كتلة هائلة من الأفكار المكتوبة حول الدولة التي يريدها اليمنيون: اللامركزية، العلاقة بين المركز والأقاليم، استقلال القضاء، الحقوق، تقاسم السلطة، إصلاح الجيش والأمن، والقضية الجنوبية وغيرها.

لكن تجربة 2011–2014 أعادت إنتاج مشكلة 1948 بصورة أكثر تعقيدا.

في 1948 كان هناك دستور بلا قوة مؤسسية تحميه.

وفي 2014 كان هناك حوار وطني ومشروع دستور وانتقال سياسي، بينما ظلت موازين السلاح والانقسامات العسكرية والسياسية والاجتماعية خارج سيطرة المؤسسات الانتقالية.

أي أن اليمن امتلك مرة أخرى تصورا للدولة أكبر من قدرة الدولة القائمة على تنفيذه.

وفي سبتمبر 2014 سيطرت جماعة أنصار الله (الحوثيون)، بمساندة وحدات عسكرية متحالفة معها آنذاك، على صنعاء ومؤسسات رئيسية، ثم توسع الصراع خلال الأشهر التالية. ومع مطلع 2015 انهارت العملية الانتقالية ودخل اليمن طورا جديدا من الحرب.

من الدولة الضعيفة إلى السيادات المتعددة

الحرب التي تلت ذلك لم تدمر البنية التحتية والاقتصاد فحسب؛ بل مست جوهر فكرة الدولة.

تآكل احتكار السلطة العامة للسلاح، وتوزعت مراكز القرار والقوة والموارد، ونشأت سلطات ومؤسسات وشبكات أمنية وعسكرية متوازية في مناطق مختلفة.

وتصف الدراسات الأكاديمية هذه المرحلة بأنها انتقال من نظام كانت فيه المحسوبية تعمل داخل دولة مركزية ضعيفة إلى مشهد أصبحت فيه شبكات القوة تعمل في فضاء من السيادة المتنازع عليها، مع تعدد الفاعلين العسكريين والسياسيين.

وهذا أخطر كثيرا من ضعف الحكومة.

لأن الدولة عندما تضعف يمكن إصلاح مؤسساتها.

أما عندما تتعدد السلطات التي تدّعي وظائف الدولة نفسها ـ الأمن والجباية والقضاء والإدارة والتمثيل السياسي ـ فإن إعادة بناء الدولة تصبح عملية لإعادة توحيد السيادة نفسها.

وبحلول 2026، لم تعد هذه المسألة مجرد توصيف سياسي. فقد جعل البنك الدولي “تجزؤ وإضعاف أنظمة الحكم الأساسية” أحد القيود الرئيسية على التعافي طويل المدى، وخصص ضمن إطار الشراكة مع اليمن 2026–2030 مشروعا لتحديث المؤسسات والأنظمة العامة وإعادة بناء الإدارة المالية والقدرة الإحصائية للدولة. وتشير بيانات البنك إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للفرد انخفض بنحو 58 في المئة بين 2015 و2024، وأن نحو ثلاثة أرباع السكان يعيشون في الفقر.

وفي سبتمبر 2026، كان المبعوث الأممي إلى اليمن يتحدث مجددا عن تصاعد خطر العودة إلى نزاع واسع النطاق. وهذا يعني أن سؤال الدولة الذي طرحه أحرار الأربعينيات لم يُحسم بعد بعد نحو ثمانية عقود.

ما الذي تراكم إذن؟

قد يوحي هذا التاريخ بأن اليمن ظل يدور في الدائرة نفسها.

لكن هذه قراءة ناقصة.

فاليمن لم يعد إلى النقطة صفر.

لقد تراكمت داخله خبرات ضخمة، حتى وإن فشل النظام السياسي في تحويلها إلى بناء مؤسسي مستدام.

من تجربة الأحرار تراكمت فكرة الدستور.

ومن سبتمبر تراكمت فكرة الجمهورية والمواطنة.

ومن تجربة الجنوب تراكمت خبرة الإدارة المركزية والخدمات العامة.

ومن الوحدة تراكمت خبرة التعددية السياسية والمؤسسات الوطنية المشتركة.

ومن أزمة 1994 تراكم الإدراك بأن الوحدة لا تستقر إذا لم تقترن بشراكة عادلة ومؤسسات جامعة.

ومن تجربة العقود التالية ظهرت حدود حكم المحسوبية والشبكات الشخصية.

ومن 2011 تراكمت خبرة المشاركة المجتمعية الواسعة.

ومن الحوار الوطني تراكمت واحدة من أكبر قواعد الأفكار والمقترحات الدستورية في تاريخ اليمن.

ومن الحرب الحالية تراكم درس ربما يكون الأقسى بينها جميعا: أن كلفة غياب الدولة أكبر بكثير من كلفة الخلاف حول شكلها.

هذه الخبرة التاريخية هي رأس مال سياسي لا ينبغي تبديده.

فالمطلوب في أي تسوية مستقبلية ليس اختراع اليمن من جديد، بل قراءة ما جُرِّب بالفعل: ما نجح، وما فشل، ولماذا.

اليمن لا يحتاج ثورة تأسيسية جديدة بقدر حاجته إلى تراكم مؤسسي

لعل أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه اليمنيون بعد نهاية الحرب هو التعامل مع اليوم التالي للحرب باعتباره “السنة صفر”.

هذه كانت إحدى مشكلات التاريخ اليمني الحديث.

كل سلطة جديدة تعاملت، بدرجات مختلفة، مع ما قبلها باعتباره مرحلة ينبغي تجاوزها، بدل النظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها ملكا عاما يتراكم عبر الأنظمة.

الدولة الحقيقية لا تبدأ مع كل رئيس.

ولا يُعاد تأسيس الجيش مع كل تحالف.

ولا يُكتب النظام الإداري من الصفر مع كل انقلاب سياسي.

الدول التي تستقر ليست تلك التي لا تتعرض للأزمات، وإنما تلك التي تستطيع تغيير حكوماتها وتحالفاتها وسياساتها من دون أن تنهار معها الدولة.

وهذه ربما هي الحلقة المفقودة في التجربة اليمنية.

ماذا يعني بناء الدولة في اليمن اليوم؟

إذا أُخذت دروس العقود الثمانية الماضية بجدية، فإن مشروع بناء الدولة في اليمن ينبغي ألا يُختزل في تشكيل حكومة مركزية جديدة.

إنه عملية أوسع بكثير.

أول عناصرها هو إعادة بناء المؤسسة العامة بوصفها مؤسسة غير شخصية. الموظف والقاضي والضابط والمحافظ ومدير المدرسة ينبغي أن يعملوا وفق القانون، لا وفق انتمائهم إلى الشخص أو الجماعة التي تسيطر في لحظة معينة.

والثاني هو إعادة بناء احتكار الدولة المنظم لاستخدام القوة. لا يمكن قيام دولة مستقرة إذا ظل القرار

 

محمد قطران

طالب ماجستير في الاقتصاد و العلوم السياسية
زر الذهاب إلى الأعلى