الدولة التي تعيد إنتاج خصومها

في العاشر من سبتمبر لم يستغرق سقوط المخا أسابيع من الحصار، ولا معركة طويلة تستنزف المدافعين عنها. خلال وقت قصير سقطت المخا في أيدي الحوثيين؛ المدينة التي تحولت خلال سنوات إلى قاعدة طارق صالح الرئيسية ومركز ثقله العسكري في الساحل الغربي، وتصدعت معها الصورة التي بُنيت حول قوة أُنفقت عليها الأموال ووُفرت لها الأسلحة والتدريب. بعد يوم واحد كان الحوثيون قد وصلوا إلى ذباب وميون في باب المندب، في واحد من أكبر التحولات الميدانية التي شهدتها الحرب منذ هدنة أبريل 2022.
في البداية قيل إن الحوثيين دفعوا بحشود كبيرة وأن فارق العدد فرض التراجع، وهي رواية قد تفسر هزيمة وقعت بعد قتال يتناسب مع حجم القوة المهاجمة، لكنها تصبح أقل قدرة على تفسير المشهد كلما ظهرت تفاصيل أخرى عن الطريقة التي سقطت بها المواقع. خرج محافظ الحديدة الحسن طاهر ليقول أن ما جرى لم يكن -بحسب وصفه- هزيمة عسكرية، وأن “حرباً” لم تقع، بل تحدث عن خديعة ومؤامرة كبيرة وعن جهات دفعت وموّلت وسهّلت ما حدث. وحين يصدر كلام عن مسؤول عايش واقع الساحل وقواه وتوازناته، فإنه ينقل السؤال من حجم القوات التي هاجمت إلى ما جرى داخل الجبهة التي كان يفترض أن تمنعها من التقدم.
ولا نعرف حتى الآن كل تفاصيل تلك الساعات، لكن أياً من التفسيرات المحتملة لا يبدو مريحا. فإذا كان هناك قرار متعمد قد أفضى إلى ترك المواقع، فالقضية تتجاوز الخطأ العسكري بكثير، وإذا لم يكن، فنحن أمام خلل في القيادة أو الاختراق أو التقدير لا يجعل النتيجة أقل فداحة. فالحوثي لم يظهر فجأة على تخوم المخا، ولم يكن خصما مجهولًا، ولا كانت مشكلة الولاءات المتحركة والاختراقات في الحرب اليمنية أمرا اكتُشف صباح العاشر من سبتمبر. لكن المخا، على أهميتها، ليست بداية الحكاية؛ وربما يكون من الخطأ أن ننظر إليها بوصفها حادثة منفصلة، فيما هي أحدث مشهد في الطريقة التي أدارت بها الدولة اليمنية، ومعها حلفاؤها، علاقتها بالتشكيلات المسلحة الواقعة خارج سلطة الدولة.
ولفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة، يكفي أن نعود إلى عام 2013، حين كان الحوثيون يجلسون مع بقية القوى اليمنية في قاعات مؤتمر الحوار الوطني. كان اليمنيون يناقشون الدستور وشكل الدولة والجيش ومستقبل النظام السياسي، وكان الحوثيون جزءاً من مؤتمر ضم 565 عضوا وانتهى بوثيقة يفترض أن تؤسس لدولة اتحادية ديمقراطية جديدة. بدا المشهد، على الورق، وكأن اليمن يودع زمن البندقية ويدخل زمن السياسة؛ غير أن البندقية لم تكن جزءًا من هذا المشهد.
انتهى الحوار في يناير 2014، وخلال أشهر كان الحوثيون يتوسعون عسكريا حتى بلغوا صنعاء وفرضوا السيطرة عليها بقوة السلاح. وفي 21 سبتمبر وُقع “اتفاق السلم والشراكة”، في اليوم نفسه الذي أصبحت فيه مليشيا الحوثي، والوحدات المتحالفة معها، القوة المهيمنة فعليا على العاصمة. وبينما كان الاتفاق وملحقه الأمني يتحدثان عن بسط سلطة الدولة وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، كانت موازين القوة على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس؛ فكلما فُرض واقع جديد بالقوة على الأرض، لحقت به السياسة باتفاق جديد يحاول استيعابه.
ومن هناك أخذت تتشكل معادلة لازمت السياسة اليمنية طويلًا: الفاعل الذي يفرض أمرا واقعا بالقوة لا يُدفع بالضرورة إلى التخلي عنها قبل أن يصبح شريكا سياسيا؛ بل قد يدخل السياسة محتفظا بالتشكيل الذي مكنه أصلًا من فرض شروطه.
بعد سنوات قليلة، بدأ مشهد آخر يتشكل في جنوب البلاد، مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في 2017 بدعم إماراتي، ونمت حوله تشكيلات أمنية وعسكرية خارج السيطرة الفعلية للحكومة. في يناير 2018 دخلت قواته في مواجهة مع القوات الحكومية وسيطرت على مقار حكومية في عدن، في مؤشر مبكر على صعوبة ممارسة الدولة سلطتها من عاصمتها المؤقتة. ثم جاء أغسطس 2019 بصورة أكثر وضوحًا، حين فرض المجلس الإنتقالي سيطرته على عدن بالقوة.
كان يفترض، وفق منطق الدولة، أن تقود مثل هذه الأحداث إلى موقف حازم من التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، لا إلى مجرد إعادة ترتيب الأدوار. لكن الذي جاء بعد ذلك كان اتفاق الرياض، الذي نص على إعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية تحت وزارتي الدفاع والداخلية. تعثر المسار العسكري، بينما تقدم المسار السياسي؛ وبقيت التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس على حالها، فيما واصل المجلس صعوده داخل مؤسسات الدولة، من اتفاق الرياض إلى حكومة المناصفة، ثم إلى مجلس القيادة الرئاسي في 2022. أي أن القوة التي واجهت الحكومة وسيطرت على عاصمتها المؤقتة لم تنته تجربتها بتفكيك البنية العسكرية التي مكّنتها من ذلك، بل انتهت بأن أصبح قائدها جزءًا من أعلى سلطة تنفيذية في الدولة.
وهكذا أخذت المعادلة تترسخ: وجود تشكيل مسلح خارج مؤسسات الدولة لا يمنع قائده بالضرورة من الوصول إلى السلطة؛ بل بدا، في أكثر من محطة يمنية، أنه يحسن شروط الوصول إليها.
في الفترة نفسها تقريبًا، كنا أمام تجربة أخرى تنمو على الساحل الغربي. بعد انهيار تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين ومقتله أواخر 2017، بدأ طارق صالح بناء قوة عسكرية في الساحل بدعم إماراتي. ولم تكن طبيعة بنيتها العسكرية أو علاقتها بالخارج أمرا غامضا؛ فقد قال طارق نفسه في مقابلة مع مركز صنعاء عام 2021 أن الإمارات أنشأت القيادة المشتركة وغرفة العمليات التي جمعت تشكيلات الساحل، وأن القرارات كانت تُتخذ بالتشاور بين ممثليها.
كبرت القوة خارج البناء التقليدي للجيش، ثم أصبح قائدها في أبريل 2022 عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، وظل في الوقت نفسه قائدا لتشكيلاته في الساحل. وهكذا جمع مجلس القيادة قادة التشكيلات تحت سقف واحد، لكنه جمع الرؤوس ولم يجمع البنادق.
هنا لم تعد المسألة مفارقة سياسية عابرة، بل باتت تمس معنى الدولة نفسها. يمكن للقادة أن يجلسوا خلف طاولة واحدة، ويصدروا بيانا واحدا، ويتحدثوا عن معركة واحدة؛ لكن الجيش لا تصنعه الاجتماعات. الجيش تسلسل قيادي واضح، وقرار عسكري موحد، وعقيدة قتالية واحدة، ومرجعية يُعرف فيها من يأمر ومن ينفذ.
في ظل هذا الواقع، بُنيت على امتداد السنوات التالية حول المخا صورة لقوة منظمة تنتظر ساعة المواجهة: معسكرات وتسليح وتدريب ومنشآت، وخطاب متكرر عن الاستعداد لمواجهة الحوثيين. لكن حين جاء الاختبار الفعلي في المخا، سقطت المواقع تباعا خلال أيام، وانكشف معها من جديد مأزق بناء تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة.
هنا تتضح المشكلة الأساسية. فاليمن ليس البلد الوحيد الذي أنتجت حروبه جماعات مسلحة، ولا التفاوض مع حاملي السلاح استثناءً يمنيًا؛ فقد أنهت دول كثيرة نزاعاتها بالتفاوض والتسويات. لكن خصوصية الحالة اليمنية تبدأ حين لا تصبح التسوية طريقًا لإخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة، بل مساراً لإدماج قياداتها سياسياً قبل حسم وضعها العسكري.
من صنعاء إلى عدن ثم إلى الساحل، الحالات ليست متطابقة، ولا المشاريع ولا التحالفات واحدة، لكن طريقة إدارة الدولة للتشكيلات المسلحة كررت النمط نفسه: يفرض الفاعل واقعا بالقوة، فتبدأ المفاوضات؛ يتحول الأمر الواقع إلى اعتراف، والاعتراف إلى شراكة، والشراكة إلى موقع داخل مؤسسات الحكم، بينما تبقى القوة التي صنعت كل ذلك محتفظة ببنيتها وقيادتها وخصوصيتها.
في الدولة المؤسسية، يمر الطريق إلى السلطة عبر حزب وبرنامج وقاعدة اجتماعية. أما خلال سنوات الحرب اليمنية، فقد بدا الطريق في بعض الأحيان أقصر كثيرًا: كتيبة، ثم لواء، ثم منطقة نفوذ؛ وعندما يكتمل الأمر الواقع تأتي السياسة لتمنحه اسمًا أكثر لياقة.
لهذا ربما لا يكون ما جرى في المخا مفاجأة كاملة. المفاجأة أن نكرر المعطيات نفسها ثم ننتظر منها نتيجة مختلفة. الحوثي كان الدرس المبكر، والانتقالي أعاد المشهد بصيغة أخرى، وقوات الساحل قدمت نسخته الأحدث.
المشكلة، في جوهرها، ليست في أن الحرب أنجبت جماعات وتشكيلات مسلحة؛ فذلك عرفته حروب كثيرة، بل في الطريقة التي أدارت بها الدولة وحلفاؤها هذه التشكيلات. تُترك القوة لتنمو خارج المؤسسة العسكرية، وتصنع نفوذها ومراكز قرارها، ثم تأتي التسوية لاستيعاب قيادتها من دون إخضاع بنيتها العسكرية للدولة. وبهذا لا تُفكك المشكلة، بل يعاد تدويرها وزرع بذورها: من يفرض نفسه بالقوة يجد موقعا في التسوية، ومن يحتفظ بتشكيلاته يحتفظ معها بقدرته على فرض شروط جديدة. وهكذا تحولت الاستثناءات المؤقتة إلى واقع شبه دائم، وأصبحت الدولة تدير تعدد التشكيلات ومراكز القوة بدل أن تنهيه.
وما لم تتغير هذه السياسة من أصلها، فلن تكون المخا خاتمة المشهد، كما لم تكن صنعاء ولا عدن خاتمته من قبل. فالدولة التي لا تحتكر السلاح، ولا توحد القيادة، ولا تجعل الدخول إلى مؤسساتها مشروطا بالخضوع الكامل لسلطتها، تترك في داخلها بذور الأزمة التالية. يمكن تغيير الأسماء، وإعادة تشكيل المجالس، وتوقيع اتفاقات جديدة، لكن النتيجة ستظل تعود ما دامت طريقة الإدارة ذاتها قائمة. والخطر هنا لم يعد أن نخسر جبهة أو مدينة فحسب، بل أن نستنزف ما تبقى من معنى الدولة نفسها؛ لأن الدولة التي تتعايش مع الميليشيات وتؤجل حسم سؤال السلاح قد تصبح يومًا رهينة لما سمحت بنموه، وما تستطيع احتواءه اليوم قد لا تملك غدا القوة الكافية لحسمه.

