جبهة تعز الغربية.. بين أجندة إيران وتأمين الحديدة

لا يبدو اندفاع الحوثي نحو غرب تعز مجرد محاولة لتحسين مواقعه في جبهة اعتادت الاشتباكات. فحجم الهجوم، وطبيعة المناطق المستهدفة، والضغط المتزامن على المخا، تشير إلى أهداف تتجاوز السيطرة على قرية أو مرتفع. الحوثي يقاتل هنا وعينه على الحديدة التي يريد تأمينها، وعلى الساحل الذي يسعى إلى اختراقه، وعلى باب المندب الذي يمكن أن يمنحه وحليفه الإيراني ورقة ضغط أكبر.

سبقت المواجهات البرية الأخيرة هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على المخا. ونقلت وسائل إعلام استهداف الميناء بصواريخ باليستية، تلاها هجومًا على المدينة في التاسع من أغسطس، طال منشآت مدنية ومواقع عسكرية، وأعلنت القوات الحكومية خلاله إسقاط إحدى عشرة مسيّرة. ثم اتسع القتال البري مطلع سبتمبر. ويمكن قراءة هذا التسلسل باعتباره محاولة لإرباك مركز الثقل في الساحل والضغط عليه، بالتوازي مع السعي إلى اختراق الجبهات المتصلة به.

وقد حملت التقارير الميدانية من الجبهة الغربية إشارات إلى شدة الهجوم؛ حيث أدلى مفضل الحميري، قائد جبهة مقبنة، بتصريح مقتضب عن استخدام الحوثيين عشرات الأنساق من المليشيات وكثافة نارية وآليات غير معهودة. وتركزت هذه الروايات على الكدحة ومقبنة وجبل حبشي، فيما تقع الوازعية ضمن المجال المتصل بهذه الجبهات والطرق المؤدية إلى الساحل. وهذه المعطيات ترجح أن الجماعة كانت تبحث عن اختراق مؤثر، لا عن اشتباك محدود ينتهي بالعودة إلى المواقع السابقة.

ولفهم اختيار هذه المناطق، ينبغي النظر إلى تعدد القوات المنتشرة فيها. فهناك قوات محور تعز، والمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، إلى جانب تعزيزات العمالقة ودرع الوطن. وفي مناطق التقاء هذه التشكيلات، قد يتحول ضعف التنسيق إلى فجوة يستفيد منها الحوثي، حتى مع امتلاك كل طرف قوة قادرة على الصمود. فالمشكلة ليست دائمًا في عدد المقاتلين، وإنما في وضوح المسؤوليات وسرعة الإسناد ووحدة تقدير الموقف.

ومن المرجح أن الحوثي راهن على استغلال هذه الفجوات قبل اكتمال التنسيق بين الجبهات. لكن التقارير تحدثت أيضًا عن تحسن التنسيق مع وصول التعزيزات، بما يعني أن الظروف التي شجعته على الهجوم ليست ثابتة، وأن اتساع المواجهة قد يدفع خصومه إلى تجاوز بعض أوجه التباعد بينهم.

ويأتي قطع الطريق بين تعز والمخا في مقدمة الأهداف المباشرة للهجوم. فهذا الطريق يخدم حركة السكان والتجارة والإمداد، وتهديده يضاعف الضغط على تعز ويعوق اتصالها بالساحل. وقد ربطت مصادر ميدانية الهجوم على المرتفعات الغربية بمحاولة السيطرة على المواقع المشرفة على خطوط الإمداد نحو الكدحة. ومن ثم، فإن مكسب الحوثي المحتمل لا يُقاس بمساحة الأرض وحدها، بل بما يستطيع تعطيله من حركة وإمداد، وما يفرضه على خصومه من أعباء إضافية.

أما الحديدة، فهي حاضرة بقوة في خلفية المعركة. فموانئها تمثل رئة اقتصادية وعسكرية للجماعة، وقد اتهمت الحكومة اليمنية الحوثيين بتوظيف إيرادات الموانئ في تمويل الحرب، واستغلالها لتهريب الأسلحة. ولذلك فإن أي تهديد بري يقترب منها يمس أحد أهم مرتكزات سلطتهم وقدرتهم على الاستمرار.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الهجوم على غرب تعز بوصفه دفاعًا استباقيًا عن الحديدة. فالقوات الموجودة في الساحل تمثل أحد أقرب مصادر التهديد البري لها، وإشغال هذه القوات بتأمين طرقها ومناطق انتشارها يحد من قدرتها على التفرغ لأي تحرك شمالًا. الحوثي، وفق هذه القراءة، يريد دفع الخطر بعيدًا عن الحديدة بنقل المعركة إلى المناطق التي يعتمد عليها خصومه في اتصالهم وإمدادهم.

غير أن الضرورة الحوثية المحلية لا تفسر المشهد كله؛ فهناك حسابات إيرانية سبقت هذا التصعيد. ففي 25 مارس، نقلت وكالة تسنيم عن مصدر عسكري إيراني التلويح بفتح جبهة باب المندب إذا تعرضت الأراضي أو الجزر الإيرانية لهجمات. ودلالة التصريح أن طهران تضع المضيق اليمني ضمن خيارات الرد في حربها، وتتعامل معه باعتباره مجالًا يمكن توظيفه للضغط على خصومها.

وفي يوليو اشارت بعض القيادات الإيرانية الى ان باب المندب سيتم اغلاقه كتصعيد ايراني مقابل فرض واشنطن حصاراً بحرياً على إيران ، بعدها بأسبوع تقريبا أعلنت جماعة الحوثي حظرًا بحريًا على السفن السعودية تحت عنوان (الحصار بالحصار)، مبررة ذلك بالقيود التي تتهم الرياض بفرضها على اليمن. وهذا المسار يخدم مصلحة إيرانية في توسيع الضغط من هرمز إلى البحر الأحمر، وتعطيل مسارات تصدير النفط السعودية البديلة عن المرور بهرمز.

وتعزز هذا التفسير معلومات نشرتها رويترز في التاسع من سبتمبر، نقلًا عن مصادر قالت إن طهران شجعت الهجمات الحوثية على السعودية، في مقابل نفي إيران سيطرتها المباشرة على الجماعة. وهذه المعلومات تظل منسوبة إلى مصادرها، لكنها تمنح الربط بين التصعيد والمصلحة الإيرانية سندًا يتجاوز مجرد تشابه الخطاب.

وفي تقديري، يوفر شعار (الحصار بالحصار) مبررًا محليًا لتحرك الجماعة لكنه يخدم اولا رغبة إيرانية في نقل جانب من كلفة المواجهة إلى السعودية والملاحة الدولية. وأي حديث حوثي عن استقلال القرار ينبغي اختباره أمام توقيت التصعيد وطبيعة أهدافه والجهة المستفيدة منه. فالاستقلال لا يثبته الإعلان عنه، خصوصًا حين يتحرك الحوثي في الاتجاه الذي سبق أن لوّحت به طهران، بينما يتحمل اليمنيون تبعات الحرب.

وعلى هذا الأساس، يكتسب التقدم نحو الساحل قيمة تفاوضية تتجاوز فائدته العسكرية المباشرة. فقد يراهن الحوثي على أن زيادة تهديد باب المندب ستدفع القوى الإقليمية والدولية إلى الضغط من أجل التهدئة وإيقاف المعركة الواسعة في مختلف الجبهات، خشية اتساع اضطراب الملاحة الدولية في باب المندب. والمقارنة بهرمز هنا تعكس تصورًا لقوة المضائق في فرض الاهتمام الدولي، لكنها لا تعني أن ظروف المضيقين متطابقة، أو أن تهديد الملاحة يضمن الحصول على الشروط السياسية التي تريدها الجماعة.

لكن الهجوم حمل أيضًا مخاطر على الحوثي نفسه. فقد أدى الهجوم الحوثي إلى تدفق التعزيزات الى هذه المناطق، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع في البرح والكدحة، وبعض المواقع التي كان يسيطر عليها الحوثي في حيس بعد انتقال القوات من احتواء الهجوم إلى عمليات مضادة. ولا تكفي هذه التطورات للقول إن جميع جبهاته تتهاوى، لكنها تؤكد أن التصعيد قد يفتح عليه معركة أوسع من المكسب الذي سعى إليه.

وإذا استمر هذا الضغط من قبل القوات الحكومية، فإن حاجته إلى انتصار محدود تصبح أكثر إلحاحًا؛ وقد يدفع بمزيد من مقاتليه وعتاده بحثًا عن انتصار يقدمه لجمهوره، ويستخدمه للضغط على الشرعية والإقليم والمجتمع الدولي من أجل وقف القتال قبل اتساع خسائره. وهنا يلتقي الهدف العسكري بالهدف السياسي: الاحتفاظ بمكسب يمكن المساومة عليه، أو خلق تهديد يخشى الآخرون استمراره.

وفي المحصلة، يقاتل الحوثي غرب تعز لحماية الحديدة، وتعطيل اتصال خصومه، ومحاولة امتلاك موقع أشد تأثيرًا قرب باب المندب. وتلتقي هذه الأهداف كلها مع حاجة إيران إلى أوراق ضغط إضافية. أما النتيجة، فستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة القوات المناهضة له على تحويل التنسيق الذي فرضته المعركة إلى عمل مستمر. فالرهان الحوثي يبدأ من الفجوات بين هذه القوات، ويتراجع كلما ضاقت تلك الفجوات وأصبح قرارها بحجم الجغرافيا التي تدافع عنها.

مشير الصبري

باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
زر الذهاب إلى الأعلى