سياسات الأمم المتحدة تجاه أزمة خزان النفط “صافر”

Getting your Trinity Audio player ready...

ملخص:

خزّان «صافر» هو عبارة عن خزّان عائم للنفط، تعرضت هياكله للتآكل، وتعطّلت أنظمة التشغيل فيه نتيجة عدم تعرضه لأعمال الصيانة الدورية منذ عام 2015م، بسبب ظروف الحرب. ويحوي الخزّان في متنه ما يزيد على مليون برميل من النفط، وبذلك تحول إلى قنبلة موقوتة تهدد البيئة ومظاهر الحياة البحرية في منطقة البحر الأحمر وشواطئه، والممر التجاري الدولي. هذا الوضع استدعى تدخلًا من الأمم المتحدة؛ فقد تبنّت مجموعة من السياسات التي أوجدت اهتمامًا دوليًا بهذه الأزمة، وحشدت لها الإمكانات السياسية والمالية. غير أنها بالغت في الموازنة المخصصة لذلك، وبدت وكأنها تبتز المجتمع الدولي في مقابل التداعيات الكارثية التي يمكن أن تحدُث نتيجة إهمال الناقلة. وفي المحصّلة فقد تمكّنت الأمم المتحدة من نزع فتيل الأزمة وترحيلها دون أن توجد حلًا جذريًا يمنع مخاطرها.

مقدمة: 

أعلنت الأمم المتحدة، يوم الجمعة الموافق 11 أغسطس الجاري (2023م)، استكمال نقل حمولة نفطية تقدر بـ(1,14) مليون برميل، من على ناقلة النفط العائمة “صافر”، والتي ترسو قبالة ميناء رأس عيسى لتصدير النفط بالحديدة، على البحر الأحمر، إلى ناقلة أخرى، يطلق عليها “اليمن”، وكان اسمها الأصلي “نوتيكا”. بلغت كلفة هذه العملية قرابة (148) مليون دولار؛ وكانت قد انطلقت يوم الثلاثاء، الموافق 25 يوليو الماضي (2023م)، وكان الأمين العام للأمم المتحدة، “أنطونيو غوتيريش”، قد قال وقتها: “إن الأمم المتحدة بدأت عملية نزع فتيل ما قد يكون أكبر قنبلة موقوتة في العالم”.

حظيت العملية بترحيب دولي واسع، فقد رحب وزير الخارجية الأمريكي، “أنتوني بلينكن”، بالنجاح من تفريغ نفط “صافر”، ووصف ذلك بأنه بمثابة “نموذج قوي للتنسيق والتعاون الدولي في المستقبل، لمنع الأزمات قبل حدوثها”. كما رحبت بعثة الاتحاد الأوربي في اليمن، وبريطانيا وهولندا وفرنسا، كما رحبت السعودية وقطر وعمان والكويت والأردن، والبرلمان العربي، ومجلس التعاون الخليجي، باستكمال نقل النفط من خزان صافر.

من جهته، قال وزير النقل اليمني، عبدالسلام حميد، في بيان له: إنه “باستكمال تفريغ الخزان العائم صافر بكمية وصلت إلى أكثر من 1.1 مليون برميل إلى السفينة البديلة، تكون الأمم المتحدة قد حققت إنجازًا كبيرًا لحماية المياه الإقليمية اليمنية، بجهود مشتركة مع الحكومة الشرعية ومؤسساتها المختصة”، وأن “عملية تفريغ النفط من خزان صافر خلصت اليمن والدول المشاطئة للبحر الأحمر من كابوس ظل يؤرق الشعب اليمني والإقليم وحتى العالم”.

هذه الورقة تهدف إلى عرض السياسات التي تبنتها الأمم المتحدة تجاه هذا الناقلة المتهالكة، وتقييمها.

خزان صافر:

خزان “صافر” العائم هو عبارة عن سفينة عملاقة عائمة لتخزين وتفريغ النفط، تم تشييدها في اليابان عام 1976م، لتكون ناقلة للنفط، وكان يطلق عليها حينذاك اسم “إيسو جابان”، وكانت حمولتها الإجمالية تصل إلى (192.679) طن، ويبلغ طولها (376) مترًا، وارتفاعها (1.188) قدم.

وبعد عشر سنوات، وتحديدًا في عام 1987م، تم تحويل السفينة إلى منصة عائمة للنفط؛ وبعد أن اشترتها “شركة صافر لعمليات إنتاج واستكشاف النفط”، أطلقت عليها اسم “صافر”. وهي ترسو منذ عام 1988م على بعد (8)كم إلى الشمال الغربي من ميناء “رأس عيسى”، في مدينة الحديدة، على البحر الأحمر. وتعد “صافر” ثالث أكبر خزان عائم للنفط في العالم، وتبلغ سعتها التخزينية (3) مليون برميل من النفط الخام. ويتم نقل النفط إليها من حقول استخراجه في “صافر” بمحافظة مأرب، عبر أنبوب بطول (438)كم، ويتم تخزينه فيها. وهي مجهزة بمعدات نقل النفط الخام إلى سفن شحن أخرى في عرض البحر لتصديره إلى الخارج.

بحسب العمر الافتراضي للسفينة فقد كان يجب التخلص منها قبل نحو عقدين؛ وأكثر من ذلك لم تخضع لعمليات الصيانة المعتادة منذ سيطرة جماعة الحوثي على ميناء الحديدة عام 2015م. وقد توقف ضخ النفط إليها منذ ذلك التاريخ. وهي تحمل في متنها قرابة (1.14) مليون طن من نفط مأرب الخفيف.

وحسب تقارير دولية تعرض جدران خزان “صافر” للتهالك، وتعطل نظام التشغيل؛ ومع مضي الوقت تحولت إلى قنبلة موقوتة ومهدد إستراتيجي للبيئة بسبب إمكانية تسرب ما عليها من نفط، أو تعرضها لحدوث انفجار بسبب الغازات القابلة للاشتعال التي تطفو على الخزانات فيها.

تداعيات كارثية:

تواترت التقارير والدراسات التي تؤكد أن تسرب النفط من الناقلة، أو حدوث انفجار فيها، سيؤدي إلى تداعيات كارثية، ومنها تدمير الحياة البحرية في البحر الأحمر، وتعريض ملايين البشر للتلوث الهوائي، كما سيكون أثر التسرب على المجتمعات الساحلية مدمرًا، إذ سيفقد مئات آلاف العاملين في مجال الصيد مصادر رزقهم بين عشية وضحاها، وسيستغرق الأمر أكثر من (25) عامًا لاسترداد مخزون الأسماك. هذا فضلًا عن تدمير الساحل اليمني، وتدمير سبل العيش فيه، ما سيؤدي إلى إغلاق مينائي الحديدة والصليف، وهما ضروريان لاستيراد الواردات التجارية والمساعدات الإنسانية المنقذة للحياة، ما يعني أن كارثة بيئية وإنسانية ستحل باليمن ودول المنطقة أيضًا. كما سيؤدي إلى تدمير صحة وسبل عيش ملايين الأشخاص الذين يعيشون في (6) بلدان تمتد على طول ساحل البحر الأحمر. وأن التلوث الذي سيصدر عن تلك الكارثة سيؤثر على الهواء والغذاء والماء. وقدرت كلفة تنظيف مياه البحر والشواطئ إذا ما حدث تسرب نفطي بحوالي (20) مليار دولار أمريكي، وأنه سوف يستغرق (25) عامًا لتعافى الثروة السمكية.

وبشكل عام، فإذا ما تسرب النفط فإنه سيتسبب في كارثة أكبر أربع مرات من الكارثة التي حدثت بسبب تسرب النفط الذي وقع عام 1989م في خليج “ألاسكا”، من الناقلة “إكسون فالديز- Exxon Valdez”، وذلك لسبب بسيط وهو أن حمولة النفط على ظهر “صافر” تزيد بمقدار (4) مرات عن حمولة تلك السفينة.

تدخل الأمم المتحدة:

ارتفت الأصوات التي تحذر من أن الناقلة “صافر”، والبيئة التي توجد بها، تواجه مخاطر جدية في ظل الحرب المستمرة منذ مارس 2015م، وأن الآثار في حال حدوث ذلك أكبر من القدرات الوطنية للدولة اليمنية التي تمزقها الحرب. وهو ما استدعى تدخلًا من قبل الأمم المتحدة؛ والتي عملت على إرسال فريق من الخبراء لتقييم وضع الخزان، وإجراء الإصلاحات الأولية عليه. وبالفعل، فقد أرسلت الأمم المتحدة -في أغسطس 2019م- فريقًا من الخبراء إلى جيبوتي، إذ كانت موقع التجهيز للبعثة بعد الاتفاق مع جميع الأطراف، بمن فيهم جماعة الحوثي؛ إلا أن رحلة البعثة ألغيت بعد أن سحب الحوثيون موافقتهم في الليلة السابقة لمغادرة البعثة. ومع تداول مصادر إعلامية خبر خرق مياه البحر لهيكل الناقلة “صافر”، ووصولها إلى غرفة المحرك، تسارعت مساعي الأمم المتحدة للتعامل مع هذا التطور الخطير الذي جعل السفينة على وشك الغرق. من ثم جرى احتواء التسريب آنذاك عن طريق إصلاح مؤقت، في ظل استمرار تعنت جماعة الحوثي، وتحويل الناقلة إلى ورقة ابتزاز للحكومة الشرعية والمجتمع الدولي، من خلال إصرارهم على بقاء الناقلة في مكانها، والحصول على عائدات النفط الموجود على متن الناقلة.

ضغوط دولية:

تكثفت الجهود الدولية للضغط على جماعة الحوثي للسماح بمعاينة الناقلة وإصلاحها وتفريغ النفط منها. فقد دعت وزارة الخارجية الأمريكية، في يوليو 2020م، الحوثيين للتعاون مع المبعوث الأممي إلى اليمن، “مارتن غريفيث”، والسماح للأمم المتحدة بصيانة خزان “صافر”؛ وقالت الوزارة -في تغريدة على تويتر: إن الحوثيين سيتحملون وحدهم التكاليف الإنسانية إذا ما حدث تسرب للنفط من الناقلة. وحملت المندوبة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة، “كيلي كرافـت”، خلال جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حول الأزمة اليمنية، جماعة الحوثي المسئولية؛ وقالت: “إذا حدث تسرب، أو ما هو أسوأ، (انفجار)، فسيتحمل الحوثيون المسئولية الكاملة عن أي كارثة؛ بسبب جهودهم لاستخدام الناقلة كورقة مساومة لزيادة النفوذ السياسي والاقتصادي”.

وقد حذر الاتحاد الأوربي من حدوث كارثة إنسانية واقتصادية وبيئية محتملة في اليمن والبحر الأحمر، جراء ذلك، وأن “صافر” يمكن أن تتسبب في اضطراب كبير في التجارة البحرية العالمية، التي تمر عبر مضيق باب المندب. وطالبت الدول المشاطئة للبحر الأحمر، كمصر والأردن والسعودية والسودان، بتحرك عاجل من مجلس الأمن، لدرء هذه الكارثة؛ فقد حذر المندوب الدائم للسعودية لدى الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي من أن “بقعة نفطية” شوهدت على مسافة (50)كم إلى الغرب من “صافر”.

وقامت هولندا بدور كبير في المفاوضات مع الأطراف اليمنية؛ فقد قام السفير الهولندي، في 1 مارس 2022م، بزيارة إلى صنعاء والحديدة الواقعتين تحت سيطرة جماعة الحوثي، وأوضح أن الهدف من زيارته هو المساعدة في الدفع باتجاه حل عاجل للتهديد الوشيك، الناجم عن ناقلة النفط “صافر”، لمنع تسرب النفط الهائل الذي يهدد سبل العيش اليمنية، والنظام البيئي للبحر الأحمر؛ وانضم إلى بعثة الأمم المتحدة في الحديدة، وميناء رأس عيسى، قرب نقطة رسو الناقلة “صافر”، لمناقشة الاقتراح مع جماعة الحوثي. وللغرض نفسه، قامت وزيرة التجارة الخارجية والتعاون الدولي الهولندية، “ليسجي شرينماخر”، بزيارة إلى عدن، في 15 سبتمبر 2022م، وعقدت اجتماعًا برئاسة رئيس الوزراء اليمني، معين عبدالملك، بحضور المنسق المقيم للأنشطة التنفيذية ومنسق الشئون الإنسانية للأمم المتحدة لدى اليمن، “ديفيد جريسلي”. وقد هدف الاجتماع إلى مناقشة وضع خزان “صافر” النفطي، والجهود المبذولة للشروع بتنفيذ المرحلة الأولى من خطة الأمم المتحدة لتفريغه وصيانته لتفادي كارثة بيئية عالمية.

وطالب مجلس الأمن -في غير ما مرة- الحوثيين بالسماح لمفتشين دوليين بتفقد الخزان “دون تأخير”، وحث أعضاء مجلس الأمن الحوثيين على “تسهيل وصول آمن وغير مشروط لخبراء الأمم المتحدة، لكي يجروا تقييمًا محايدًا وشاملًا، بالإضافة إلى مهمة صيانة أولية، بدون تأخير”.

وفي شهر يوليو عام 2020م، وبدعوة من بريطانيا، عقد مجلس الأمن جلسة له عبر الفيديو، ناقش فيها وضع الناقلة “صافر”، وعبر المجلس عن انزعاجه الشديد من تزايد خطر تفكك الناقلة مما قد يتسبب في كارثة بيئية واقتصادية وإنسانية لليمن وجيرانه.

توقيع اتفاق إطار مع الحوثيين:

استمرت الأمم المتحدة في نقاشات مع الحوثيين حول وثيقة تحدد نطاق العمل المسند إلى البعثة المقترحة، وطبيعة نشاطها ومهامها، وفي 21 نوفمبر 2022م، تلقت الأمم المتحدة رسالة من الحوثيين تشير إلى موافقتهم بشكل رسمي على نطاق العمل، وفي ضوء هذه الموافقة، أصبحت الأمم المتحدة في موقف يمكنها من الشروع في الاستعدادات اللوجستية للبعثة، بما في ذلك استخدام أموال المانحين لتأمين استقطاب الخبراء الفنيين، وشراء المعدات اللازمة؛ فيما أبدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للبعثة الفنية المقترحة.

وفي 8 مارس 2022م، وقعت جماعة الحوثي اتفاقًا مع الأمم المتحدة يسمح بتفريغ حمولة النفط من على ناقلة النفط “صافر”. تضمن الاتفاق التزام الأمم المتحدة بتوفير وتوريد خزان عائم بديل ومكافئ لخزان “صافر”، صالح للتصدير، خلال مدة ثمانية عشر شهرًا، مع عدم تحمل الحوثيين أي التزامات مالية، وأن يلتزموا بتقديم كافة التسهيلات لنجاح المشروع،..”.

ميزانية مبالغ فيها:

بناءً على ذلك، أعدت الأمم المتحدة خطة من مسارين: يتم في الأول تركيب سفينة بديلة على المدى الطويل للخزان العائم “صافر”، ويتم في الثاني تنفيذ عملية طارئة من قبل شركة إنقاذ بحري عالمية لنقل النفط من على متن “صافر” إلى سفينة مؤقتة آمنة، وبعدها يتم سحب ناقلة “صافر” إلى ساحة، ويتم بيعها لإعادة تدويرها.

وقد توزعت الموازنة على النحو الذي يتضمنه الجدول التالي.

جدول رقم (1): بنود الميزانية الخاصة بتنفيذ الخطة التي أعدتها الأمم المتحدة:

النشاط (المرحلة الطارئة على مدى 18 شهرًا) المبلغ

بالدولار الامريكي

الأنشطة التحضيرية: الإجراءات الواجبة وشركة المحاماة 2,150,000
عملية الإنقاذ 35,000,000
إزالة الشحوم من ناقلة النفط العائمة “صافر” 5,000,000
ناقلة نفط خام عملاقة عمرها 15سنة وحمولتها الساكنة 200 طن (استئجار لمدة 18شهرًا) 13,687,500
التأمين على الآلات وهيكل السفينة 1,944,000
التأمين على حمولة النفط الخام 1,680,000
طاقم وصيانة ناقلة النفط الخام العملاقة 12,915,000
الطوارئ 2,000,000
التكاليف المباشرة للتوظيف من قبل الأمم المتحدة والتكاليف التشغيلية 2,936,534
الدعم الإداري- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بنسبة 3٪ 2,319,391
الإجمالي 79,632,425
النشاط (التحويل من وحدة التخزين والتفريغ العائمة)
شراء وحدة تخزين وتفريغ لعملية التحويل 20,000,000
تكلفة عمليات التحويل 35,000,000
شراء عمود صاعد ونظام إرساء، تقييم شبكة الأنابيب والمجمعات 11,000,000
تركيب نظام إرساء جديد وعمود صاعد 9,500,000
قطر وحدة التخزين والتفريغ الجديدة إلى مكانها المخصص 6,500,000
الإجمالي الجزئي  82,000,000
الإدارة- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بنسبة 3% 2,460,000
الإجمالي الجزئي  84,460,000
ناقص قيمة الخردة للناقلة العائمة “صافر” (ناقص رسوم القطر) (20.000.000)
الإجمالي 64,460,000
الإجمالي الكلي (الحلول الطارئة والحلول طويلة المدى) 144,092,425

المصدر: الأمم المتحدة، اليمن، ناقلة النفط العائمة صافر: الخطة التشغيلية، (على الرابط: https://cutt.us/JB36U)

وكما يوضح الجدول أعلاه، فإن الميزانية كانت في حدود ما يعادل (144) مليون دولار، و”لكن سرعان ما ازدادت المبالغ المستحقة مع ارتفاع تكاليف ناقلات النفط العملاقة، وجراء عوامل أخرى، لتصل ميزانية مرحلة الطوارئ الحالية إلى (129) مليون دولار، فيما تتطلب المرحلة الثانية (19) مليون دولار، وبذلك يبلغ إجمالي التكلفة (148) مليون دولار.

ومن الوهلة الأولى، تبدو الميزانية كبيرة ومبالغًا فيها، ويعود جزء كبير من ارتفاع التكلفة إلى الأعمال الاستشارية والفنية الواسعة (المبالغ فيها)، والتي تسبق وتصاحب عملية نقل النفط؛ فقد حدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جزءًا من التكلفة في مقابل ما أسماه الخبرة الفنية العالمية لتنفيذ المشروع، والتي تشمل: شركة استشارية للإدارة البحرية، وشركة قانونية بحرية، ووسطاء تأمين، وسفن، وخبراء في التسرب النفطي، بحيث يتم الضخ من قبل شركة الإنقاذ التي تم التعاقد معها، بمشاركة عشرات من الخبراء الآخرين، بما في ذلك خبراء في التسرب النفطي البحري، ومحامين بحريين، ووسطاء تأمين، ووسطاء السفن، فيما يقوم عالم كيميائي أيضًا بمراقبة مستوى الغازات في الخزانات التي يتم ضخها باستمرار لتقليل مخاطر الانفجار، وإلى جانب كل ذلك سيتم إشراك ما أسمته تقارير الأمم المتحدة بـ”خبرات عالية المستوى من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والمنظمة البحرية الدولية، في مراقبة العمل، ودعم الجهود اليمنية، في حال وقوع أي حادث أثناء العملية، فيما يشارك برنامج الأغذية العالمي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وإدارة السلامة والأمن التابعة للأمم المتحدة، وبعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، في تقديم الخبرة أو الدعم التشغيلي على الأرض للعملية”.

جمع الأموال:

لتوفير الموازنة المطلوبة، نظمت الأمم المتحدة حملات تمويل جماعي، فقد دعت الدول والقطاع الخاص والأشخاص إلى التبرع وجمع الأموال اللازمة، وشاركت الولايات المتحدة والأمم المتحدة وهولندا، في أبريل 2022م، في إطلاق حملة توعية مكثفة بموضوع الناقلة “صافر”. وإلى جانب دورها السياسي، اضطلعت هولندا بدور كبير في جمع الأموال؛ حيث نظمت بشكل مشترك مع الأمم المتحدة مؤتمرًا لجمع التبرعات، في 11 مايو 2022، قدمت فيه الدول الممولة تعهدًا بدفع (33) مليون دولار.

وفي 22 سبتمبر 2022م، استضافت كل من هولندا والولايات المتحدة وألمانيا فعالية جانبية، على هامش أسبوع المناقشات رفيع المستوى في الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، تمكنت من خلاله من ردم هوة التمويل لعملية الطوارئ في الخطة التي وضعتها الأمم المتحدة. وكان المضيفون هم أكبر المانحين الذين يدعمون الخطة التي تقودها الأمم المتحدة، إذ قدمت هولندا 15 مليون يورو، وألمانيا 12 مليون يورو، والولايات المتحدة 10 ملايين دولار، تليها المملكة العربية السعودية بمبلغ 10 ملايين دولار، والمملكة المتحدة بمبلغ 7,5 مليون دولار. وتعهد المضيفون المشتركون ببذل الجهود الرامية إلى جمع التمويل اللازم لاستكمال العملية.

وفي نهاية المطاف، تمكنت الأمم المتحدة من جمع حوالي (121) مليون دولار، من (23) دولة والاتحاد الأوربي والقطاع الخاص والجمهور من خلال التمويل الجماعي؛ كما قدم مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة تمويلًا لهذه العملية. وظلت هناك حاجة إلى حوالي (20) مليون دولار.

جدول رقم (2): الجهات التي قدمت تبرعات من أجل الخزان “صافر”:

م الجهة المبلغ بالمليون دولار.
1 السعودية 10
2 قطر 2
3 هولندا 15.5
4 ألمانيا 10.4
5 بريطانيا 10
6 كندا 2
7 أمريكا 10
8 الدنمارك 1
9 مجموعة شركات هائل سعيد أنعم 1.2
10 أوكتافيا للطاقة وشركتها الفرعية كالفالي بتروليوم 0.3
11 مؤسسة ترافيجورا 1
12 الرابطة الدولية لمنتجي النفط والغاز 10
13 Crowdfunding 0.3

المصدر: جمع البيانات من مصادر مختلفة.

شراء سفينة جديدة:

عقب توفر الموارد المالية اللازمة، وقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتاريخ 10 مارس 2023م، اتفاقية مع شركة يوروناف (EURONAV)، لشراء ناقلة يطلق عليها “نوتيكا-Nautica”، بمبلغ وقدره (55) مليون دولار، وجرى الدفع بها إلى ميناء في الصين لإدخال التعديلات اللازمة عليها. و”نوتيكا” ناقلة ضخمة، لكنها أصغر من “صافر”. وبعد شرائها تم تغيير اسمها إلى “اليمن”.

قبل ذلك، كان البرنامج الإنمائي قد تعاقد مع شركة الإنقاذ البحري الهولندية (SMIT Salvage)، وذلك للإشراف على خزان “صافر”، وضمان استقرار الأوضاع فيه؛ وبالفعل تمكنت الشركة من الوصول إلى خزان “صافر”، في 30 مايو 2023م. ثم تعاقد البرنامج معها لتنفيذ عملية نقل النفط من الناقلة “صافر” إلى نظيرتها “نوتيكا”.

التوقيع على نقل الملكية للحوثيين:

من أجل تسهيل استكمال بقية الخطوات، وقعت الأمم المتحدة مع الحوثيين، على اتفاقية نقل ملكية السفينة البديلة “نوتيكا”، قبل السماح لها بمواصلة رحلتها نحو خزان “صافر”. وقالت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، الخاضعة لسيطرة الحوثيين: إن المنسق المقيم للأمم المتحدة للشئون الإنسانية في اليمن، “وليام ديفيد غريسلي”، وقع مع مدير شركة “صافر”، المعين من جماعة الحوثي، إدريس الشامي، في 17 يوليو المنصرم، اتفاقية نقل ملكية السفينة البديلة “نوتيكا”؛ وذلك خلال مؤتمر صحفي عقد على ظهر السفينة نفسها.

في المقابل، حذرت شركة صافر لعمليات الاستكشاف والإنتاج، التابعة للحكومة الشرعية، في 26 يوليو المنصرم، في بيان لها، “كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية، في الداخل والخارج، من التعامل مع أي جهة أو كيان ينتحل صفة ممثل شركة صافر”، مؤكدة أن “من يتعامل مع تلك الجهات سوف يتحمل المسئولية القانونية الكاملة، وتبعات تعامله مع من لا صفة له في تمثيل الشركة”.

تعاون الحكومة الشرعية:

قدمت الحكومة الشرعية الكثير من التنازلات لتسهيل تجاح الأمم المتحدة في مهمتها؛ ومن ذلك عدم التشدد في مناقشة عائدات بيع النفط الذي يقع في الناقلة، فقد أرسلت أكثر من إشارة لموافقتها على إمكانية أن توضع عائداته ضمن الحساب المخصص لعائدات ميناء الحديدة، وفقًا لـ”اتفاقية ستوكهولم”، أو أن تصرف على أنشطة اقتصادية وإنسانية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي. كما أنها أفسحت المجال للأمم المتحدة للتفاوض مع الحوثيين، وتغاضت عن توقيع اتفاق إطار معهم، واتفاق آخر بخصوص نقل الملكية للخزان الجديد لهم (باستثناء البيان الصادر عن شركة صافر الحكومية لعمليات الاستكشاف والإنتاج الحكومية، الذي أشرنا إليه سابقًا).

كل تلك التنازلات قدمتها الحكومة الشرعية من أجل عدم تمكين جماعة الحوثي من أي ذريعة تعيق مسار التعامل مع أزمة الخزان المتهالك. ومع هذا، فقد أظهرت أزمة خزان “صافر” الكلفة العالية للنزاع في اليمن، ومستوى ما ينطوي عليه من مخاطر مدمرة؛ فقد انطوى على تهديد غير مسبوق للبيئة البحرية والبشرية، ومثل تهديدًا جديا لحياة ومصادر عيش ملايين من اليمنيين، فضلًا عن بقية سكان المنطقة. وفي جانب آخر، أظهرت الأزمة ما يتصف به سلوك جماعة الحوثي من عدم الشعور بالمسئولية، فقد أحالوا خزان “صافر” إلى وسيلة لمساومة وابتزاز الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي، ولم يكن يشغلهم سوى تحقيق مكاسب مادية وسياسية وانتصارات وهمية.

تقييم السياسات:

أظهر تعامل الأمم المتحدة مع أزمة “صافر” الدور الكبير الذي تضطلع به هذه المنظمة، فقد كان دورها حاسمًا في التعامل مع كارثة وشيكة، وفي حشد الإمكانات والجهود الدولية، وتمكنت -كما قال أمين عام الأمم المتحدة، “أنطونيو غوتيريش”- من “نزع فتيل ما قد يكون أكبر قنبلة موقوتة في العالم”، وجنبت اليمن والمنطقة تداعيات كارثية ومروعة، وقدمت -كما قال وزيرة الخارجية الأمريكي، “أنتوني بلينكن”- “نموذجًا قويا للتنسيق والتعاون الدولي لمنع الأزمات قبل حدوثها”؛ ومع هذا فقد شاب سياسات الأمم المتحدة تجاه هذه الأزمة عدد من الجوانب السلبية، ومنها:

1- إهمال البدائل الأقل كلفة:

فمع بروز أزمة الناقلة، كان بإمكان الأمم المتحدة الضغط باتجاه البديل الأقل كلفة، والمتمثل في نقل النفط إلى شاحنة وبيعه، وكان هذا هو البديل الطبيعي والأقل كلفة؛ ومع الإقرار بأن موقف الحوثيين كان محبطًا، إلا أن سياسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي كانت أكثر ليونة، لا سيما في المرحلة الأولى التي ظهرت فيها أزمة “صافر”، مع أن بيدهما الكثير من وسائل الضغط لإجبار الحوثيين على المضي في هذا البديل، خصوصًا في ظل المرونة العالية التي اتسم بها موقف الحكومة الشرعية فيما يتصل بوضع الناقلة، والتصرف في عائدات بيع النفط الذي يقع عليها.

2- التركيز على تخفيف حدة الأزمة وليس إنهائها:

من الواضح أن الأمم المتحدة ركزت على نزع فتيل القنبلة المؤقتة التي كان يمثلها خزان “صافر” المتهالك، والحيلولة دون حدوث السيناريو الأسوأ المتمثل في تسرب النفط أو حدوث انفجار في الخزان، وقد تحقق هذا جزئيا من خلال نقل النفط إلى الخزان العائم الجديد “اليمن”، إلا أن هذا لا يعني أن المشكلة قد انتهت، إذ لا زال الخطر قائمًا، والأمر لا يعدو نقل النفط من خزان متهالك إلى آخر أقل تهالكًا، فبقاء الناقلة الجديدة بكميات النفط التي عليها يمثل قنبلة موقوتة جديدة، فمن الوارد أن تتعرض لمخاطر جديدة متعددة المصادر، ما قد يحدث تداعيات كارثية تضاهي تلك التي كان يمثلها خزان “صافر”، فمن الوارد أن تتعرض لمخاطر التسريب أو الانفجار بفعل:

(أ) تطورات الحرب:

– فوجود الناقلة وبقاؤها في ساحة حرب يجعلها عرضة لمقذوف ناري، سواء بطريق الخطأ أو بشكل متعمد، وهذا السيناريو الأخير وارد خصوصًا في حال حدوث تحول عسكري كبير لصالح الحكومة الشرعية؛ فقد أشارت تقارير إلى أن الحوثيين هددوا باستهداف الناقلة عند اقتراب القوات الحكومة الشرعية، المسنودة من قبل “التحالف العربي”، من مدينة الحديدة، عام 2018م.

– إمكانية تعرض الناقلة الجديدة للغم بحري أو عبوة ناسفة، أو عبوة ناسفة منقولة بالمياه، أو غيرها من الأجسام التي تقذف بها أمواج البحر، لا سيما وقد أشارت الكثير من التقارير إلى نشر الحوثيين للكثير من الألغام عرض البحر، بسبب النزاع الحالي.

(ب) مخاطر التهالك:

فنتيجة لافتقاد نهج الأمم المتحدة لحل جذري ودائم مع خزان “صافر” بقيت الأزمة تراوح مكانها، فعمليا لا تعد المسألة مجرد نقل النفط من خزان متهالك إلى آخر أقل تهالكًا. وأكثر من ذلك، من المتوقع أن يتعرض الخزان الجديد “نوتيكا” لتهالك أسرع من خزان “صافر”، في ظل معلومات عن أنه لم يتبق من عمرها الافتراضي سوى خمس سنوات، وفي ظل ارتفاع الملوحة والأحوال المناخية في منطقة رسوه بشكل دائم.

المبالغة في الموازنة: 

تطلبت تكلفة نقل النفط من على خزان “صافر” مبلغًا يقترب من (148) مليون دولار، وهو لا شك مبلغ لا يقارن بحجم الضرر الذي كان سينجم عن سيناريو تسرب النفط أو انفجار الخزان، لكن هذه التكلفة تنطوي على مبالغة كبيرة، ويعود جزء من هذه المبالغة إلى نهج الأمم المتحدة في التعامل مع مثل هذه القضايا، وإلى تعدد المنظمات الفرعية المشاركة في العملية، وإلى مستوى الإجراءات التحوطية المبالغ فيها لإمكانية تسرب النفط، وكيفية التعامل معه إذا ما حدث. غير أن كل ذلك لا يقتضي كل هذه التكلفة، كما أنه لا ينفي شبهة استغلال معاناة الشعب اليمني، وابتزاز المجتمع الدولي لجمع الأموال بحجة التداعيات الكارثية التي يمكن أن تنتج عن تسرب النفط، ولا ينفي -أيضًا- شبه الفساد والإسراف في صرف تلك الموارد.

الإجراءات الواجب اتخاذها:

يجب على الأمم المتحدة والوسطاء الدوليين مواصلة العمل على مسار عاجل تقود فيه الأمم المتحدة الجهود الدولية للضغط على الأطراف اليمنية للتوافق على صيغة ما تضمن بيع النفط المتواجد على الخزان الجديد “اليمن”، وصرف عائداته لصالح الشعب اليمني المتضرر من الحرب.

وعلى المدى المتوسط توظيف النجاح في التعامل مع أزمة “صافر” لتكون محفزًا للتفاوض حول مسار إعادة تصدير النفط، في إطار تسوية سياسية أوسع، يلمس اليمنيون فوائدها، وتحدث انفراجه في الأزمة الإنسانية التي يعانون منها.
اضغط لتحميل المادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى