معركة الممرات والمرتفعات في تعز: ما الذي يريده الحوثيون؟ 

 شهد شهر سبتمبر الجاري تحولا ميدانيا حرجا في جبهات الساحل الغربي، حيث أدى التراجع العسكري في المخا وأجزاء من الشريط الساحلي إلى تثبيت التموضع العسكري لمليشيات الحوثي في الساحل، ونقل ثقل عملياتها نحو الجبهة الغربية لمحافظة تعز، وتهدف الجماعة من خلال هذا التصعيد المباشر إلى إكمال “قوس التطويق” على المحافظة عبر الضغط على الممرات التي تربط شريان الإمداد الرئيسي المتمثل في خط (لحج – طور الباحة – التربة) بالمناطق الداخلية وإعادة فرض الحصار الكامل على المدينة.

تتحرك المعركة الحالية على امتداد الجبهة الغربية حيث فرضت طبيعة الأرض نفسها على نمط القتال؛ إذ تدور المواجهات حول المرتفعات والممرات الحاكمة التي تتحكم في حركة الانتقال بين محافظة لحج كخط إمداد والمناطق الداخلية لمحافظة تعز، وفي هذا السياق، أضحى التقدم في أي محور مرتبطاً بالمحاور المحيطة به وتأمين طرق الوصول إليها.

 وتبرز مناطق الكدحة، وراسن، وبني عمر، وجبل جرداد بوصفها مواقع حاكمة للتحكم بحركة الإمداد والتعزيزات، حيث تسعى القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية إلى الحفاظ على هذا الشريط الحيوي، نظراً لأن فقدانه سيمنح الحوثيين قدرة كبيرة على عزل المدينة وتشديد الضغط العسكري على جبهاتها المختلفة.

الأهمية الاستراتيجية ودوافع التركيز الحوثي على تعز

تُعد محافظة تعز إحدى أهم الكتل الجغرافية والديمغرافية في ميزان الصراع الراهن في اليمن، فثقلها السكاني، وحضورها السياسي والثقافي، وموقعها العسكري، يجعل حسم المعركة فيها عاملا محوريا في تشكيل ملامح الخارطة السياسية والعسكرية لليمن، فقد ظلت المحافظة خارج السيطرة الكاملة لجماعة الحوثي رغم سنوات القتال الممتد من 2015 وحتى سبتمبر 2026، وقد حافظت على حضور وطني بارز مناهض بقوة لمشروع جماعة الحوثي الذي يستهدف استبدال النظام الجمهوري الديمقراطي التعددي بمشروع ثيوقراطي إمامي يجعل الحكم حكرا على سلالة طائفية، وعليه فإن السيطرة عليها تُعد مكسباً يتجاوز حدود الأرض ليطال تقويض أحد أبرز مراكز المشروع الجمهوري في اليمن.

ومن جهة أخرى تكمن أهمية تعز عسكرياً بسبب طبيعة تضاريسها الجبلية الممتدة عبر محاورها الغربية والجنوبية الغربية، حيث تتيح السيطرة على هذه التلال المرتفعة التحكم بطرق الحركة والإمداد وتأمين التموضع الحوثي في ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولذلك، فإن المعركة بالنسبة لمليشيات الحوثي تتجاوز مجرد كسب نقاط تكتيكية، إلى محاولة فرض واقع عسكري جديد يُضعف قدرة القوات الحكومية الشرعية على الحركة والتنسيق بين الجبهات.

من السيطرة البرية إلى التأثير البحري

تتعدى أهمية المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية لتعز قيمتها المباشرة في القتال البري لتتصل بالمجال الساحلي والأمن البحري، فإحكام الحوثيين السيطرة على مواقع مرتفعة وحصينة توفر ممرات اتصال مناسبة يمنحهم قدرة متقدمة على المراقبة والاستطلاع والضغط على خطوط الحركة البرية المؤدية إلى الساحل اليمني على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وأجزاء واسعة من خليج عدن.

وتشير المعطيات التحليلية إلى أن مليشيات الحوثي تسعى لتطوير قدرات قتالية موزعة ومتحركة تستثمر التضاريس الجبلية المعقدة في مرتفعات غرب وجنوب غرب تعز لتجنب الاعتماد على مواقع عسكرية ثابتة في الساحل يسهل استهدافها كما هو حاصل الآن في المخا وذوباب، وتكمن القيمة الاستراتيجية لهذا النمط من الانتشار في محاولة تعويض التفوق التقني للتحالفات البحرية الدولية والإقليمية الناشئة في البحر الأحمر، عبر بناء بنية تحتية جغرافية تُمكن المليشيات الحوثية من التخفي، والمرونة، وتعدد نقاط إطلاق الصواريخ البحرية والطائرات المسيرة ونشر الرادارات، مما يرفع كلفة عمليات الاستهداف المضادة ويتيح لها حماية المكاسب التي حققتها في الساحل.

مناطق التماس والمحاور الرئيسية

تتوزع المواجهات الميدانية في تعز على عدة جبهات، إلا أنها تركزت مؤخراً في الجبهة الغربية، وبشكل خاص حول: الكدحة، وجبل نعمان، وبني بكاري (في جبل حبشي)، والشراجة، وراسن، والعلقمة، وجرداد، وتكتسب هذه المواقع أهمية استثنائية لوقوعها على مرتفعات تُشرف مباشرة على خطوط الحركة والإمداد بين محافظتي تعز ولحج.

 ومن ناحية الأهمية العسكرية والعملياتية، فإن الكدحة تُشكل البوابة والمدخل الرئيسي للمحور الغربي والربط باتجاه الساحل، فيما تشكل مناطق نعمان وبني بكاري والشراجة مرتفعات حاكمة تتيح الإشراف الناري على محيط جبل حبشي والمنافذ الداخلية، كذلك فإن مناطق راسن والعلقمة وجرداد تمثل سلسلة جبلية استراتيجية تُشرف على خط (التربة – طور الباحة) وتربط تعز بلحج.

 وعليه فإن مليشيات الحوثي تحاول رغم الخسائر الكبيرة التي منيت بها التقدم نحو هذه المرتفعات والسيطرة عليها وتثبيت مواقع قتالية وتحصينات وربطها ببعضها لتطويق خط الإمداد الشرياني لتعز، بينما تُركز القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية على منع هذا الترابط الجغرافي والحفاظ على نقاط الارتكاز التي تُؤمن الطريق، وبناءً عليه، فإن معيار النجاح في هذه الجبهة لا يُقاس بمساحة الأرض المُسيطر عليها، بل بمدى القدرة على التأثير في خط الإمداد واستمرار الاتصال بين تعز والجنوب.

 لماذا يصعب على الحوثيين حسم معركة تعز؟

تواجه جماعة الحوثي في تعز عدة عوامل تجعل التقدم فيها صعبًا ومكلفًا، أولها طبيعة المحافظة الجبلية، فالسيطرة على أي منطقة تحتاج في كثير من الأحيان إلى السيطرة على المرتفعات المحيطة بها أولًا، وهذا يعطي قوات الحكومة الشرعية فرصة أكبر لمراقبة تحركات الحوثيين ومنعها من التقدم بسهولة، كما أن القتال داخل مدينة تعز وأحيائها يزيد من صعوبة المعركة، لأن المهاجم يفقد جزءًا من ميزته في استخدام الأسلحة الثقيلة، ويصبح التقدم مرتبطًا بالسيطرة على مناطق متقاربة ومعرفة تفاصيل الأرض.

ويضاف إلى ذلك غياب الحاضنة الاجتماعية للجماعة في تعز؛ فالتركيبة المدنية للمحافظة وذاكرتها الجمهورية لا تتقبّل نمط الحكم القائم على الولاية الطائفية والتعبئة العقائدية، وهذا يحوّل أي تقدم ميداني إلى سيطرة على الأرض دون سيطرة على السكان، بما يرتبه من كلفة أمنية وإدارية مستمرة تجعل كلفة البقاء في تعز أعلى من كلفة الوصول إليها، إضافة إلى أن القوات المحلية تعرف المنطقة جيدًا وتملك خبرة طويلة في القتال داخل المحافظة، إلى جانب تعدد القوات والتشكيلات التي تدافع عن الجبهات، وهو ما يجعل سقوط موقع واحد لا يعني بالضرورة انهيار بقية الجبهة، كما أن ارتباط تعز بمناطق الجنوب يوفر للقوات الحكومية طرقًا للحركة والإمداد، كلها عوامل تجعل حسم معركة تعز عملية طويلة ومكلفة، حتى مع قدرة الحوثيين على تحقيق تقدم في بعض المواقع.

سيناريوهات المستقبل

السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف وتثبيت خطوط التماس (السيناريو الأرجح)

المضمون: بقاء المواجهات محصورة في المحاور الغربية مع تبادل محدود للسيطرة على بعض المرتفعات دون قدرة أي طرف على فرض تحول استراتيجي حاسم في الخريطة العسكرية.

المحركات: صعوبة التضاريس الجبلية والمتداخلة، واستمرار دفع الطرفين بتعزيزات متواصلة إلى الكدحة ونعمان وراسن وجرداد لتثبيت المواقع ومنع الاختراقات.

النتيجة: تحول المعركة إلى مواجهة استنزاف طويلة المدى تُركز على إنهاك القدرات العسكرية والسيطرة النارية على الممرات الجبلية دون إحداث تغيير كلي في طبيعة الصراع.

السيناريو الثاني: توسع الهجوم وإعادة فرض الحصار الشامل (السيناريو الأخطر)

تمكّن مليشيات الحوثي من تحقيق اختراق ميداني في الجبهة الغربية لتعز وتثبيت مواقعها فيها، ثم توسع الهجوم باتجاه المحاور المرتبطة بالحوبان ومداخل المدينة لتضييق حركة القوات وقطع طرق الإمداد والتعزيزات.

المحركات: استثمار التقدم الميداني للضغط على خطوط الإمداد المؤدية إلى تعز، وتثبيت التموضع العسكري في الكدحة والمرتفعات المحيطة بها للسيطرة على طرق الوصول وممارسة ضغط مستمر عليها، وإعادة فرض الحصار على مدينة تعز، وتحول المعركة من مواجهات على أطراف المحافظة إلى تهديد مباشر للمدينة وسكانها، وهو ما يجعل هذا السيناريو الأخطر على تعز.

السيناريو الثالث: نجاح الهجوم العكسي واستعادة خطوط التوازن الجغرافي

امتصاص القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية للصدمة الناجمة عن سيطرة الحوثيين على المخا وذوباب والساحل وصولا إلى باب المندب، وشن عمليات مضادة بالتنسيق مع المحاور الجنوبية والساحلية لرفع الضغط عن المرتفعات الغربية.

المحركات: الاستفادة من صعوبة التضاريس واستنزاف المليشيات الحوثية المهاجمة، إلى جانب تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين محاور (تعز – لحج – الساحل)، واستعادة السيطرة على النقاط الحاكمة في الكدحة وراسن، وتأمين شريان الإمداد الحيوي عبر طور الباحة، وفرض حالة من الردع الميداني تُجبر الحوثيين على الانكفاء والتراجع إلى مواقعهم قبل التصعيد الراهن.

تقدير ختامي وتوصيات للسياسات

تؤكد المعطيات أن معركة الجبهة الغربية لتعز مرشحة للاستمرار في إطار حرب الاستنزاف عالية الكلفة، وأن المليشيات الحوثية تحاول تحويل المكاسب الأخيرة في الساحل الغربي إلى واقع حصار دائم للكتلة البشرية والسياسية الكبيرة في تعز، مع استخدام المرتفعات الغربية والجنوبية الغربية لتعز كمنصات نفوذ موجهة نحو البحر الأحمر وباب المندب.

ولمنع تحقق السيناريو الأخطر وتفادي إعادة فرض الحصار الشامل، تتطلب المعطيات الميدانية الاتخاذ الفوري للإجراءات التالية:

تنسيق العمليات الميدانية، ورفع مستوى التنسيق العسكري وتأسيس غرفة عمليات مشتركة تضم محاور تعز ولحج والقوات المرابطة في محيط الساحل لتأمين مثلث (راسن – جرداد – طور الباحة).

تحصين الشريان الحيوي، تعزيز الخطوط الدفاعية والتحصينات المتقدمة في السلسلة الجبلية المطلة على طريق الإمداد الوحيد لضمان عدم تعرضه للقطع أو السيطرة النارية الحوثية.

استثمار الرفض المجتمعي والذاكرة الجمهورية الحاضنة للمقاومة، وتحويل التضاريس الجبلية الصعبة إلى مناطق استنزاف مستمر لمليشيات الحوثي المهاجمة لمنعها من التثبت وبناء قواعد إطلاق متحركة.


زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 9 + 9 ؟