استلهام نموذج هرمز: إمكانات توظيف مرتفعات تعز لاستدامة التهديد البحري

د. إسماعيل السهيلي

 مقدمة

  يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية ذات القيمة الاستراتيجية في حركة التجارة الدولية، وقد أظهرت هجمات ميليشيات الحوثي خلال السنوات الماضية في جنوب البحر الأحمر والمضيق وخليج عدن أن الأمن البحري في هذه المنطقة الحيوية من العالم لا يرتبط بالسيطرة المباشرة على المضيق والساحل الملاصق فقط، وإنما تتداخل فيها اعتبارات جغرافية وعسكرية وسياسية تتجاوز المجال البحري إلى امتداداته البرية، وقد كشفت سيطرة  الحوثيين على مضيق باب المندب والساحل الملاصق له في سبتمبر 2026، ثم تمددهم في الجبال المطلة على المضيق، عن أهمية مرتفعات غرب وجنوب غرب تعز بالنظر إلى موقعها وخصائصها الجغرافية وتأثيرها الجيوبوليتيكي، فضلا عن اتصالها بنطاق جغرافي أوسع بمناطق سيطرة الجماعة.

 واللافت أن تصريحات مصادر يمنية وإقليمية قد عكست توجهًا للربط بين تحرير قوات الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية لمضيق باب المندب وجزيرة ميون والمناطق الساحلية الملاصقة للمضيق، وبين إسقاط قدرة الحوثيين على تهديد التجارة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية عبر المضيق، وهذا الطرح يثير تساؤلًا مركزيًا بشأن مدى كفاية استعادة السيطرة على المضيق ومحيطه لاحتواء التهديد البحري، في ظل استمرار سيطرة الحوثيين على المرتفعات الجبلية في محافظة تعز والقدرات العسكرية المتمركزة في العمق على أمن الملاحة؟

  وعليه تبحث هذه الورقة الكيفية التي يمكن من خلالها أن تسهم الخصائص الجيوبوليتيكية لمرتفعات غرب وجنوب غرب تعز، بما تنطوي عليه من موقع استراتيجي وامتدادات برية متصلة بمناطق سيطرة الحوثيين، في تعزيز قدرتهم على استدامة التهديد البحري، وذلك من خلال تحليل  إمكانات تفاعل العامل الجغرافي مع القدرات العسكرية واللوجستية والمعلوماتية، وحدود تحويل المزايا المكانية للمجال البري إلى تأثير استراتيجي في أمن الملاحة البحرية بمضيق باب المندب، والاستفادة من التجربة الإيرانية في توظيف جغرافيا مضيق هرمز بوصفها إطارًا مقارنًا لفهم أنماط الضغط على الممرات البحرية، كما تستعرض الورقة الإمكانات التي توفرها مرتفعات تعز، وانعكاسات ذلك على أمن الملاحة في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن.

تشبيك هرمز   وباب المندب في استراتيجية الضغط الإيراني 

 تولي الاستراتيجية الإيرانية مضيق باب المندب أهمية كبيرة، وقد شهد الموقف الإيراني بشأن المضيق خلال العام الجاري 2026 انتقالًا من التلويح بإغلاقه إلى طلبات إيرانية موجّهة إلى جماعة الحوثي للاستعداد لتعطيل الملاحة فيه، بالتزامن مع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، ويشير هذا التطور إلى تنامي حضور المضيق في حسابات الضغط الإقليمي الإيراني، بوصفه ممرًا بحريًا يمكن أن تتجاوز تداعيات التهديد فيه حدود اليمن لتطال التجارة الدولية وإمدادات الطاقة والأمن البحري بشكل عام.

 في 5 أبريل الماضي ربط علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني، بين مضيقي هرمز وباب المندب،  وقال إن ” غرفة القيادة الموحدة لجبهة المقاومة تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى هرمز”، ويعكس التصريح أجندة إيرانية عبر الوكيل الحوثي لتوظيف المضيقين ضمن معادلة ضغط واحدة على خطوط التجارة والطاقة العالمية. 

 وقد تطور الخطاب تباعًا وزادت حدته ففي 16 يوليو الماضي، أفادت وكالة رويترز بأن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية لشبكة الكهرباء الإيرانية، ونقلت الوكالة عن مصدرين إيرانيين ومصدر إقليمي أن الفكرة نوقشت داخل القيادة الإيرانية، وأن الحوثيين أُبلغوا بها، ويشير هذا إلى أن توظيف المضيق قد تجاوز التهديد السياسي إلى الاستعداد لاستخدامه في سياق مواجهة أوسع .

   وفي 10 سبتمبر الماضي بلغ التصعيد ذروته حيث نقلت رويترز عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري قدّم توجيهات ومشاركة مباشرة خلال تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على المخا ومضيق باب المندب، وأن طهران شجعت تصعيد الهجمات ضد السعودية وتعهدت بتقديم مزيدٍ من التمويل والسلاح والخبراء.

 هذه المؤشرات تشكل دلالة استراتيجية عن توجه إيراني نحو توسيع أدوات الضغط البحري لتشمل باب المندب إلى جانب هرمز، بما يطرح معادلة يمكن وصفها بـ ” تشبيك المضيقين”، ونقصد بذلك الانتقال من التعامل مع المضيقين باعتبارهما مسرحين منفصلين للأزمات إلى النظر إليهما ضمن معادلة ضغط إقليمية مترابطة، بحيث يمكن للتهديد في أحدهما أن يعزز آثار التهديد في الآخر، ولا يقتصر هذا الترابط على تزامن التهديدات، بل يمتد أيضا إلى التأثير المتبادل في خيارات تصدير الطاقة والملاحة البحرية.

   وقد ظهرت معالم هذا التشبيك بشكل لا تخطئه العين حيث أدى اضطراب الملاحة في هرمز نتيجة الاستهداف المسلح الإيراني لحركة السفن في المضيق لدفع الدول المصدرة للطاقة إلى الاعتماد على طرق بديلة، وبرز خط الأنابيب السعودي شرق – غرب الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر كبديل ملائم، لكن جدوى هذا البديل فيما يتعلق بالشحن إلى الأسواق الآسيوية تراجعت بفعل الاستهدافات الحوثية لحركة السفن عبر مضيق باب المندب، وبذلك صار التهديد للممرين يحدّ من قدرة المملكة ودول الخليج العربي على تعويض اضطراب أحدهما باستخدام الآخر، ووسع نطاق الضغط الإيراني ليشمل المسارات البديلة لتصدير الطاقة، فضلا عن خطوط التجارة الدولية والأمن البحري. 

 وقد مثلت سيطرة الحوثيين في سبتمبر الماضي على الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب، بما في ذلك مدينة وميناء المخا وأرخبيل حنيش، وصولًا إلى ذباب وجزيرة ميون الواقعة في قلب المضيق عاملًا فارقًا في استراتيجية تشبيك المضيقين. 

 

مرتفعات هرمز   نموذجا مُلهماً للحوثيين 

  تقدم حالة تعطيل إيران لمضيق هرمز نموذجًا مهمًا لفهم كيفية تحويل الجغرافيا الجبلية إلى مورد استراتيجي في الصراعات غير المتكافئة، حيث عوضت فقدان القدرة على الوجود العسكري المباشر في المضيق  وإحكام السيطرة عليه نتيجة للعمليات العسكرية الأمريكية، بتبني استراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة (Anti-Access/Area Denial) A2/AD ، التي تقوم على فكرة إنشاء منظومة دفاعية وهجومية معقدة تجعل كلفة دخول الخصم إلى رقعة جغرافية معينة باهظة جدًا مما يدفعه للتراجع،

وقد ظهر  هذا بشكل واضح  من خلال المزاوجة بين الجغرافيا الجبلية المطلة على المضيق والقدرات العسكرية الصاروخية والمسيرات والزوارق المفخخة، لتقييد حرية حركة المرور في المضيق، وبما يؤدي إلى تحقيق تهديد مستدام لتدفقات التجارة والطاقة، وتعزيز الضغط الاستراتيجي على الخصوم والاعداء.

وقد تم توظيف جبال زاغروس التي تطل على المضيق بارتفاعات تتراوح بين 1500و2000 متر  كحصن طبيعي، بحيث توفر هذه التضاريس الوعرة بتلالها وكهوفها ومنحدراتها، مواقع مثالية لدعم المراقبة والانتشار العسكري، وتشييد المنشآت المحصنة لإخفاء المنصات الصاروخية المتنقلة والمسيرات والرادارات، وقد عززت هذه التضاريس فعالية الأسلحة غير المتكافئة بتكاملها مع الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام البحرية وأنظمة الاستشعار، وصار استمرار التهديد لرفع مخاطر الملاحة وتكاليفها نهجًا استراتيجيًا ناجحًا لحرمان الخصم من حرية الحركة، ولم يعد تحقيق السيطرة البحرية المباشرة والكاملة شرطا لتعطيل المضيق، ما دام تطبيق استراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة ممكنا. 

ويوفر هذا النموذج إطارًا مُلهماً لفهم ما يبدو سعيا حوثيا لتوظيف الجغرافيا الجبلية لمرتفعات غرب وجنوب غرب تعز، لدعم استدامة التهديد البحري في مضيق باب المندب، بما يعوض فقدانهم السيطرة على المواقع الساحلية والجزر الواقعة عند مدخل المضيق، مع التنبيه على أن فاعلية توظيف ميليشيات الحوثي مرتفعات تعز المطلة على مضيق باب المندب تظل مشروطة بتكاملها مع القدرات العسكرية والتقنية واللوجستية والبيانات التي تتوفر للمليشيات.

توظيف مرتفعات تعز لاستدامة التهديد البحري

يبدو أن الحوثيين بمشورة خبراء الحرس الثوري الإيراني الذين رافقوهم أثناء عمليات السيطرة على الساحل الغربي في المخا وصولًا لمضيق باب المندب، يدركون صعوبة تثبيت سيطرة مستدامة على المضيق والوجود المباشر في المعسكرات والتحصينات الساحلية المجاورة، فضلًا عن وجود ثابت في الجزر القريبة منه لاسيما جزيرة ميون عند مدخل المضيق، وأنه يلزم توفير قدرات وتمركزات حصينة تمكن من تعطيل المضيق عملا باستراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة المتبعة في مضيق هرمز، وذلك لممارسة مزيد من الضغط والتصعيد الإقليمي، وأيضا استعدادا لحرب كبرى متوقعة تكون الولايات المتحدة الامريكية طرفًا رئيسيًا فيها، لاسيما مع إصدار البنتاغون تعليمات إلى القيادة المركزية الأميركية في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، لاستكمال الاستعدادات لاستئناف عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران، حسبما أورد موقع أكسيوس الاستخباراتي. 

وفي هذا التحليل من المتوقع أن ينخرط الحوثيون بصورة أكبر من ذي قبل في تصعيد تهديداتهم للملاحة في باب المندب، من خلال توظيف سيطرتهم الحالية على معظم مرتفعات تعز الغربية والجنوبية الغربية المطلة على المضيق، لتعزيز قدرتهم على تهديد حركة السفن ورفع كلفة المرور، ويتقاطع هذا السيناريو مع المنطق الاستراتيجي الإيراني الذي يقوم على أن التأثير في حركة الملاحة في هرمز لا يتطلب السيطرة الكاملة على المجال البحري، بل يمكن تحقيقه أيضا عبر تقويض أمنه وحرمان الخصوم من حرية الحركة.

ويمكن تفسير أحد أهم دوافع الهجوم الشامل الذي يشنه الحوثيون على مرتفعات تعز، واستمرار القتال في بيئة اجتماعية رافضة تماماً، وتحمل كلفة كبيرة في العتاد والأفراد تقدر أعدادهم بآلاف القتلى والجرحى، بأنه لتحقيق سيطرة شاملة وكاملة على مرتفعات تعز لغرض تحقيق استدامة التهديد البحري في مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، وفي هذا السياق الجيبوليتيكي تكتسب مرتفعات تعز أهمية عسكرية كبيرة كمرتفعات مطلة وحاكمة على حركة المرور في المضيق، ولاسيما سلسلة جبال حبشي وسامع والشمايتين والمقاطرة، ومرتفعات الكدحة وراسن وجرداد والوازعية، والمرتفعات الشمالية الغربية في شرعب ومقبنة، وتمتد هذه السلاسل باتجاه الجنوب الغربي لتتصل بمرتفعات كهبوب الواقعة في النطاق الجغرافي بين تعز ولحج، وبالمرتفعات المحيطة بذُباب والعمري، الأقرب إلى المجال البحري لمضيق باب المندب. 

ويعكس هذا الامتداد تنوعًا تضاريسيًا يربط بين العمق الجبلي والساحل، ويمنح إمكانات توظيف مواقعها ضمن منظومة أوسع في استراتيجية منع الوصول وحرمان المنطقة، حيث تتيح السيطرة على مواقع جبلية ملائمة تعزيز الحماية والتحصين، وتوسيع خيارات الضغط على حركة الملاحة، بما يساعد على استدامة التهديد البحري حتى في غياب السيطرة المباشرة على المضيق.  

   وتتعزز الأهمية الجيوبوليتيكية لمرتفعات غرب وجنوب غرب تعز مقارنة بغيرها من المرتفعات في محافظات أخرى تخضع لسيطرة الحوثيين من اجتماع ثلاثة عوامل، الأول: قربها النسبي من مضيق باب المندب والمجال الساحلي المحاذي له حيث تتراوح مسافة الرؤية البصرية الصافية إلى المضيق بين 60و125كم ، كما أن القرب الاستراتيجي من ممرات الملاحة الرئيسية التي تمر غربي جزيرة ميون عند مدخل المضيق يمنح هذه المرتفعات ميزة الرصد والسيطرة النارية على حركة السفن، وتقصير زمن التحليق وتقليص وقت الإنذار لدى السفن والقطع الحربية، فضلا عن إتاحة استخدام أسلحة قصيرة المدى أرخص وأكثر عددًا (مسيّرات صغيرة، صواريخ قصيرة )، والثاني: ارتفاعاتها الشاهقة التي تتراوح بين 1000 و2000متر وأكثر، تتيح أفضلية الرصد الراداري والبصري واتصالات التوجيه بسبب الارتفاع، كما أن تضاريسها الوعرة  توفر تحصينات طبيعية، وتحصينات مستحدثة، حيث تشير مصادر ميدانية، وتقارير صحفية إلى أن الحوثيين ينقلون معدات حفر صخرية لبعض المرتفعات ، والثالث: اتصال مرتفعات تعز جغرافيًا بامتدادات برية أوسع عبر المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ولا سيما إب والحديدة، وصولًا إلى بقية المحافظات الشمالية، ويتيح هذا الامتداد استمرار تدفق الموارد والتعزيزات، بما يعزز قدرة المليشيات على الاحتفاظ بوجودها في هذه المرتفعات لاستمرار تهديد الملاحة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، حتى في حال تراجع السيطرة على المواقع الساحلية.  

تكامل الجغرافيا والقدرات والمعلومات لاستدامة التهديد

 يتطلب سيناريو توظيف الحوثيين لمرتفعات تعز الغربية والجنوبية الغربية لتهديد الأمن البحري في باب المندب، واعتباره بديلًا مكافئا للسيطرة الساحلية، التمييز بين ثلاثة مستويات: السيطرة الجغرافية على المرتفعات، والقدرة على تشغيل الوسائل العسكرية وإدامتها، والقدرة الفعلية على التأثير في حركة السفن وكلفة تأمين الملاحة، وبهذا المعنى تمثل الجغرافيا عاملًا مساعدا في تشكيل الخيارات العسكرية، لكنها لا تتحول إلى تهديد بحري مستدام إلا بقدر ما تتوافر القدرات اللازمة لتوظيفها وحمايتها وإدامتها.

وتوجد العديد من المؤشرات التي تعزز هذا التحليل، فعلى صعيد التسليح فإن الحوثيين مستمرون في تعزيز قدراتهم، لاسيما الصواريخ والمسيرات، ورغم فرض مجلس الأمن حظرًا على توريد الأسلحة إلى الحوثيين بموجب القرار 2216 لعام 2015، والقرار 2624 لعام 2022 ، إلاّ أن إيران مازالت تقوم بتهريب الأسلحة للحوثيين، وقد أشار تقرير عن تهريب الأسلحة  صادر عن مركزCentury International في فبراير الماضي إلى ضبط شحنة بحرية في يونيو 2025 تضمنت صواريخ كروز مضادة للسفن، ومكونات توجيه ومحركات للطائرات المسيّرة، بما يوضح الصلة بين شبكات الإمداد العسكري وتوافر وسائل يمكن استخدامها في تهديد الملاحة. 

ولم يكتف الحوثيون باستيراد الأسلحة لتعزيز قدراتهم، إذ يشير تقرير ميداني لمنظمة بحوث تسليح النزاعات (CAR)، صدر في أكتوبر الجاري، إلى ضبط مكونات ومعدات صناعية يُعتقد أنها تدعم جهود الحوثيين لتوسيع صناعة الصواريخ داخل اليمن، بما في ذلك أجزاء مرتبطة بصواريخ باليستية من عائلة “خيبر شكن” الإيرانية الأصل، وتشمل المضبوطات معدات يمكن استخدامها في التشغيل الصناعي والفحص ومراقبة الجودة، وقد أعلنت الحكومة اليمنية أنها ناقشت مع الصين استخدام الحوثيين منتجات صينية مزدوجة الاستخدام في تصنيع الأسلحة، وأن بكين أبدت اهتماماً بالتحقيق في المعلومات المقدمة إليها، وتشير هذه المعطيات لأهمية المدخلات الصناعية والتقنية وسلاسل التوريد العابرة للحدود في تفسير تطور قدرات الحوثيين العسكرية لتهديد الأمن البحري.

وفيما يتعلق بالبعد المعلوماتي كشفت تقارير دولية عن أوجه تعاون محتملة في مجال الدعم الاستخباراتي، حيث أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، أنه منذ عام 2024، تم وصول بيانات استهداف روسية إلى الحوثيين ساعدتهم في استهداف السفن في البحر الأحمر، وتم تمرير البيانات عبر أعضاء في الحرس الثوري الإيراني كانوا برفقة الحوثيين، وأن بيانات الأقمار الصناعية الروسية قد وسعت ضرباتهم.  

  ورغم عدم وجود إقرار روسي رسمي بتقديم بيانات استهداف للحوثيين، فإن تصريح دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، يبرز القيمة الاستراتيجية لمضيق باب المندب في حسابات الصراع الدولي، فقد وصفه في يوليو 2026 بأنه سلاح نووي حراري تمتلكه إيران، في إشارة إلى قدرة التهديد بتعطيل الملاحة عبر المضيق، ومع أن هذا التصريح يعكس التصور الروسي للقيمة الاستراتيجية للمضيق، إلاّ أنه يظل مؤشراً وليس دليلاً كاملاً بحد ذاته على تقديم روسيا دعما استخباراتياً للحوثيين أو وجود تنسيق روسي إيراني حوثي حول المضيق.

وفي التحليل الأخير فإن استدامة التهديد البحري ترتبط بقدرة الحوثيين على دمج هذه العناصر في منظومة تشغيلية قابلة للاستمرار، فقد يؤدي استمرار تهريب الأسلحة، وتطور التصنيع المحلي وتنوع مصادر الإمداد، إذا تعزز بقدرات معلوماتية مناسبة، إلى زيادة القدرة على تعويض الخسائر في المضيق ومواصلة التهديد من مواقع بديلة، حتى مع تغير السيطرة على المواقع الساحلية. 

استشراف استدامة التهديد البحري 

لا تعني استعادة القوات الحكومية اليمنية السيطرة على مضيق باب المندب والجزر الحاكمة لمدخله انتهاء التهديد البحري الحوثي، لكنها تغيّر شروطه وأدواته، ومن المحتمل أنه إذا استقرت السيطرة الحكومية على الساحل، فقد تتراجع قدرة الحوثيين على الاستفادة من المواقع الساحلية المباشرة، بينما تظل إمكانية استمرار التهديد البحري قائمة بقدر احتفاظ الميليشيات بقدرات عسكرية ومعلوماتية وشبكات إمداد قابلة للتشغيل من مواقع بديلة، وفي هذا السيناريو قد يتحول التهديد من نمط يرتبط بالتمركز عبر السيطرة المكانية في الساحل إلى نمط متقطع عبر العمليات الخاطفة والمباغتة.

وفي هذا السياق تكتسب مرتفعات غرب وجنوب غرب تعز أهميتها الجيوبوليتيكية من اتصالها وقربها من المضيق والمجال الساحلي الملاصق له، وما توفره تضاريسها الوعرة وتحصيناتها الطبيعية من إمكانات للإخفاء والحماية ومرونة الحركة والرصد، دون أن يعني ذلك أن هذه الخصائص تكفي وحدها لإنتاج قدرة فعالة على تهديد الملاحة، فالأثر الاستراتيجي للمرتفعات يتوقف على مدى تكاملها مع الأسلحة المتاحة، والمعلومات اللازمة لتحديد الأهداف، والقدرة على صيانة المنظومات وتعويض خسائرها، ومن ثم فإن تطور المدخلات وشبكات الإمداد والدعم المعلوماتي قد يكون عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت الجغرافيا ستظل مجرد ميزة كامنة أم ستتحول إلى عنصر فاعل في استدامة التهديد.

  وعليه فإن أحد أكبر التحديات أمام الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية لا يقتصر على تأمين المضيق والساحل والجزر، بل يمتد إلى منع إعادة تشكل مصادر التهديد في العمق البري القريب، مع بناء قدرة مستدامة على المراقبة والإنذار والاستجابة، فاستعادة مضيق باب المندب تمثل خطوة مهمة في تأمينه، أما استدامة الأمن البحري في المضيق وجنوب البحر الأحمر وخليج عدن فتتطلب معالجة شاملة لمنظومة التهديد ومصادر تجددها. 

خاتمة

 تخلص هذه الورقة إلى أن فهم التهديد البحري من قبل الحوثيين يتطلب تجاوز النظرة القائمة على الفصل بين الجبهة البرية والمجال البحري، فالجغرافيا اليمنية ولا سيما مرتفعات غرب وجنوب غرب تعز تؤثر في موازين الصراع حول مضيق باب المندب والساحل الملاصق له من خلال أدوارها في خطوط الحركة والإمداد، والتموضع الدفاعي، وكلفة العمليات العسكرية المضادة. 

 وعليه فإن خسارة الحوثيين السيطرة المباشرة على مضيق باب المندب- إذا استقرت ميدانيًا – لا تعني بالضرورة انتهاء كل أشكال التهديد البحري، لكنها ستغير شروطه وحدوده وكلفته، ويتوقف استمرار هذا التهديد على ما يتوافر للحوثيين من قدرات عسكرية، وعلى سلامة خطوط الإمداد والاتصال، وأيضا على قدرة القوات الحكومية اليمنية والمقاومة الشعبية وبدعم من تحالف دعم الشرعية على إزالة سيطرة الحوثيين في مرتفعات تعز، وتثبيت وجود عسكري قادر على منع وجود أي جيوب حوثية فيها، وكذلك تعزيز آليات المراقبة البحرية لمنع تهريب الصواريخ والمسيرات ومكوناتها، وضمان قطع الإمدادات والبيانات الاستخبارية الدولية التي تسهل استهداف السفن، وبما يؤدي إلى تثبيت السيطرة على الساحل اليمني في جنوب البحر الأحمر وباب المندب والمرتفعات المرتبطة به وصولا إلى خليج عدن وامتداداته البحرية.


المصادر

 لمزيد من المعلومات انظر: د. إسماعيل السهيلي، محركات استمرار الصراع المسلح الراهن في اليمن، مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، يناير 2024، متوفر على الرابط: https://2u.pw/s5aCiL

   وكالة الأناضول، بعد تهديدات ترامب.. إيران تلوح بإغلاق “باب المندب” إلى جانب هرمز، 5/4/2026، متوفر على الرابط: https://2u.pw/b842Q6

 وكالة رويترز، مصادر: إيران طلبت من الحوثيين إغلاق باب المندب إذا قصفت أمريكا شبكة الكهرباء، 16/7/2026، متوفر على الرابط: https://www.reuters.com/ar/world/TRJIBGVCDJMRNKULMHDBQWDRDU-2026-07-16/

    وكالة رويترز، مصادر: أسلحة ومشورة إيران ساعدت الحوثيين في اليمن على السيطرة على المخا،10/9/2026، متوفر على الرابط: https://www.reuters.com/ar/world/C6ZTMNISNRLNBNGW6Q2B7HWZHY-2026-09-10/ 

 بي بي سي عربي، الحوثيون يصلون باب المندب، ما أهمية المناطق التي سيطروا عليها؟، 11/9/2026، متوفر على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/articles/c3wj5050v5no

 لمزيد من المعلومات عن هذه الاستراتيجية العسكرية انظر: مجلة الجندي الإماراتية، تأثير استراتيجية منع الوصول والحرمان من الدخول على الأمن العالمي، 1/1/2021، متوفر على الرابط: https://2u.pw/VSUpPT

 أحمد حافظ، الجزيرة نت، الجغرافيا حارسة المضيق هل تضمن العملية البرية وحدها لترامب تأمين الملاحة بهرمز؟، 31/3/2026، متوفر على الرابط: https://2u.pw/Lg9Y2r

 بختيار أحمد صالح، الجغرافيا كسلاح في الصراعات المعاصرة دراسة استراتيجية للحالة الإيرانية وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والدولي، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 4/7/2025، متوفر على الرابط: https://2u.pw/uSdKwa

 وكالة رويترز، مصادر: أسلحة ومشورة إيران ساعدت الحوثيين في اليمن على السيطرة على المخا،10/9/2026، متوفر على الرابط: https://www.reuters.com/ar/world/C6ZTMNISNRLNBNGW6Q2B7HWZHY-2026-09-10/   العربية نت، أكسيوس: البنتاغون أمر القيادة المركزية بالاستعداد لاستئناف الضربات ضد إيران، 8/10/2026، متوفر على الرابط: https://2u.pw/fZYUMu

  وكالة شينخوا، مصادر يمنية: الحوثيون يسيطرون على مناطق جديدة في ريف تعز اليمنية، 12/10/2026، متوفر على الرابط: https://arabic.news.cn/20261012/3f0d430ddce9424fba5fcb880967ee21/c.html

 الجمهورية اليمنية، المركز الوطني للمعلومات، نبذة تعريفية عن محافظة تعز، شوهد في 12/10/2026، متوفر على الرابط: https://www.yemen-nic.info/contents/Brief/detail.php?ID=7608&print=Y

 موقع نبض، مصادر: بدأ الحوثيون حفر خنادق ونقل أسلحة ومنصات إطلاق إلى جبل مطران في قدس بمحافظة تعز بعد يومين من السيطرة عليه، 10/10/2026، متوفر على الرابط: https://2u.pw/XDA5EV

 فينا علي خان، وبيتر سالزبري، وهنري تومسون، من المهربين إلى سلاسل الإمداد: كيف تحولت حركة الحوثيين في اليمن إلى تهديد عالمي، مركز سينتشري إنترناشونال، ( بالإنجليزية) 10 فبراير 2026، متوفر على الرابط: https://www.xcept-research.org/publication/from-smugglers-to-supply-chains-how-yemens-houthi-movement-became-a-global-threat

 منظمة بحوث التسلح أثناء الصراعات،  تصنيع الحوثيين للصواريخ الباليستية ( بالإنجليزية)، العدد 6، أكتوبر 2026، شوهد في 16/10/2026، متوفر على الرابط: https://storymaps.arcgis.com/stories/1637a6eef3d2418abbcdd3efa47c256b

 جريدة الرياض، وزيرة خارجية اليمن: ناقشنا مع الصين استخدام الحوثيين لتكنولوجيا صينية لصنع أسلحة، 14/10/2026، متوفر على الرابط: https://www.alriyadh.com/2210919?utm_source=chatgpt.com

 الشرق الأوسط، تقرير: روسيا قدمت “معلومات” للحوثيين استخدمت في مهاجمة سفن، 24/10/2024، متوفر على الرابط: https://2u.pw/8q5nhW

 قناةCBC عربية، ميدفيديف يصف مضيق باب المندب بأنه “سلاح إيران النووي الحراري، 4/7/2026، متوفر على الرابط: https://2u.pw/HyKkdm


 

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 9 + 3 ؟