سياسات الولايات المتحدة تجاه الحرب في اليمن

Getting your Trinity Audio player ready...

مقدمة:

تقدِّم السياسية الأمريكية تجاه اليمن نموذجًا مثاليًّا لكيفية التعامل مع الديناميات المحلِّية للصراع في دولة تعاني مِن الضعف والهشاشة، مِن خلال الإهمال -أو بواسطة مقاربة ضيِّقة- يحيلُّ هذا الصراع إلى أزمة إقليمية معقَّدة تهدِّد الأمن والاستقرار الإقليمي، وقد تتطوَّر في ظروف معيَّنة إلى مصدر لتهديد المصالح العالمية الحيوية.

هذه الورقة تحاول تقييم السياسات التي انتهجتها الولايات المتَّحدة الأمريكية تجاه الحرب الجارية في اليمن، وتحديدًا منذ أواخر مارس 2015م وحتَّى اليوم، مع تتبُّع الأثر الذي تركته تلك السياسات في مسار الحرب وتحوُّلات الصراع بشكل عام.

ما قبل الحرب:

حظيت اليمن -بشطريها- باهتمام متدنٍّ مِن قبل السياسة الأمريكية؛ فقد كان الشطر الجنوبي محسوبًا لديها مِن الدول “الإرهابية” بفعل التطرُّف السياسي لدى السلطة في عدن، وتبعيَّتها المطلقة للاتِّحاد السوفييتي، ولمقتضيات الحرب الباردة. وكانت الحرب الباردة أحد الأسباب الرئيسة للاهتمام النسبي للولايات المتَّحدة بالشطر الشمالي مقارنة بالجنوب، وإن مِن خلال المنظور السعودي.

مع قيام الوحدة، واقترانها ببعض مؤشِّرات الديمقراطية، ارتفع منسوب الاهتمام الأمريكي باليمن إجمالًا، لكنَّه تعرَّض لنكسة مبكِّرة بفعل رفض اليمن قرار الحرب على العراق بعد غزوه للكويت عام 1990م.

وعلى إثر الهجوم على المدمِّرة الأمريكية (U.S.S. COLE)، أثناء تزوُّدها بالوقود في ميناء عدن، في 12 أكتوبر 2000م، ومقتل (17) مِن أفراد البحرية الأمريكية، وبشكل أكبر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، تزايد الاهتمام الأمريكي باليمن، لكن مِن خلال مقاربة أمنيَّة صِرفة وضيِّقة.

تبنَّت الولايات المتَّحدة سياسة تجاه اليمن تركِّز على هواجسها الأمنية، وتقوم على التنسيق مع الجهات الأمنية اليمنية والضغط عليها لتبادل المعلومات، وإصلاح وتفعيل المؤسَّسات التي تتعامل مع انتقال الأفراد والأشياء مِن وإلى اليمن، ومِنها: إدارة الأحوال الشخصية والجوازات وإدارات المطارات، وخفر السواحل، ومحاولة بناء علاقات مباشرة مع بعض القبائل، وبالتوازي مع ذلك الحضور المستمرِّ في الأجواء اليمنية، مِن خلال الطائرات بدون طيَّار، وتوجيه الضربات للأشخاص المشتبه فيهم، وقد نتج عن بعض تلك الضربات عدد كبير مِن المدنيين الأبرياء، كما حدث مثلًا في الضربة الصاروخية لقرية المعجلة، بمحافظة أبين، في 17 ديسمبر 2009م، والتي راح ضحيَّتها 41 مِن السكَّان المدنيين، بينهم 14 مِن النساء و21 طفلًا”[1]، أو استهداف شخصيَّات تحظى بمكانة سياسية واجتماعية يؤدِّي مقتلها إلى زعزعة الاستقرار في اليمن، كما هو الحال في مقتل جابر الشبواني، نائب محافظ مأرب الأمين العام للمجلس المحلِّي في محافظة مأرب، في 27 مايو 2010م[2].

وقد ساهمت تلك السياسات في تقويض سيادة اليمن وشرعية النظام السياسي على حدٍّ سواء، ووفَّرت الكثير مِن المسوِّغات للجماعات المتطرِّفة لاستقطاب وتجنيد الشباب، والانحراف ببوصلة الاستهداف مِن خلال توجيه الضربات لقوَّات الجيش والأمن ومؤسَّسات الدولة، بحجَّة أنَّ النظام في حالة تبعيَّة كاملة للسياسات الأمريكية.

في عام 2011م، سجَّلت السياسة الأمريكية حضورًا في الأزمة السياسية التي نشأت على إثر الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها البلاد، وما تلاها مِن أحداث؛ إلَّا أنَّها ركَّزت على ممارسة الضغوط لنقل السلطة واستمرار السياسات والمؤسَّسات التي تتولَّى محاربة “الإرهاب”، وفيما عدا ذلك سلَّمت الملفَّ اليمني إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وقد اتَّهمت أطراف يمنية الإدارة الأمريكية بالتواطُؤ مع جماعة الحوثي أثناء زحف تشكيلاتها المسلَّحة باتِّجاه العاصمة اليمنية (صنعاء)؛ حيث مارسوا ضغوطًا كبيرة على الرئيس، عبدربِّه منصور هادي، لمنعه مِن أمر الجيش بالدفاع عن العاصمة والتدخُّل في المعارك التي كانت تشنُّها جماعة الحوثي في كلٍّ مِن “دمَّاج” و”عمران” و”حاشد”، وأطراف صنعاء نفسها.

وعقب انقلاب جماعة الحوثي على الدولة في 21 سبتمبر 2014م، ومع زحفها المسلَّح نحو بقيَّة المناطق الأخرى لفرض سيطرتها عليها كانت الطائرات المسيَّرة الأمريكية تقاتل إلى جانبهم، وتساند تحرُّكهم.

تطوُّر الموقف الأمريكي مِن الحرب:

انطلقت عمليَّات التدخُّل العسكري لـ”التحالف العربي” في اليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتَّحدة، في 26 مارس 2015م، وعلى الأرجح أنَّ واشنطن لم تكن متحمِّسة لذلك التدخُّل، لأنَّه جاء لدواعي أمنيَّة سعودية، في الوقت الذي كان ثمَّة فجوة واسعة بين الاحتياجات والمخاوف الأمنيَّة لكلا الدولتين. ومع هذا، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، “باراك أوباما”، عن دعمها السياسي لتلك العمليَّات، وعن تقديمها قدرًا مِن الدعم العسكري يتَّفق مع الحدِّ الأدنى مِن العلاقات التقليدية بين الدولتين، مِن خلال: بيع الأسلحة، وتشكيل غرفة عمليَّات مشتركة لتنسيق العمليَّات العسكرية والاستخبارية في اليمن، وتزويد طائرات التحالف بالوقود في الجو.

مع مضيِّ الوقت، وبسبب حدوث أخطاء في الضربات الجوِّية والتداعيات الإنسانية الكبيرة التي أضرَّت باليمنيين، تصاعدت معارضة الحرب داخل المنظَّمات الدولية والأمريكية المعنيَّة بحقوق الإنسان، وبين أعضاء الكونغرس مِن الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

عقب الضربة التي استهدفت حفل عُرس، في القاعة الكبرى بالعاصمة صنعاء، في 8 أكتوبر 2016م، وأودت بحياة عدد كبير مِن الضحايا المدنيِّين، أعلنت إدارة “أوباما” أنَّها ستعلِّق بيع مجموعة مِن الأسلحة للسعودية، وستقلِّل مستوى مشاركة المعلومات الاستخباراتية، وستزيد تدريبات القوَّات الجوية السعودية لتحسين ممارسات الاستهداف المستقبلية؛ وبخلاف ذلك ستستمر في تزويد طائرات التحالف بالوقود جوًّا، وبيع بعض الأسلحة، ومشاركة الاستخبارات فيما يتعلَّق بالتجاوزات على الحدود السعودية- اليمنية.[3]

ومع تباطؤ الحسم العسكري، وفشل مفاوضات الكويت بين الحكومة الشرعية، المعترف بها دوليًّا، وبين جماعة الحوثي، لتسوية الصراع، برعاية أممية، تولَّد اتِّجاه في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية للسعي نحو تحقيق تسوية سياسية. وبالفعل، أعلن وزير الخارجية الأمريكي، “جون كيري”، في ٢٥ أغسطس ٢٠١٦م، مبادرة لتسوية الصراع في اليمن، تتضمَّن وقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتستبعد الرئيس الشرعي عبدربِّه منصور هادي، ونائبه اللِّواء علي محسن الأحمر، وتُشرِك الحوثيين في الحكومة، مع التأكيد على أنَّهم أقلِّية. وتضمَّنت المبادرة بعض إجراءات التهدئة، كسحب الحوثيين أسلحتهم مِن العاصمة صنعاء، وانسحاب قوَّاتهم مِن مناطق الحدود السعودية- اليمنية، وتشكيل لجان أمنيَّة في مناطق احتدام القتال[4]. وقد لاقت المبادرة رفضًا علنيًّا مِن قبل جماعة الحوثي، ورفضًا غير معلن مِن قبل السلطة الشرعية والسعودية على حدٍّ سواء.

كانت حرب اليمن حاضرة في حملة “دونالد ترامب” الانتخابية، مرتبطة بنظرته للسعودية التي وجَّه لها انتقادات حادَّة، حيث صرَّح بـ”أنَّها لا تعامل الولايات المتَّحدة معاملة عادلة”، وأنَّ واشنطن تخسر “قدرًا هائلًا مِن المال” للدفاع عن حليفتها “السعودية”[5]. ومع أنَّ “ترامب” كان حادًّا في بعض تصريحاته تجاه السعودية، غير أنَّ وصوله إلى السلطة أدَّى إلى تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الرياض، والحرب في اليمن؛ فقد كانت الرياض محطَّته الأولى في أوَّل زيارة خارجية له، في مؤشِّر إلى أهميَّة السعودية في سياسته الخارجية. وقرَّر “ترامب” السماح ببيع الأسلحة التي علَّق “أوباما” بيعها في الشهر الأخير مِن ولايته، حيث أنَّ مبيعات السلاح التي تخلق الوظائف أهمَّ بالنسبة له مِن قضايا حقوق الإنسان؛ خاصَّة أنَّه كان يرى أنَّ وقف هذه المبيعات، أو حتَّى تخفيضها، لن يترتَّب عليه سوى اتِّجاه السعودية لروسيا والصين كخيار بديل. في المقابل استمرَّ حديث إدارته عن ضرورة إنهاء الحرب، ومعالجة الوضع الإنساني، وحماية الأراضي السعودية[6].

مثَّل اعتبار إيران وحلفائها مصدر تهديد مشترك نقطة التقاء أخرى بين السعودية وإدارة “ترامب”؛ وفيما لا يُعرف حجم تأثير السعودية في ذلك، فقد اتَّخذ “ترامب” مواقف قويَّة تجاه إيران، فقد انسحب مِن الاتِّفاق النووي الذي تمَّ التوقيع عليه في عهد سلفه “أوباما”، وفرض عليها عقوبات اقتصادية قاسية.

وفي مقابل دعم “ترامب” للسعودية في حربها ضدَّ الحوثيين تصاعدت حدَّة المعارضة للحرب مِن قِبَل وسائل الإعلام والمنظَّمات الحقوقية الأمريكية والدولية، في ظلِّ استمرار الأخطاء في الضربات الجوِّية ومقتل المزيد مِن المدنيِّين، وبشكل أكبر بعد مقتل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، في قنصلية بلاده بإسطنبول، في أكتوبر 2018م، حيث وصلت معارضة الحرب إلى الحدِّ الأعلى، الأمر الذي دفع إدارة “ترامب” في نهاية الشهر ذاته لمطالبة “التحالف” بوقف قصف المناطق المأهولة بالسكَّان، ودعوة جميع الأطراف لهدنة، والدخول في مفاوضات جادَّة لإنهاء الحرب، غير أنَّ الحوثيين رفضوا هذه الدعوة؛ وبعدها بأسبوعين أعلنت الإدارة الأمريكية إيقاف تزويد طائرات “التحالف” بالوقود جوًّا[7].

وكان “التحالف”، السعودي- الإماراتي، قد استبق -فيما يبدو- الإعلان الأمريكي، بإعلانه -في بيان رسمي- طلبه مِن الولايات المتَّحدة وقف تزويد طائراته جوًّا بالوقود، وأنَّه تمكَّن مِن زيادة قدراته في هذا المجال خلال العمليَّات في اليمن، في حين قالت الولايات المتَّحدة: إنَّ ذلك تمَّ بالتوافق مع التحالف[8].

هذا التوجُّه لم يكن يعني تغيُّرًا جوهريًّا في سياسة “ترامب”، فقد أبطل مشروع قانون أقرَّه الكونغرس -بمجلسيه- يُنهي الدعم الأمريكي للعمليَّات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، واستخدم حقَّ النقض الرئاسي (الفيتو) لوقف القرار، وفشل مجلس الشيوخ الأمريكي في إسقاط النقض (الفيتو) الذي استخدمه “ترامب”.

مِن جهته، دعا “جو بايدن” نائب الرئيس الأمريكي السابق في حينه، ومرشَّح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية لعام 2020م، إلى إنهاء الدعم الأمريكي للحملة السعودية في اليمن، وقال “أندرو بيتس”، المتحدِّث باسم “بايدن”: إنَّ نائب الرئيس يعتقد أنَّ الوقت حان لإنهاء الدعم الأمريكي للحرب في اليمن، وإلغاء ما سمَّاه “الشيك على بياض” الذي منحته إدارة “ترامب” للسعودية في إدارتها لتلك الحرب[9]. كما أكَّد “بايدن” أنَّ إنهاء دعم الحرب السعودية في اليمن يشكِّل جزءًا مِن برنامج حملته للانتخابات الرئاسية المقرَّرة عام 2020م[10].

عقب وصوله إلى البيت الأبيض، أعلن الرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن” تبنِّي سياسة مغايرة تجاه الحرب في اليمن، تقوم على إنهاء الدعم الأمريكي لكافَّة العمليَّات العسكرية الهجومية، وما يتعلَّق بها مِن صفقات تسليح، ودعم جهود الأمم المتَّحدة لحلِّ النزاع، وتعيين مبعوث خاصٍّ لليمن. وتنفيذًا لذلك، عيَّن الرئيس الأمريكي الدبلوماسي السابق “تيم لندركينج” مبعوثًا أمريكيًّا لليمن، وشطب جماعة الحوثي مِن قائمة “الإرهاب”، بعد أن كان سلفه “ترامب” قد أدرجها في تلك القائمة خلال الأسبوع الأخير مِن حكمه. وأوقف “بايدن” -على الفور- الدعم العسكري المقدَّم للسعودية في حربها باليمن، وقال مستشار الأمن القومي الأمريكي، “جيك سوليفان”: “إنَّ القرار يمسُّ الدعم الأمريكي للعمليَّات الهجومية في الحرب بين الحكومة اليمنية والحوثيين، ويشمل بيع الذخيرة الموجَّهة بدقَّة للسعودية والإمارات”[11]، ولا يشمل ذلك بطبيعة الحال محاربة “تنظيم القاعدة”.

بدأ المبعوث الأمريكي “ليندركينغ” مهامَّه بالتواصل مع جماعة الحوثي، عبر قنوات خلفية، وقال: إنَّ واشنطن لديها أساليب لإيصال الرسائل إلى الحوثيين، “ونستخدم هذه القنوات بقوَّة”[12]. وبالتوازي مع ذلك، مارست واشنطن ضغوطًا على السعودية والحكومة الشرعية اليمنية، لدفعهما للتوقيع على اتِّفاق سياسي والوصول إلى حالة سلام لإنهاء الحرب كيفما كانت الأمور.

تحوَّلت الحرب في اليمن إلى هدف دعائي لإدارة “بادين”، سعت إلى تحقيقه كإنجاز لها، ومارست واشنطن ضغوطًا مكثَّفة على السعودية لإنهاء الحرب بأيِّ شكل كان، واستغلَّت حالة السخط المتصاعدة ضدَّ السعودية على خلفيَّة الأزمة الإنسانية في اليمن، وبشكل أكبر بسبب قضيَّة “خاشقجي”. وعلى الأرجح فإنَّ سياسات إدارة الرئيس “بايدن” غير الودِّية تجاه السعودية كانت مِن الأسباب الرئيسة التي منعت الرياض مِن الدفع بالعمل العسكري، والتسريع عوضًا عن ذلك مِن خطواتها لإنهاء الحرب في اليمن. فقد أعلنت الرياض، في 22 مارس 2021م، مبادرة “لإنهاء الأزمة اليمنية”، تتضمَّن وقف إطلاق نار شامل تحت مراقبة الأمم المتَّحدة، وبدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصُّل إلى حلٍّ سياسي للأزمة اليمنية برعاية الأمم المتَّحدة، بناء على المرجعيَّات الثلاث، قرار مجلس الأمن الدولي (2216)، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل[13].

وتحت وقع هجمات مليشيا جماعة الحوثي المستميتة على مأرب، وسيطرتهم على ثلاث مديريَّات مِن محافظة شبوة المجاورة لها، والتي تقع بها أبار للنفط ومحطَّة بلحاف لتسييل الغاز الطبيعي (وهي أكبر  منشأة استثمارية في البلاد)، اضطرَّت القوَّات المناوئة لجماعة الحوثي إلى الانسحاب مِن مناطق واسعة في الساحل الغربي على البحر الأحمر، وإعادة التموضع، ونقل عدد مِن التشكيلات العسكرية إلى محافظة شبوة لاستعادة المديريَّات التي سقطت، وللمساهمة في استعادة مديرية حريب التابعة لمحافظة مأرب، وهو ما وسَّع مِن الأراضي الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي في ساحل  البحر الأحمر. وعلى الأرجح فإنَّه جرى استغلال تلك الأراضي في الهجمات على السفن بالبحر الأحمر بعد الحرب على غزَّة.

وبعد استمرار استيلاء الحوثيون على سفينة الشحن الإماراتية “روابي”، بالقرب مِن مدينة الحديدة، وبشكل أكبر هجماتهم على العاصمة الإماراتية (أبو ظبي)، في 17 يناير2022م، اتَّجهت إدارة الرئيس “بايدن” لدعم “التحالف”، فباعت المزيد مِن الطائرات المقاتلة للإمارات، وصعَّدت لفظيًّا تجاه الحوثيين، وقال “بايدن”: إنَّ إدارته تدرس إعادة تصنيف الحوثيين[14] كـ”منظَّمة إرهابية أجنبية”. ومِن جهتها، قالت الحكومة اليمنية: إنَّ السياسة الأمريكية الجديدة شجَّعت جماعة الحوثي على التصعيد العسكري، سواء نحو مأرب، أو بتكثيف العمليَّات بالطائرات المسيَّرة، أو بالصواريخ ضدَّ المطارات السعودية[15].

وبعد امتصاص الضغوط الأمريكية عملت الرياض على تحييد الأطراف الأخرى، بما فيها المبعوث الأممي، عن التأثير على مسار القضية اليمنية، وبقي دور المبعوث الأمريكي محدودًا؛ وتابعت السعودية خطواتها لإنهاء الحرب، وشاركت في جولات مِن المفاوضات غير المعلنة مع جماعة الحوثي. وفي أبريل 2022م، أرسلت السعودية سفيرها لدى اليمن، محمَّد آل جابر، إلى صنعاء للحوار معهم؛ كما استقبلت بالرياض وفودًا مِن جماعة الحوثي، في منتصف سبتمبر 2023م، وقدَّمت لهم الكثير مِن المحفَّزات، ومِنها الرفع الجزئي للاستيراد عبر ميناء الحديدة.

وبعد إتمام التفاهمات معهم دفعت الرياض الأمر إلى المبعوث الأممي الخاص باليمن لإخراج الاتِّفاق تحت مظلَّة الأمم المتَّحدة. وبالفعل، أعلن المبعوث الأممي -في 23 ديسمبر 2023م- عن توصُّل الأطراف اليمنية إلى مجموعة مِن التدابير، تشمل: وقفًا شاملًا لإطلاق النار، وإجراءات لتحسين الظروف المعيشية، والانخراط في عمليَّة سياسية جامعة تحت قيادة الأمم المتحدة[16]. وفيما كان هناك ترقُّب للتوقيع على اتِّفاق التسوية المرتقب حدثت التطوُّرات المرتبطة بعملية “طوفان الأقصى” بفلسطين، ومِن ثمَّ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزَّة، ومعها برزت تهديدات جماعة الحوثي للملاحة في البحر الأحمر.

مسار مستقل للتعامل مع الإرهاب:

مع ضرورة الإشارة الى وجود مسار مستقلٍّ في السياسة الأمريكية تجاه اليمن، فيما يتعلَّق بمكافحة الإرهاب، فقد حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية، على التعامل مع الإرهاب في اليمن مِن خلال مسار مستقل، وألَّا تؤثِّر التطوُّرات في المشهد اليمني على الأهداف الأمريكية في التعامل مع هذا الملف، بمعنى أنَّ سياسات واشنطن تجاه هذا الملف تمضي وفق ما تخطِّط له المؤسَّسات الأمنية الأمريكية، وله الأولوية في الجهود والتحرُّكات التي يقوم بهل المسئولون الأمريكيون؛ فعلى على سبيل المثال حرص السفراء والقيادات الأمنية الأمريكية على زيارة المحافظات اليمنية، والالتقاء بمسئولي السلطة المحلِّية وقيادات الأجهزة الأمنية بشكل مباشر، لتنسيق الجهود الخاصَّة بمكافحة الإرهاب، فمنذ عام 2019م وحتَّى منتصف 2023م قام سفراء الولايات المتَّحدة بما يقرب مِن عشر زيارات إلى كلٍّ مِن حضرموت والمهرة وشبوة، مع العلم أنَّ هذه الزيارات جاءت في ظلِّ غياب شبه تامٍّ مِن قبل المسئولين الحكوميِّين في السلطة الشرعية عن زيارة تلك المحافظات، مع الإشارة مرَّة أخرى إلى أنَّ تلك الزيارات كانت فقط التي تمَّ الإعلان عنها، إذ مِن المرجَّح أنَّ ثمَّة زيارات أخرى تمَّت دون أن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام، خاصَّة ما يتَّصل بالوفد الأمنية والعسكرية.

هجمات البحر الأحمر:

ساهمت سنوات الحرب الثمان السابقة، بشكل أو بآخر، في تطوُّر القدرات العسكرية لجماعة الحوثي؛ خاصَّة فيما يتِّصل بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، مِن خلال الدعم الإيراني وعمليَّات التهريب التي تجري عبر الساحل الممتد خلال محافظتي المهرة وحضرموت شرقي اليمن، ومِنهما عبر طرق صحراوية إلى محافظة الجوف التي تقع معظم مناطقها تحت سيطرة جماعة الحوثي، ومِن خلال تهريبها عبر المنافذ التجارية بعد أن يتمَّ تفكيكها كأجزاء ومِن ثمَّ إعادة تركيبها بعد وصولها إلى أيدي الجماعة، أو عبر قوارب صغيرة ومتعدِّدة في البحر الأحمر[17]. وقد جرى استخدام تلك القدرات العسكرية في السابق للهجوم على مصالح إستراتيجية، سعودية وإماراتية.

مع قيام إسرائيل بالعدوان المروِّع على قطاع غزَّة، خلال الأسبوع الثاني مِن شهر أكتوبر الماضي (2023م)، توفَّرت لجماعة الحوثي فرصة لاستغلال هذه الأحداث بما يحقِّق أهدافها، على المستويين الوطني والإقليمي. فقد وفَّرت الأحداث فرصة مثالية للجماعة للتملُّص مِن التزاماتها الداخلية، وفي مقدِّمتها دفع المرتَّبات المستحقَّة لموظفي الدولة، وتحسين الخدمات والبنى التحتية. كما وفَّرت لها فرصة لتحويل شعارها ضدَّ إسرائيل وأمريكا إلى واقع؛ وقدَّمتها على أنَّها طرف إقليمي مؤثِّر. إذ قام الحوثيُّون -في 19 نوفمبر 2023م- باحتجاز سفينة الشحن “جلاكسي ليدر”، واقتادوها إلى ساحل البحر الأحمر على الجانب اليمني[18]، وشنَّوا بعد ذلك عددًا مِن العمليَّات التي استهدفت سفنًا تجارية كانت تعبر مضيق باب المندب.

تدرَّجت السياسة الأمريكية تجاه تلك الهجمات، حيث حاولت الإدارة الأمريكية تجاهلها في بداية الأمر، ربَّما اعتقادًا مِنها بأنَّها لن تستمر، واستمرَّت في التركيز على الدفع بجهود السلام في اليمن؛ وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية -في 13 نوفمبر 2023م- أنَّ المبعوث الأمريكي الخاص باليمن، “تيم ليندركينغ”، سيسافر إلى الخليج العربي للدفع بجهود السلام الجارية بقيادة الأمم المتَّحدة في اليمن، ودعم التنسيق الإقليمي، للتوصُّل إلى نهاية دائمة للصراع، وأنَّ الولايات المتَّحدة ملتزمة بضمان التوصُّل إلى حلٍّ سلمي للصراع في اليمن، وأنَّها تعمل بشكل وثيق مع شركائها لدعم جهود السلام برعاية الأمم المتَّحدة، ووضع حدٍّ للمعاناة الهائلة التي تسبَّب بها هذا الصراع[19].

مع تصاعد هجمات الحوثيِّين أدانت الولايات المتَّحدة تلك الهجمات، وحاولت توفير الحماية للسفن التي تتعرَّض لتهديدات الجماعة. ومع استمرار الهجمات سعت واشنطن إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهتها، ودعت إلى تشكيل قوَّة متعدِّدة الجنسيَّات، وحاولت حشد أكبر عدد ممكن مِن الدول فيها. وفي 19 ديسمبر 2023م، أعلن وزير الدفاع الأمريكي عن تشكيل هذه القوَّة، وأُطلِق عليها مسمَّى “حارس الازدهار”، وذلك بغرض حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، غير أنَّ تأثيرها كان محدودًا بفعل امتناع الدول العربية والدول المشاطئة مِن الانضمام إليها، بسبب الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل والرافض لوقف الحرب في غزَّة.

إستراتيجية الاحتواء:

حاولت واشنطن عدم الانجرار إلى اشتباك مباشر مع الحوثيين، واستمرَّت في توجيه التحذيرات لهم مِن “العواقب” ما لم يوقفوا هجماتهم على السفن، وفعَّلت القنوات الخلفية للتواصل مع جماعة الحوثي، خاصَّة مِن خلال الوسيط العُماني وغيره، وأوصلت العديد مِن الرسائل التي تنطوي على ترغيب وترهيب، في ظلِّ رفض مِن الدول العربية لإدانة سلوك جماعة الحوثي.

وكانت أبرز ملامح السياسة الأمريكية تتَّصل بـ:

  • الالتزام بالهدف المركزي الذي تبنَّته الإدارة الامريكية مع بداية الحرب على غزَّة، وهو الحدُّ مِن اتِّساع رقعة الصراع في المنطقة.
  • تجنُّب الخيار العسكري قدر الإمكان، واستخدامه في أضيق الحدود عند الاضطرار إليه،
  • تحييد الصراع في اليمن عن تداعيات الحرب في غزَّة.
  • النظر إلى التداعيات الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على غزَّة على أنَّها طارئة، وأنَّها لن تستمر بعد انتهاء الحرب.

ضغوط سياسية:

مارست الإدارة الامريكية قدرًا كبيرًا مِن الضغوط السياسية لمنع الحوثيين مِن الهجمات على السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، ومِنها إيصال رسائل مبطَّنة إليهم، وتحريك الوسيط العُماني، وممارسة الضغط على إيران، وحثُّ السعودية على عدم المضي في مسار السلام معهم، وتصنيف جماعة الحوثي “جماعة إرهابية” عالمية، وغيرها.

فقد عملت واشنطن على الدفع بالوسيط العُماني لممارسة الضغط على الحوثيين، ونقل رسائل تهديد مِن قبلها إليهم، وطلبت مِن الصين تعزيز ضغوطها على إيران لذات الغرض، فقد نقلت مصادر إعلامية غربية عن مسئولين أمريكيين قولهم: إنَّ واشنطن طلبت مِن “بكِّين” حثَّ طهران على كبح جماح الحوثيين[20].

وعلى الأرجح فإنَّ دور كل من عُمان والصين بدأ يؤتي أوكله عقب 10 فبراير (الحالي)، وذلك مِن خلال تراجع عدد الهجمات مِن قبل الحوثيِّين. وعلى الأرجح أيضًا، أنَّه تكامل مع الضغوط الإيرانية أيضًا، حيث حرصت إدارة “بايدن” على توجيه أكبر قدر ممكن مِن الضغوط نحو طهران، وتحميلها مسئولية سلوك الحوثيين، فقد قال “بايدن”، في 13 يناير الماضي: إنَّ الولايات المتَّحدة سلَّمت رسالة خاصَّة إلى إيران بشأن مسئولية الحوثيين عن مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر[21]، وطلبت مِن طهران العمل على إيقاف تلك الهجمات، كما أعلن وزير الخارجية البريطاني، “ديفيد كاميرون”، أنَّه طالب نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، بأن تتوقَّف عن تزويد الحوثيِّين بالأسلحة والمعلومات الاستخباريَّة، وأن تستخدم نفوذها لوقف هجمات الحوثيِّين في البحر الأحمر[22].

واستصدرت واشنطن عددًا مِن القرارات في مجلس الأمن الدولي تدين سلوك الحوثيين في البحر الأحمر، وأهمُّها القرار رقم (2722)، الصادر بتاريخ 10 يناير الماضي، والذي أدان بأشدِّ العبارات الهجمات التي شنَّها الحوثيُّون على السفن التجارية وسفن النقل، وطالب أن يكفَّ الحوثيُّون فورًا عن جميع هذه الهجمات، وأن يفرجوا فورًا عن السفينة “جالاكسي ليدر”، وعن طاقمها، وأكَّد وجوب احترام ممارسة السفن التجارية وسفن النقل الحقوق والحرِّيات الملاحية وفقًا للقانون الدولي، وأحاط علمًا بحقِّ الدول الأعضاء في الدفاع عن سفنها ضدَّ الهجمات، بما في ذلك التي تقوِّض تلك الحقوق. وأثنى قرار مجلس الأمن على الجهود التي تبذلها الدول الأعضاء في إطار المنظَّمة البحرية الدولية لتعزيز سلامة السفن التجارية وسفن النقل مِن جميع الدول، ومرورها بأمان عبر البحر الأحمر؛ وشجَّع مواصلة الدول الأعضاء بناء وتعزيز قدراتها، ودعمها لبناء قدرات الدول الساحلية ودول الموانئ في البحر الأحمر وباب المندب بهدف تعزيز الأمن البحري[23]. وقد وفَّر هذا القرار شرعية للقوَّات العسكرية البحرية التي تمَّ تشكيلها، وللضربات التي قامت بها الولايات المتَّحدة وبريطانيا بعد ساعات مِن صدور هذا القرار.

وبلغت الضغوط السياسية ذروتها بتصنيف الحوثيين “جماعة إرهابية” عالمية، حيث أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا، في 17 يناير الماضي، أعلنت فيه الحوثيين “جماعة إرهابية عالمية”، مصنَّفة بشكل خاص. وقد اتَّسم هذا القرار بكونه رمزيًّا إلى حدٍّ كبير، فمِن جهة نصَّ على إدراج الجماعة في سياق “جماعة إرهابية” عالمية، مصنَّفة بشكل خاص، وهذا التصنيف بطبيعة الحال أضعف بكثير مِن حيث الأثر والعقوبات مِن التصنيف كجماعة إرهابية أجنبية؛ ومِن جهة أخرى نصَّ القرار على أنَّه سيدخل حيِّز التنفيذ خلال 30 يومًا مِن تاريخ الإعلان عنه؛ ومِن جهة ثالثة نصَّ القرار أيضًا على أنَّه في حال أوقف الحوثيُّون هجماتهم في البحر الأحمر وخليج عدن ستعيد الولايات المتَّحدة تقييم هذا التصنيف[24]. ونصَّ القرار كذلك على أنَّ الإدارة الامريكية ستَّتخذ خطوات للتخفيف مِن أيِّ آثار سلبية على الشعب اليمني، حيث “ستُجري اتِّصالات مع أصحاب المصلحة، ومقدِّمي المساعدات، والشركاء الذين يلعبون دورًا حاسمًا في تسهيل المساعدة الإنسانية والاستيراد التجاري للسلع الحيوية في اليمن، وتقوم وزارة الخزانة أيضًا بنشر تراخيص تجيز بعض المعاملات المتعلِّقة بتوفير الغذاء والدواء والوقود، وكذلك التحويلات الشخصيَّة والاتِّصالات والبريد وعمليَّات الموانئ والمطارات التي يعتمد عليها الشعب اليمني”[25].

ومِن التبعات التي يمكن أن تُبنى على ذلك القرار إعاقته لأيِّ جهود مِن المحتمل أن تبذلها السعوديَّة للمضيِّ قدمًا في مسار السلام في اليمن، حيث سيكون مِن الصعوبة بمكان أن تتجاوز الرياض هذا القرار.

ضربات عسكرية محسوبة:

مع عدم تأثير المسار السياسي بشكل فعَّال مع الحوثيين، ركَّزت القوَّات الأمريكية، وقوَّات الدول الحليفة لها في هذا الشأن، على اعتراض هجمات الحوثيين ضدَّ السفن والبوارج البحرية، وتجنَّبت الإدارة الأمريكية الردَّ. لكن مع اتِّساع تلك الهجمات، واستمرارها، والأضرار التي طالت الملاحة البحرية، أُجبرت الولايات المتَّحدة على الردِّ العسكري. فمنذ 12 يناير وحتَّى تاريخ كتابة هذه الورقة، وجَّهت القوَّات الأمريكية والبريطانية، وفي بعض الحالات بإشراك دول أخرى، عددًا مِن الضربات إلى مناطق سيطرة جماعة الحوثي، وعلى النحو الذي يظهره الجدول التالي.

جدول يوضِّح: الضربات الأمريكية البريطانية الموجَّهة ضدَّ الأهداف العسكرية لجماعة الحوثي:

التاريخ الجهة القائمة بالهجمات عدد الهجمات الأهداف القذائف المواقع المستهدفة الأماكن
12 يناير الولايات المتحدة الأمريكية، بالتنسيق مع المملكة المتحدة، وبدعم مِن أستراليا وكندا وهولندا والبحرين. 73 أنظمة رادار ودفاع جوي ومواقع تخزين وإطلاق أنظمة جويَّة بدون طيَّار وصواريخ كروز وصواريخ باليستية. 100 ذخيرة موجَّهة 16 موقع صنعاء، البيضاء، الحديدة، تعز.
22 يناير الولايات المتحدة والمملكة المتَّحدة بدعم أستراليا والبحرين وكندا وهولندا. لم يذكر. أنظمة صواريخ ومنصَّات إطلاق وأنظمة دفاع جوِّي ورادارات ومرافق تخزين أسلحة مدفونة. لم يذكر. 8 مواقع صنعاء، وقاعدة الديلمي الجوية.
1 فبراير الولايات المتحدة والمملكة المتَّحدة. لم يذكر. محطَّة تحكُّم أرضية للطائرات بدون طيَّار تابعة للحوثيين و10 طائرات بدون طيَّار.

طائرة بدون طيَّار فوق خليج عدن.

مركبة سطحية غير مأهولة تابعة للحوثيين في البحر الأحمر.

لم يذكر. مناطق سيطرة الحوثيين، وخليج عدن، والبحر الأحمر.
3 فبراير الولايات المتحدة والمملكة المتَّحدة بدعم مِن أستراليا والبحرين وكندا والدنمارك وهولندا ونيوزيلندا. لم يذكر. 6 صواريخ كروز مضادَّة للسفن، ومرافق تخزين أسلحة، وأنظمة صواريخ، ومنصَّات إطلاق، وأنظمة دفاع جوي ورادارات.

36 هدفا. مرافق التخزين تحت الأرض، وأنظمة صواريخ، وعمليَّات طائرات بدون طيَّار، ورادارات، ومروحيات.

لم يذكر. 13 موقعًا. صنعاء وحجَّة وذمار والبيضاء وتعز والحديدة.
4 فبراير الولايات المتحدة. لم يذكر. صاروخ كروز مضاد للسفن أطلقه الحوثيُّون ضدَّ سفن في البحر الأحمر.

صاروخ كروز مضاد للسفن،

هجوم أرضي للحوثيين.

4 صواريخ كروز مضادَّة للسفن، جاهزة للانطلاق.

لم يذكر.    
8 فبرابر الولايات المتحدة. 7 4 قوارب مسيَّرة تابعة للحوثيين، و7 صواريخ كروز مضادَّة للسفن. لم يذكر.   صنعاء، موقع رادار بقاعدة الديلمي.
9 فبراير الولايات المتحدة. لم يذكر. 2 قوارب مسيَّرة، و4 صواريخ كروز مضادَّة للسفن، وصاروخ كروز للهجوم الأرضي. لم يذكر.    

ويلاحظ على تلك الضربات التي شنَّت على مناطق سيطرة جماعة الحوثي ما يلي:

  • أنَّها جاءت “ردًّا على هجمات جماعة الحوثيين في البحر الأحمر” كما قال وزير الدفاع الأمريكي[26]، وليس لها علاقة بالصراع الذي يدور بين الأطراف اليمنية؛ ونفس الأمر بالنسبة لقرار تصنيف جماعة الحوثي “جماعة إرهابية”، فقد جاء على خلفية تلك الهجمات، ولا علاقة له بالصراع في اليمن، إذ أكَّد بيان وزارة الخارجية أنَّ “هذا التصنيف يسعى إلى تعزيز المحاسبة على ما وصفه بالأنشطة الإرهابية للجماعة، وإذا أوقف الحوثيون هجماتهم في البحر الأحمر وخليج عدن فستعيد الولايات المتَّحدة تقييم هذا التصنيف”[27].
  • أنَّها ذات طبيعة دفاعية، وتتعامل فقط مع المصادر النارية التي يمكن أن تهدِّد السفن والقطع البحرية، بما ذلك الضربات الاستباقية التي تستهدف الصواريخ التي تكون معدَّة للهجوم على السفن والقطع الحربية في البحر الأحمر، وشملت في الغالب مواقع الرادارات ومنصَّات إطلاق المسيَّرات والصواريخ ومواقع الرصد الساحلية.
  • أنَّها لم تستهدف -على الأقل، وحتَّى تاريخ إعداد هذه الورقة- إحداث تغيير إستراتيجي في القدرات العسكرية لجماعة الحوثي بما يحدث اختلالًا في التوازن العسكري القائم على صعيد الداخل اليمني.
  • لا زال مِن المبكِّر معرفة قدرت تلك الضربات في الإضرار بالأهداف المحدَّدة لها؛ خصوصًا وأنَّ تركيبة التشكيلات العسكرية التابعة لجماعة الحوثي أقرب إلى العصابات والمجموعات الصغيرة، كما أنَّ غياب عنصر المفاجئة لتلك الضربات التي يتمُّ الإبلاغ عنها مِن قبل، والاستعدادات الحوثية المبكرة، وخبراتهم السابقة، تؤشِّر إلى احتمالية التأثير الضعيف لتلك الضربات.

وفي كلِّ الأحوال -وكما في منعطفات سابقة- فإنَّ سياسة واشنطن تجاه الحرب في غزَّة والبحر الأحمر أضافت الكثير مِن التعقيد إلى الملفِّ اليمني؛ فقد قوَّضت -وفي أحسن الأحوال أجَّلت- فرص التوقيع على خارطة طريق إنهاء الصراع في اليمن، كما أنَّ مآلات الاشتباك القائم في خليج عدن وجنوب البحر الأحمر سينعكس حتمًا على التوازنات السياسية والعسكرية بين الأطراف اليمنية، وعلى مسارات الحرب والسلام في اليمن، وكذلك على الأوضاع السياسية والإنسانية.

الاستنتاجات:

  • اتَّسمت سياسات الولايات المتَّحدة تجاه اليمن -في الأغلب- بمحاولة تجنُّب الانزلاق في تعقيدات الملفِّ اليمني، والتعامل معه مِن خلال مقاربات الأطراف الإقليمية الفاعلة، أو مِن خلال منظور آحاديٍّ وضيِّق، يُراعي المصالح الأمريكية فقط، ولا يهتمُّ كثيرًا بالمصالح اليمنية.
  • أدَّى التراخي الأمريكي في السماح بتمرُّد جماعة الحوثي وسيطرتها على السلطة إلى وضع اليمن في مسار طويل ومعقَّد، ودخولها في حالة حرب أوقعت المنطقة، بل والعالم في أزمة كبيرة لا زالت تداعياتها قائمة حتَّى اليوم.
  • حرصت واشنطن على تحييد الاشتباك مع جماعة الحوثي في البحر الأحمر عن الصراع الداخلي في اليمن، وضبطت إجراءاتها السياسية والعسكرية بما لا يؤثِّر عليه، أو يمسُّ بديناميَّاته، أو يؤثِّر على مساراته.
  • أنَّ الإجراءات السياسية والعسكرية التي اتَّخذتها الولايات المتَّحدة تجاه الحوثيين، على الأقلِّ حتَّى كتابة هذه الورقة، جاءت لاحتواء سلوكهم (أي الحوثيين)، وردع أعمالهم في البحر الأحمر، حرصًا على عدم اتِّساع دائرة الحرب في فلسطين إلى المنطقة.

التوصيات:

  • على الولايات المتَّحدة أن تتيقَّن أنَّ الاستثمار في التنمية والاستقرار في اليمن هو الطريق الأمثل لضمان الأمن في المنطقة والإقليم والعالم عمومًا، نظرًا لموقعها الإستراتيجي بالقرب مِن مصادر النفط وخطوط الملاحة الدولية، وعليها أن تدفع بشراكة إقليمية ودولية واسعة لتحقيق ذلك.
  • ينبغي على واشنطن عدم تجاهل الديناميَّات الداخلية للصراع في اليمن، وألَّا تفرض حلولًا لا يتقبَّلها اليمنيُّون بكتلتهم السياسية والجغرافية الأكبر في اليمن، وهذا عامل مهمٌّ لضمان سلام ممتد. اضغط لتحميل المادة

[1]  منظمة العفو الدولية تتهم الولايات المتحدة بقصف المعجلة في أبين بقنابل عنقودية، المصدر أونلاين، في: 7/6/2010م، متوفر على الرابط التالي:

https://almasdaronline.com/article/8721

[2]  انتقادات للحكومة اليمنية بمقتل الشبواني، الجزيرة نت، في: 27/5/2010م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/v2862o

[3]  بايدن وحرب اليمن: السياق الطويل لتحولات الموقف الأمريكي، سلطان العامر، صدى- مؤسَّسة كارنيجي، في: 1/4/2021م، متوفر على الرابط التالي:

https://carnegieendowment.org/sada/84227

[4]  د. أحمد يوسف أحمد، السياسة الأمريكية تجاه الصراع في اليمن: هل من دورٍ فاعلٍ لحلِّه؟، رئاسة مجلس الوزراء، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، متوفر على الربط التالي:

https://www.idsc.gov.eg/Article/details/6872

[5]  ترامب يشكو عدم تحمل السعودية نصيبًا عادلًا من تكلفة دفاع أمريكا عنها، رويترز، في: 28/4/2017م، متوفر على الرابط التالي:

https://www.reuters.com/article/idUSKBN17U209/

[6]  د. أحمد يوسف أحمد، السياسة الأمريكية تجاه الصراع في اليمن: هل من دورٍ فاعلٍ لحلِّه، مصدر سبق ذكره.

[7]  نفس المصدر.

[8]  محلِّلون: وقف التزويد بالوقود بداية رفع الدعم الأمريكي عن حرب اليمن، الجزيرة نت، في: 11/11/2018م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/jcyed

[9]  مجلس الشيوخ يفشل في إسقاط فيتو ترامب بشأن حرب اليمن، الجزيرة نت، في: 2/5/2019م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/uaepv

[10]  “غياب الكرامة والقانون”.. السعودية في صلب حملة بايدن لرئاسة أمريكا، الجزيرة نت، في: 2/5/2019م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/xd42h

[11]  الرئيس الأمريكي جو بايدن يُعلن وقف الولايات المتحدة دعمها للعمليات العسكرية في اليمن، بي. بي. سي. عربي، في: 4/2/2012م، متوفر على الرابط التالي:

https://www.bbc.com/arabic/world-55936748

[12]  سياسة أمريكية جديدة باليمن.. لتخفيف توتُّرات وإنهاء انتقادات (تقرير)، وكالة الأناضول، في: 22/2/2021م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/9m27n

[13]  المملكة تعلن عن مبادرة لإنهاء الأزمة اليمنية والتوصل لحل سياسي شامل، واس- وكالة الأنباء السعودية، في: 22/3/2021م، متوفر على الرابط التالي:

https://www.spa.gov.sa/2205526

[14]  بايدن وتصنيف الحوثي.. قائمة الإرهاب على مرمى حجر، سكاي نيوز عربية، في: 20/1/2022م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/y51n5

[15]  نفس المصدر.

[16]  مستجدات بشأن الجهود المبذولة للتوصل لخارطة طريق ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب في اليمن، مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن، في:23/12/2023م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/p1mpb

[17]  مقابلة أجراها معدُّ الورقة مع شخصيَّة أمنيَّة يمنية رفيعة.

[18]  الحوثيون يحتجزون سفينة إسرائيلية وتل أبيب: الحادث خطير للغاية، الجزيرة نت، في: 19/12/2023م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/1vw2t

[19]  المبعوث الأمريكي الخاص لليمن ليندركينغ يسافر إلى الخليج العربي، موقع وزارة الخارجية الأمريكية، في: 13/11/2023م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/xqw50

[20]  صحف: واشنطن طلبت من بكين المساعدة في احتواء هجمات الحوثيين، دي. دبليو. عربي، في: 24/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/0ir9l

[21]  بايدن: الولايات المتحدة سلمت رسالة خاصة إلى إيران بشأن هجمات الحوثيين، روسيا اليوم عربية، في: 13/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/g0o58

[22]  ضربات أمريكية جديدة ضدَّ أهداف للحوثيين في اليمن، دي. دبليو. عربي، في: 18/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/eh7w72

[23]  مجلس الأمن يعتمد قرارًا يدين هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، موقع الأمم المتحدة، في: 10/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://news.un.org/ar/story/2024/01/1127557

[24]  واشنطن تعيد تصنيف جماعة الحوثي “منظمة إرهابية”، قناة الحرة، في: 17/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/evh2i

[25]  نفس المصدر.

[26]  ضربات أمريكية وبريطانية على أهداف في صنعاء والحديدة والحوثي يتوعَّد بالرد، الجزيرة نت، في: 12/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://n9.cl/wh29g

[27]  واشنطن تعيد تصنيف الحوثيين “جماعة إرهابية” ومسئول أمريكي: سندرس إلغاء التصنيف إذا أوقفت الجماعة هجماتها على السفن، المصدر أونلاين، في: 17/1/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://almasdaronline.com/articles/288870

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى