الاستحداثات العسكرية في المدن والجزر اليمنية بالبحر الأحمر: ارتداداتها المحلية والمخاوف الإقليمية

مقدّمة
أثار الكشف عن مطارات ومهابط مدنية وعسكريّة، في الجُزُر والساحل الغربي الخاضعين للحكومة اليمنية، جدلًا إعلاميًّا صاخبًا. وفي الأثناء، جرت الإشارة إلى أدوار مُثْبتة لكيانات محلية وإقليميّة ودوليّة، تحرّكها حسابات نفعية مشتركة، وفي ظل تقلبات سياسيّة ودورات عنف مسلّح طالت الشحن التجاري في البحر الأحمر وخليج عدن، تصدّرها المتمرّدون الحوثيون المدعومون من إيران، وتحالفات عسكرية وأمنية، أميركية وأوروبية، ثم بعد ذلك إسرائيل.
تناقش الورقة هذه المطارات والمهابط، مُستعرضةً الظروف التي نشأت فيها، والدوافع المختلفة لإنشائها، والآثار الجيوسياسية والعسكرية والأمنية لها، ثم تنتهي الورقة بخاتمة تضمُّ أبرز ما توصَّلت إليه من نتائج.
أولًا: سياقات النشأة والظروف المصاحبة
خلال فترة الحرب الناشبة بين الحكومة اليمنية، مدعومة بالتحالف العربي، وبين المتمرّدين الحوثيين، التي جُمِّدت بهدنة إنسانية في 2 إبريل/ نيسان 2022، تشكَلت كيانات مسلَحة عديدة تابعة لهذه الحكومة، تَقاسَمت تمويلها والتحكم فيها السعودية والإمارات، بوصفهما قائدتي التحالف، إلا أنَّ الأخيرةُ كانت أسبقَ إلى تشكيل هذه الكيانات، واختيار مناطق حيوية لتمركزها، وكان أولها المجلس الانتقالي الجنوبي (انفصالي)، بقيادة عيدروس الزُّبَيدي، الذي أعلن عنه في مايو/ أيار 2017، ثم المقاومة الوطنية، بقيادة طارق محمد عبد الله صالح، التي تشكّلت نواتها الأولى تحت مُسمَّى قوات حراس الجمهورية، في مارس/ آذار 2018.
أتاح تمركز هذه القوات في الشريط الساحلي المُمتد من شرقي مدينة (ميناء) المُكلا في حضرموت على خليج عدن، إلى مدينتي الخوخة والمخا المشاطئتين للبحر الأحمر، فرض سيطرتها الكاملة على حزمة من القيم الجيوسياسية، الطبيعية والاصطناعية، ويُمثِّلها أرخبيل سقطرى، وأرخبيل حُنيش، وجزيرة ميُون (بِريم) الواقعة في قلب مضيق باب المندب، والقيمة الجيوسياسية لهذا المضيق. وإلى ذلك المطارات والموانئ القديمة في سقطرى وحضرموت (الريَّان) وشَبْوة وعدن، ولَحْج، والمَخا. وتجدُر الإشارة إلى أنَّ ميناء المخا أعيد افتتاحه في يوليو/ تموز 2021، بدعم إماراتي ورقابة المقاومة الوطنية.
وفي خطوةً مدروسةً لتعزيز وضع هذين الكيانين، وخلق كيانات مسلًحة أخرى، جرى دمجهما في المجلس الرئاسي الذي تشكَل، في 7 إبريل/ نيسان 2022، ضِمن الحسابات المختلفة لرُعاة هذا التحوَل، وتعززت بذلك ممارساتهما المستقلة لوظائف الدولة في مناطق سيطرتهما، دون مشاركة بقية الكيانات المُمَثَّلة في المجلس الرئاسي والحكومة، وإصرارهما على بقاء قواتهما العسكرية والأمنية منفصلة، تنظيميَّا وعملياتيًّا، عن وزارتي الدفاع والداخلية. ومن جانبها، دعمت السعودية رئيس المجلس الرئاسي، رشاد العليمي، لتشكيل قوات “درع الوطن”، المُعلَن عنها في يناير/ كانون الثاني 2023، ونُشرت وحدات منها في القطاع الساحلي لمحافظة لحج على خليج عدن؛ الأمر الذي خلق توترات دورية بينها وبين قوات العمالقة التابعة للمجلس الانتقالي.
خلال انخراط المتمرّدين الحوثيين في حرب غزة، إسنادًا لحركة حماس، أمام الكيان الإسرائيلي (أكتوبر/ تشرين الأول 2023- أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، برز حجم القوة التي يتمتعون بها، وتنوُّعها التكتيكي والإستراتيجي، وما تشكِّله من تهديد محلي وإقليمي ودولي، أمام محدودية قدرات قوات الحكومة وإمكانية مواجهتهم مستقبلًا. وعلى الجهة الأخرى من البحر الأحمر، تطوّرت الحرب السودانية الناشبة بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًّا، وباتت كل خطوة إماراتية في الساحل الغربي اليمني لافتة، بقوة، لخصومها في السودان ولدول الساحل الأفريقي في البحر الأحمر.
ثانيًا: مصفوفة المطارات والمهابط المستحدثة
تنتشر هذه المطارات في الجزء الجنوبي من الساحل الغربي والجُزُر المقابلة له، وفي المحيط الهندي جنوبي خليج عدن. ففي مدينة المخا شُرع في إنشاء مطارها نهاية عام 2021، على مساحة نحو 3000م2، فيما بلغ طول المدرج نحو3100 م، ثم دُشِّن نشاطه نهاية عام 2022، برحلة لموظفين لدى الأمم المتحدة، وفي يناير/ كانون الثاني 2024، استُقبلت طائرة للخطوط اليمنية، أقلَّت مواطنين ممن عَلِقُوا في العاصمة السودانية (الخرطوم)، إثر تجدد العنف فيها.
وبحلول أبريل/ نيسان 2025، أُعلن، رسميًّا، عن جاهزية المطار لاستقبال المسافرين ومغادرتهم، لكنَّ ذلك تعثر طويلًا، وعُزي السبب إلى تحكُّم المتمرَدين الحوثيين في حركة الطيران المدني في اليمن، من خلال نظام التحكّم بصنعاء. ورغم ذلك أقلَّت طائرة للخطوط اليمنية عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، إلى أبوظبي، في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، خلال مشاركته في مؤتمر المناخ بالبرازيل.
إلى ذلك، المهبط المُقام في جزيرة عبد الكوري، بأرخبيل سقطرى، شرقي رأس عسير (جاردافوي) في الصومال بنحو 60 ميلًا، يتيح استقبال الطائرات المدنية الصغيرة، غير إنه ليس مسجلًا في منظمة الطيران المدني الدولي في مونتريال بكندا. ويُمكن للطائرات الحربية العمودية، التي قد يُسند إليها مهمات أمنية في الممرات المائية والمناطق التي تُهدَّد فيها حركة الشحن، أن تهبط فيه بأمان. حيث يبلغ طول المدرج، وفقًا للمعلومات المعلن عنها في يناير/ كانون الثاني 2025، نحو 1.5 ميل، من أصل 35 كلم (21 ميلًا) تمثِّل طول الجزيرة، فيما عرضه نحو 150 قدمًا، عِلمًا أن أقصى عرض للجزيرة يبلغ نحو 5 كلم (3 أميال))(.
خلال أوائل عام 2021، رُصد في جزيرة ميُون (بريم)، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، ثلاث حظائر للطائرات، ومدرجٌ في الشمال الغربي منها، طوله نحو 6150 قدمًا، وعرضه 165 قدمًا (). وذلك ما أعاد التذكير بمحاولة سابقة للإمارات لتشييد مدرج ومرافق أخرى عام 2017، قبل أن يُسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي لها على الجزيرة في مايو/ أيار 2020، وعقب استكمالها سحب قواتها المشاركة في التحالف العربي من عدن، في فبراير / شباط 2020. ورافق رصد الجزيرة تفكيك قاعدتها العسكرية في ميناء عَصَب الإرتري في فبراير/ شباط 2021.
وفي جزيرة زُقَر التي تقع في أرخبيل حُنيش، جنوبي ميناء الحديدة الخاضع للمتمرّدين الحوثيين، وتبعد عن الساحل اليمني بنحو 32 كلم ()، ظهر مدرج للطائرات طوله نحو 2000م، وشُيِّد خلال الفترة: مارس/ آذار- أكتوبر/ تشرين الأول 2025)(. ويعزز هذا المدرج السيطرة الطبيعية للجزيرة على حركة الشحن في جانبها الشرقي عبر الممر الآسيوي، وفي جانبها الغربي عبر الممر الأفريقي.
وفي يناير/ كانون الثاني 2025، رُصد مدرجٌ حديث الإنشاء، في مديرية ذوباب، المشاطئة لمضيق باب المندب، واتصاله بطريق ترابي يؤدي إلى جبل النار، في المخا، وهناك تجهيزات إنشائية تشي بأن المدرج مًخصص لأغراض عسكرية، فيما بدأ الربط الإسفلتي بين جبل النار وباب المندب في إبريل/ نيسان 2025، بطول 75 كلم. وتبرز أهمية المدرج في وقوعه بالقرب من مضيق باب المندب بنحو 40كلم، الذي تقع فيه جزيرة ميُون (بريم)، التي تعد -وفقًا للتقسيم الإداري لمحافظة تعز- عُزلةً تابعةً لمُديرية ذو باب.
في الجدول التالي المطارات والمهابط المستحدثة، والكيانات المسلّحة التي تتحكّم فيها.
جدول: المطارات المستحدثة في السواحل والجُزُر
| م | المطار | الموقع | الغرض | الأبعاد (بالمتر) | الكيان المتحكم |
| 1 | مطار المخا | مدينة المخا | مدني – عسكري، ودعم مهمات أمنية بحرية | طول المدرج:3100 م مساحة المطار: 3000 م2 | المقاومة الوطنية |
| 2 | مهبط جزيرة عبد الكوري | أرخبيل سُقطرى – المحيط الهندي | عسكري – لوجستي، ودعم مهام أمنية بحرية | طول المدرج: 2414 م
العُرض: 46 م |
المجلس الانتقالي الجنوبي |
| 3 | مهبط جزيرة ميُون | مضيق باب المندب – البحر الأحمر | ” ” “ | طول المدرج: 1874م
العرض: 50 م |
” ” “ |
| 4 | مهبط جزيرة زُقَر | أرخبيل زقر – البحر الأحمر | ” ” “ | طول المدرج: 2000 م | المقاومة الوطنية |
| 5 | مهبط ذوباب | مدينة ذوباب | عسكري | غير متوفرة | ” ” “ |
المصدر: إعداد الباحث
ثالثًا: دوافع الاستحداث وأبعاده
تتقاسم هذه الدّوافع التشكيلات المسلّحة الموالية للإمارات، مع الإمارات نفسها، من خلال المنافع الناشئة، السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وتبرز تهديدات المتمرّدين الحوثيين البحرية بوصفها أولى الدوافع المشتركة، محليًّا وخارجيًّا. حيث تتيح هذه المطارات فرض رقابة جو – مائية على خطوط تدفق الشحن، والقيام باعتراض الشُّحنات المحظورة، خصوصًا الأسلحة والمخدرات المهَرَّبة إليهم أو من قِبَلهم، في سياق دعم العقوبات الدولية المفروضة عليهم، علاوة على تمكين القوات المتمركزة في المطارات والجًزر من الانخراط المَرِن والفعَّال في أي اشتباك محلي أو إقليمي.
ومع تعاظم المصالح الجيوسياسية الإماراتية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، ومنها صناعة النقل البحري، وتُمثِّلها أصول مؤسسة موانئ دبي العالمية في الموانئ التي تُشغِّلها أو تشغل جزءًا منها؛ فإن تمركز قوات إماراتية أو قوات موالية لها، في مدن الساحل الغربي والجزر ومطاراتها، من شأنه دعم استقرار الأمن البحري، وأمن المصالح الإماراتية في ميناءي بربرة (صوماليلاند)، وبوصاصو (بونتلاند)، وجدة (السعودية).
لا يُغفل ما للتشكيلات المهيمنة على هذه المطارات من أجندات سياسية محلية، تحاول فرضها على كيانات منافسة لها في الحكومة اليمنية من جهة، وعلى المتمرّدين الحوثيين من جهة أخرى، بوصفهم العدو الأول. حيث تمثل المهابط والمطارات المستحدثة قِيمًا جيوسياسية مؤثرة في المجالات السياسية والاقتصادية العسكرية والأمنية، وفي معادلات الصراعات عمومًا.
مثَّل الاتجاه الحاصل في مناطق الساحل الغربي، في مجال بناء المطارات، وتطوير مجالات التنمية، سلوكًا مًمنهجًا ممن يقفون وراءه، وتضمَّن ذلك، إلى جانب مقتضيات الحرب التي لم تُحسم نهايتها بعد، خَلْق حالة من الالتفاف الشعبي حول عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، بما يُبقيه في صدارة المشهد السياسي. وفي المقابل، يجري عزلَ تعز وإضعاف سلطاتها، وقواتها، من الجيش والشرطة والمقاومة الشعبية، تمهيدًا لاحتوائها، بأي طريقة، من قِبل قوات المقاومة الوطنية الخاضة لطارق صالح. وليس ببعيد عن هذا النهج افعتال التوترات في تعز، واستغلال الإخفاقات الأمنية فيها، للتمهيد لهذا الاحتواء.
الحال نفسها بالنسبة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتحكم في جزيرتي ميُون وعبد الكوري اللتين أنشئ فيهما مدرجان حديثان ومرافق عسكرية أخرى. فمنذ إنشاء المجلس عام 2017، سعى، بقوة، لفرض أجندته الانفصالية، مستندًا إلى دعم الإمارات التي تقاسمت معه المصالح، وألقت بثقلها، من موقعها في تحالف دعم الشرعية اليمنية، لتعزيز مشروعه الانفصالي؛ لذلك جاءت هذه المطارات ضمن مصالحها المشتركة، وامتدادًا لدورها في تكوين تشكيلاته المسلحة الانفصالية.
رابعًا: ارتدادات الداخل ومخاوف الخارج
- الارتدادات المحلية
مؤكدٌ أنَّ استحداث هذه المطارات غرضُها الأول الاستخدام العسكري، لا سيَّما أنَّ المتمرّدين الحوثيين لا يزالون هدفًا رئيسًا وإستراتيجيًّا للحكومة ولبعضٍ من شركائها الدّوليين، حتى وإن بَدَا هذا الغرض مؤجلًا. والحال ذاتها بالنسبة إلى نوايا الحوثيين أنفسهم تجاه كلِّ هؤلاء، في ظل النمو السريع والمفاجئ للمطارات، والبُنى الهندسية العسكرية، وشبكة الطرقات، والاستعدادات القتالية في الساحل، التي تمثِّل، مُجتمِعةً، عوامل محفِّزة لاستئناف الصراع.
إلى جانب هذا الحافز، يبرُز الاختلال الحاصل في موازين القوة بين المتمرّدين الحوثيين والحكومة، بوصفه حافزًا آخر لاستئناف الصراع أو العنف الجزئي من طرفهم. حيث تعرَّضت قدراتهم العسكرية والاقتصادية للتدمير والاستنزاف جرَّاء انخراطهم في حرب غزة، وتعرُّضهم، خلالها، لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية عنيفة، وذلك في الفترة: أكتوبر/ تشرين الأول 2023 – أكتوبر/ تشرين الأول 2025. فما تعرَّضوا له من خسائر فادحة قد تكون مقبولة بحكم الظرف، أما أن يقع ذلك في الوقت الذي تنمو فيه القوات الحكومية في القدرات والإمكانيات، في المخا والسواحل والجُزُر؛ فإن ذلك لن يمر دون استجابة عنيفة تعيد ضبط موازين القوة.
يتمثل المسلك العنيف المتوقع للمتمرّدين الحوثيين تجاه هذه المناطق ومرافقها الإستراتيجية المستحدثة في القيام بأعمال تخريبية استخبارية، أو بالاستهداف الناري المباشر، دون الاعتراف بذلك. فالتجربة تؤكد أنهم لن يسمحوا باستمرار أي تفوق لأيٍّ من كيانات الحكومة المسلّحة، أو استخدام هذا التفوّق في تهديد وجودهم السياسي. ولعلَّ نشاطهم الميداني في الساحل الغربي الخاضع لهم، والمناطق المحيطة بتعز، شمالًا وشرقًا، لمؤشرٌ واضح على هذا النهج.
وفي السياق، ثمة تداعيات ناعمة لوحظت عقب استكمال بناء مطار مدينة المخا، والتطوّر الخدمي في المدينة وأريافها. فقد شدَّ ذلك أنظار المواطنين إلى عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، ومقارنة نشاطه القيادي ببقية أعضاء المجلس الذين يواجهون انتقادات شديدة إزاء جمودهم وغيابهم خارج البلاد. علاوةَ على مقارنة الوضع هناك بمناطق المتمرّدين الحوثيين التي تضاءلت فيها فرص الاستثمار، وساءت الحريات والحقوق، جراء السياسات الطاردة لرؤوس والأموال، والسلوك القمعي تجاه المعارضين. وإلى ذلك، يجري استقطاب المستثمرين، والقوى العاملة الفنية، والنُّخب السياسية والفكرية والإعلامية، نحو المخا، واستظهار التفافهم حول عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح.
وفي جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تُسيطر قواته على جزيرة عبد الكوري وميُون، يمثِّل هذا الوضع إحدى نقاط القوة الداعمة لمشروعه الانفصالي، فيما تُضاعِف المرافق العسكرية والإستراتيجية المستحدثة من نقاط هذه القوة، وتوظَّف في فرض إرادته الانفصالية، سواءً بمقايضة منافع الجُزُر مع الدول الداعمة له أو المتعاطفة معه، أو باستغلال القدرات العسكرية فيها في عملية عسكرية تصادمية مع القوات المناوئة للانفصال.
- التداعيات الخارجية
مثَّلت العسكرة الحاصلة للجُزُر مدعاةً لاستفزاز بعضٍ من دول الإقليم، والشعور بأنها قد تجرُّ المنطقة كلها نحو مزيد من الهشاشة الأمنية، واختلال التوازنات الجيوسياسية. وهذه المخاوف تبدو منطقية في زوايا بعينها، ومن ذلك وضع الحكومة الحالي، الذي تفتقد فيه إلى القرار المستقل الذي يُراعي سيادتها ومصالحها ومصالح نظيراتها في الإقليم. وفي السياق، جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الإرتري أسياس أفورقي، أثناء زيارته القاهرة، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، التي أبدى فيها قلقه إزاء العسكرة الأجنبية للبحر الأحمر، بوصفها مدخلًا للفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، وأن تدخُّل دولٍ من خارج الإقليم من شأنه إعاقة جهود التعاون الأمني بين الدول المشاطئة ().
وفي حوار صحفي آخر، أبدى أفورقي قلقه إزاء ما وصفه بـ”سعي قوى خارجية لتأمين مواقع هيمنة لها في المنطقة”. وأن ثمَّة جهودًا تُبذل لبناء قواعد عسكرية في عِدة جزر يمنية، وهي: سُقَطْرى وميُون وزقر؛ رابطًا بين ما يجري من تفكيك وتقسيم للصومال بهذا السعي، “وإن الهدف النهائي منه خلق جوٍّ مُواتٍ لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية في تلك المنطقة، لتعزيز أهداف سياسية معيّنة “(). ولعلَّ ما رمى إليه أفورقي، ولو كان ذلك ضمينًّا، أن وضع اليمن لا يَفْرُق كثيرًا عن وضع الصومال، وأنَّ أجندات الأطماع التوسعية الخارجية واحدة؛ لذلك فإن إرتريا تتحفظ على ما يجري في الجًزر اليمنية، نظرًا إلى قُربها منها.
حتى اللحظة، لم يُرصد أي موقف مصري مُعلَن كالموقف الإرتري، ولعل تصريح أفورقي من القاهرة ليشير إلى مخاوف مصرية قد تكون تلقت ضمانات يمينة وإماراتية بذلك، إلا أن هذا لا يكفي قطعًا؛ فلا تزال توترات العامين الماضيين جنوبي البحر الأحمر واضحة الأثر في نشاط قناة السويس، ولم يُعهَد عن مصر تفريطها في أمن البحر الأحمر، أو النأي بنفسها عما تنشأ فيه من شواغل أمنية، لكونه جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي
في ظل تدخُّل الإمارات في السودان، ممثلة في دعمها قوات الدعم السريع المتمردة على الحكومة، فإن هذه المطارات يُمكن أن تستغل كمراكز لوجستية لضمان استمرار العنف هناك، أو نَقلِه إلى دولة مجاورة في الإقليم تعارض سياسات الإمارات. وتُمكِّن هذه المطارات من شنَّ هجمات إقليمية، أو تدريب أفراد الشركات الأمنية المنخرطة في الحروب الدولية، أو تخزين الأسلحة، أو قيادة العمليات. وبهذا تغدو الأراضي اليمنية مصدرًا لتصدير العنف وقواه ووسائله، وهي المرتزقة والأسلحة.
كذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي قد تستهدف الجماعات المسلحة المناوئة لها، في اليمن والإقليم، عبر هذه المطارات والجُزُر، ولن تقف هذه الجماعات مكتوفة الأيدي، في سياق الحرب المفتوحة فيما بينها. ومن جانب إسرائيل، التي تسعى للحصول على موطئ قدم جنوبي البحر الأحمر، لاعتراض تهديدات إيران وحلفائها الحوثيين؛ فإنها قد تُمكَّن من استخدام هذه المرافق لهذا الشأن. وهذا التصور قد يصبح واقعيًّا عبر أي مزاد سياسي مستقبلي، بالنظر إلى التصريح المتلفز لرئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، قبل بضع سنوات، الذي أبدى فيه استعداده للتطبيع الكامل مع إسرائيل، حال تحقّق فصل جنوب اليمن عن شماله ()، وذلك ما ينسجم مع موقف الإمارات تجاه إسرائيل. ومؤخَّرًا أتاح المجلس الانتقالي لصحفي بريطاني من أصل إسرائيلي، ألَا وهو جوناثان سباير “Jonathan Spyer”، الدخول إلى اليمن في يوليو/ تموز 2025، وبلوغ مناطق حساسة في عدن والضالع وشبوة (). ولا يُستبعد أن يكون قد طاف، مع فريقه، على المناطق المشاطئة لباب المندب.
خاتمة
تجلَّت سلسلة الاستحداثات العسكرية، في المدن الساحلية والجُزر اليمنية الخاضعة لكيانات مسلّحة تابعة للحكومة، عن نوايا عسكرية معاصرة ومستقبلية، داخلية وخارجية، وانطوى ذلك على أهداف جيوسياسية وسياسية تتقاسمها هذه الكيانات مع مموّليها وأصدقائها الإقليميين والدّوليين. ويبدو أن هذه الاستحداثات، مُمثلة في المطارات والمهابط العسكرية وشبكات الطّرق، لن يَغُض المتمرّدون الحوثيون الطرف عنها، وقد تقود إلى عنف محدود، مكانًا وزمانًا، يكونون المبادرين إليه. فيما تجلَّت مخاوف دول الإقليم في الموقف الواضح لإرتريا، التي عدَّت إنشاء القواعد العسكرية في البحر الأحمر تهديدًا للدول المشاطئة، وأنَّ استقراره مرهون بتعاون هذه الدول أولًا، وبدعم المجتمع الدولي الذي ترتبط مصالحه ارتباطًا وثيقًا بهذا المجرى المائي الشديد الحساسية إزاء أي توتر داخلي أو إقليمي.
المراجع
-
- Jon Gambrell, “Amid Houthi threats, a mysterious airstrip appears on Yemeni island”, Defence News, Jan 17, 2025, access 3/11/2025, at: https://shorturl.at/djCzv
- Joseph Trevithick, “Construction of A Large Runway Suddenly Appears on Highly Strategic Island in The Red Sea”, The War Zone (TWZ), 10/3/2021, access 3/11/2025, at: https://bitly.cx/Lha2
- حول جزيرة زقر والجزر اليمنية الأخرى، ينظر: الجزر اليمنية، المركز الوطني للمعلومات، الوصول 16/11/2025، في: https://bitly.cx/AtIRf
- Jon Gambrell, “Mysterious runway built on Yemeni island, likely by anti-Houthi forces”, The Times of Israel, 20/10/2025, access 9/11/2025, at: https://shorturl.at/gx68l
- من المتحف الكبير إلى استقرار القرن الأفريقي.. الرئيس الإريتري يُشيد بالعلاقة الاستراتيجية مع مصر، القاهرة الإخبارية (يوتيوب)، 4/11/2025، الوصول: 12/11/2025، في: https://rb.gy/n4n5le
- “No Force Substitutes the Littoral States of the Red Sea”: President Isaias Afwerki, Ministry of Information, Eritrea, 12/11/2025, access 16/11/2025, at: https://bitly.cx/ha6Ke
- عيدروس الزبيدي: لا مانع من التطبيع مع إسرائيل، سبونتك، 2/2/2021، الوصول 11/11/2025، في: https://bitly.cx/3AZp
- Episode 266 | An Israeli journalist visits Yemen, The Britain Israel Communications and Research Centre (BICOM), 20/10/2025, access 6/11/2025, at: https://bitly.cx/CaQnj.

