تطورات اجتياح الانتقالي لحضرموت والمهرة وسيناريوهات المستقبل الذراع الإماراتي على أبواب السعودية وعمان

مقدمة:

بعد سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على وادي حضرموت- على حدود السعودية، ومحافظة المهرة على حدود عُمان، وظهور الموقف السعودي المتردد بين الصمت قبل الاجتياح والمطالبة بالانسحاب بعد الاجتياح تطرح تساؤلات عدة حول مستقبل الشرق اليمني في ضوء هذه التطورات، ومستقبل العلاقة بين الشرعية والانتقالي، وكذلك العلاقة بين السعودية والانتقالي وداعميه في أبوظبي؟ 

تحاول الدراسة تناول ما شهدته الأيام الأولى من ديسمبر- وما سبقها من تحشيد، مع ما تلاها من أحداث وتداعيات، بغية الوصول إلى إجابات على السؤال الرئيس: ما مستقبل حضرموت والمهرة؟ وما مصير المكونات والمشاريع التي لا زالت تتنازع في حضرموت وعليها؟ 

تمهيد

سيطرت قوات تابعة للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً – بداية ديسمبر الجاري على وادي حضرموت ومحافظة المهرة، بعد مواجهات محدودة مع وحدات عسكرية تتبع المنطقة الأولى وتشكيلات حضرمية تتبع حلف قبائل حضرموت، وبهذه الخطوة يكمل حلفاء أبوظبي سيطرتهم على المحافظات الواقعة جنوب وشرق البلاد، بما فيها المهرة المحاذية لسلطنة عمان ووادي حضرموت الواقع على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

تأتي هذه التطورات بعد سنوات من التصعيد – تخللتها مواجهات عسكرية في بعض المناطق- ضد الحكومة الشرعية، شنتها التشكيلات المسلحة التي أنشأتها الإمارات، وجمعتها فيما بعد تحت مظلة المجلس الانتقالي، ومثّلت مواجهات يناير/ كانون الثاني 2018 الجولة الأولى من الصراع، تبعتها الجولة الثانية في أغسطس/ آب 2019، وأسفرت هذه الأخيرة عن السيطرة التامة للمجلس الانتقالي على عدن، بعدما أحكم السيطرة على الضالع ولحج، حيث توجد المعاقل الرئيسية لغالبية عناصر الانتقالي والتشكيلات المسلحة المرتبطة به.

لاحقاً استغل الانتقالي ضعف الحكومة الشرعية وانحسار الوحدات العسكرية الموالية لها ليقوم بتوسيع نطاق سيطرته صوب محافظتي أبين وشبوة منتصف العام 2023، ليتفرغ بعدها لما بقي تحت سيطرة الحكومة الشرعية في محافظة المهرة ووادي حضرموت (الأجزاء الشمالية من حضرموت بما فيها الصحراء المتاخمة لمحافظتي شبوة ومأرب غرباً والحدود السعودية شمالاً).

ومنذ أكثر من عامين ظلت ماكينة أبوظبي السياسية والإعلامية – من خلال أذرعها المحلية في عدن وساحل حضرموت- تعمل على إسقاط مناطق الشرعية التي لم يعد لها سوى رمزية وجود قيادة المنطقة العسكرية الأولى في سيئون- كبرى مدن وادي حضرموت، والتشكيلات العسكرية التي تتبع المنطقة، وتنتشر في مناطق الصحراء، وفي المنافذ الواقعة ضمن محافظة المهرة على الحدود مع سلطنة عُمان.

 ومع إن حضرموت باتت تتصدر المواجهة منذ تنامى تصعيد الانتقالي منتصف العام 2023، إلا أن هذه التطورات تجعل المنطقة في قلب الحدث، على المستوى المحلي والإقليمي، سيما بين طرفي تحالف دعم الشرعية (الرياض وأبوظبي)، فالثانية لا تخفي نشوة الانتصار، بينما لا تزال الرياض تعمل على احتواء الأمر الذي وصفته الصحافة الغربية بـ”النكسة الكبيرة” للسعودية.

الأهمية الاستراتيجية لمحافظة حضرموت

تمثل مساحة محافظة حضرموت الواقعة جنوب شرق اليمن، 36 % من مساحة اليمن البالغة 555 ألف كم2. ويحدها من الشمال السعودية، ومن الجنوب بحر العرب، ومن الشرق محافظة المهرة، ومن الغرب محافظتا شبوة ومأرب.

تضم محافظة حضرموت 28 مديرية، وتتوزع على قسمين رئيسيين هما الساحل والوادي، وقد سيطر تنظيم القاعدة على مناطق الساحل بما فيها العاصمة المكلا قرابة سنة بين أبريل 2015 وأبريل 2016، ومنذ خروج مسلحي القاعدة بات ساحل حضرموت تحت سيطرة قوات النخبة الحضرمية التي شكلتها دولة الإمارات، بقيادة فرج البحسني، (عضو مجلس القيادة الرئاسي)، فيما ظل وادي حضرموت تحت سيطرة الحكومة الشرعية والمنطقة العسكرية الأولى.

توجد في حضرموت عدة حقول نفطية، تصدّر أكثر من 80% من النفط اليمني، وأهما حقل المسيلة الذي بدأ الإنتاج في العام 1993، كما يقع ضمن نطاق الساحل عدة موانئ، أبرزها ميناء المكلا، وميناء الضبة (الشحر)، الذي يعد أحد خطوط نقل النفط الخام في اليمن، وتوقف العمل منذ أكتوبر/تشرين 2022، جراء تعرضه لهجوم شنه الحوثيون، عندما كانت ناقلة النفط اليونانية “نيسوس” تستعد للرسوّ لتحميل مليوني برميل من النفط الخام من الميناء.

 وتمثل حضرموت للسعودية اهتماما متعدد الأوجه فهي تشترك معها في شريط حدودي يتجاوز (700) كم، بما يقارب نصف الحدود السعودية-اليمنية، فضلًا عن روابط تاريخية وثيقة مع كبريات قبائل المحافظة. كما هاجر عدد كبير من أبناء حضرموت إلى السعودية منذ منتصف القرن الماضي، واستقروا فيها وحصلوا على جنسيتها، مع احتفاظهم بروابط قوية بمناطقهم الأصلية، ومن بينهم عائلات ورجال أعمال يمتلكون استثمارات كبرى.

إلى جانب ذلك، يرتبط الاهتمام السعودي بحضرموت بدوافع جيوسياسية تتصل بموقعها الاستراتيجي وإطلالتها على بحر العرب، بما يتيح للسعودية منفذًا بحريًا مفتوحًا على المحيطات العالمية، ويقلل من مخاطر الاعتماد على المضائق البحرية الحساسة كمضيقي هرمز وباب المندب في أوقات الأزمات.

السباق الإقليمي.. من التنافس إلى الصراع 

في أعقاب الثورة الشعبية التي اندلعت بداية العام 2011، برزت مكونات حضرمية تتبنى مطالب حقوقية وخدمية، كما بدأت تظهر مطالب سياسية تتعلق بضرورة إدارة المحافظة من أبنائها، ومراعاة خصوصيتها الجغرافية والاقتصادية، ومن هذه المكونات “العصبة الحضرمية” التي تشكلت في العام 2011، وترى أن “لحضرموت الحق الكامل في العودة لوضعها وكيانها الطبيعي السابق والمستقل من دون تبعية للشمال أو الجنوب، وأن هذا الحق ثابت وأصيل حتى وإن لم تتم له أي تسوية في المنظور القريب”.

وفي ديسمبر/كانون أول 2013 أعلن حلف قبائل حضرموت، انطلاق “الهبة الشعبية” عقب مقتل الشيخ سعد بن حبريش، زعيم قبيلة الحموم، بالقرب من حاجز أمني، وتبنت قيادة الهبة عدة مطالب منها تسليم قتلة بن حبريش، وانسحاب قوات الأمن والجيش من النقاط الأمنية وتسليمها لقبائل حضرموت، وتحسين الخدمات، وتمكين أبناء المحافظة من إدارة مناطقهم، وتصاعدت مطالب أبناء حضرموت، وصار حلف قبائل حضرموت، ومؤتمر حضرموت الجامع الذي تشكل في أبريل/نيسان 2017، على رأس القوى والمكونات الحضرمية التي تحظى بتأييد واسع.

دعمت أبو ظبي تشكيل المجلس الانتقالي الذي تأسس في مايو/أيار 2017، ويتبنى الدعوة لانفصال جنوب اليمن عن الجمهورية اليمنية التي أعلنت في العام 1990 بعد وحدة شطري اليمن الشمالي والجنوبي، بموجب اتفاق ينهي الشخصية القانونية للشطرين ويدمجهما معا في دولة واحدة معترف بها دوليا، وعلى الرغم من انحدار أغلب منتسبي الانتقالي من محافظتي الضالع ولحج، لكنه ضم في صفوفه أعضاء ومناصرين من بقية محافظات جنوب اليمن وشرقه، سيما محافظة حضرموت، وحاول جاهداً التأثير في الحراك الحضرمي المتصاعد من خلال عناصره من الحضارم، وعندما أخفق الانتقالي في تحقيق اختراق للكتلة الحضرمية الكبرى الرافضة له ممثلة بمؤتمر حضرموت الجامع وحلف القبائل، شرع المجلس في دعم كيانات موازية بأسماء مقاربة، على شاكلة “كتلة حلف وجامع حضرموت”، ولكنها لا تحظى بقبول وتأثير اجتماعي ملموس، ومن خلال هذه الكتلة باشر الانتقالي تصعيد خطابه تجاه حضرموت، خاصة في مهاجمة المنطقة العسكرية الأولى والمطالبة بإخراجها من وادي حضرموت باعتبارها “تابعة لقوات الاحتلال اليمني”، كما تقول بيانات الانتقالي.

في مايو 2023 عقد الانتقالي لقاء موسعاً لعناصره، واحتفى بالمشاركين من حضرموت، سيما بعد صدور بيانات عدة مكونات حضرمية أعلنت رفضها المشاركة في تلك الفعالية، وفي مقدمتها حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع والعصبة الحضرمية والهبة الحضرمية والكتلة النيابية.

بعد انتهاء لقاء عدن الذي قاطعته مكونات حضرموت، قرر الانتقالي عقد اجتماع جمعيته العمومية في المكلا، ليتزامن ذلك الاجتماع مع اجتماع آخر للمكونات والشخصيات الحضرمية المناهضة للانتقالي ومشروعه، وهو اللقاء الذي عرف بـ”لقاء سيئون”، وصدر عنه بيان أعلن أن “حضرموت إقليم مستقل في أي تسوية قادمة، أو أنها ستذهب باتجاه دولة مستقلة عن الشمال والجنوب”.

وبعد سلسلة لقاءات ومشاورات للمكونات المناهضة للانتقالي تم الإعلان في يونيو/حزيران 2023، عن تشكيل “مجلس حضرموت الوطني”، وهو هيئة تضم شخصيات سياسية وقبلية من المحافظة، كجزء من جهود حضرمية وسعودية لاحتواء نفوذ الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه.

التوتر الذي ظل يتصاعد في حضرموت لا يعكس تصادم المشاريع المحلية فقط، بقدر ما يعكس تنافسا متصاعدا على مستوى أوسع بين داعمين إقليميين فاعلين في المشهد السياسي الحضرمي، هما السعودية والإمارات، وبقيت التوترات ضمن نمط مستمر منذ سنوات، بين المكونات التي تدعمها كل من السعودية والإمارات داخل اليمن، كما أنها تعكس في الوقت نفسه التصعيد التدريجي في علاقاتهما الثنائية.

وبحسب تقرير صادر عن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فإن النفوذ الإماراتي بدأ يتحدى السعودية منذ العام 2016، عندما أنشأت قوات النخبة الحضرمية، وسيطرت على ساحل بحر العرب، الذي تعتبره السعودية جزءاً من أمنها القومي، وترى السعودية في حضرموت “منفذا إلى بحر العرب، مما سيُمكنها، في حالة السيطرة على المحافظة، من تنويع طرق تجارتها وتصدير الطاقة، فضلا عن أن المحافظة يمكن أن توفر للمملكة عمقا استراتيجيا من خلال تقليل اعتمادها على مضيق هرمز”.  

وقال التقرير الذي نشر في أبريل/ نيسان الماضي، إن نهج الإمارات تجاه حضرموت يُعد جزءاً لا يتجزأ من سياساتها في جنوب اليمن وأولوياتها الإقليمية الأوسع. وتعتمد هذه السياسات على تشكيل واستغلال التشرذم في مناطق الصراع من خلال الشراكات وشبكات المحسوبية، ومن بين أهداف الإمارات – وفق التقرير- تأمين طرق الطاقة والتجارة البحرية على طول بحر العرب، وبسط القوة البحرية لاستكمال وجودها في عدن والحديدة وتعز وشبوة وسقطرى. 

وتساعد هذه الأهداف في حماية مصالح الإمارات في المحيط الهندي وتسمح بالتحكم في موانئ اليمن، مما يمكنها من تعزيز المكانة الرائدة لميناء جبل علي الإماراتي. بالإضافة إلى طموح الإمارات في بناء نفوذ أكبر في اليمن، على طول الحدود السعودية وعبر خليج عدن، وذلك لتأمين نفوذ يسمح بالتبادل في سياقات إقليمية أخرى.

وعلى الرغم من الأهمية الاقتصادية لحضرموت، باعتبارها أغنى المحافظات اليمنية بالموارد الطبيعية، فإن ثمة وجهة نظر ترى أنه لا يمكن اعتبار احتياطات النفط في اليمن عاملا ذا أهمية اقتصادية مباشرة بالنسبة للسعودية أو الإمارات، ذلك أن تكلفة انخراط البلدين في اليمن – حضرموت على وجه الخصوص، تفوق بكثير أي عائد محتمل من النفط اليمني”.

ويؤكد الدكتور داوود الأنصاري، الخبير في شؤون الطاقة والخليج، ورئيس “مركز مجان”، (مقره مسقط)، أنه لا يتمثل هدف أي من الطرفين في تحقيق الربح من نفط اليمن، لكن النفط يمثل عامل قوة حاسمة ضمن المعادلة الداخلية اليمنية، فالوصول إلى احتياطيات النفط يُعد عاملًا حاسمًا لأي طرف محلي يسعى إلى إعادة الإعمار وكسب الشرعية، ويشير إلى أنه رغم أن السعودية والإمارات “لا تسعيان إلى النفط من أجل مصالحهما الاقتصادية المباشرة، فإن من المرجح أنهما معنيتان بالتحكم في أي طرف محلي يتمكن من الوصول إلى هذه الموارد، لأن ذلك يترجم إلى قدرة على فرض النفوذ السياسي”.

الاحتشاد على الطريقة الإيرانية 

أواخر يوليو/ تموز الماضي تصاعدت الاحتجاجات الشعبية في حضرموت بسبب تردي الأوضاع وانهيار سعر العملة وتراجع الخدمات العامة، ليظهر مطلع أغسطس قيادي عسكري سابق كان يعمل في مكتب علي سالم البيض في بيروت يسمى صالح بن الشيخ أبوبكر، واختصاراً يعرف بـ (أبو علي الحضرمي)، خلال اجتماع عقده لعدد من الشخصيات الاجتماعية في مدينة المكلا، معرفاً نفسه بـ”قائد قوات الدعم الأمني”، ضمن النخبة الحضرمية، وهو تشكيل جديد يتبع دولة الإمارات، وينحدر أغلب عناصره من مناطق الضالع ويافع.

الحضرمي الذي كان على ارتباط مع قيادات إيرانية وحزب الله في لبنان،كان قد اختفى منذ ظهوره في عدن عام 2016، مرشحاً لمنصب مستشار محافظ عدن وقتها عيدروس الزبيدي، وهو القرار الذي رفضته الرئاسة والحكومة بتوجيهات سعودية لارتباط الحضرمي بخلايا إيرانية، واتهامه بالوقوف خلف عملية خطف القنصل السعودي في عدن عام 2012.

ظهر الحضرمي في اجتماع المكلا معلنا التضامن مع مطالب أبناء حضرموت، ومهاجماً حلف قبائل حضرموت الذي يرأسه الشيخ عمرو بن حبريش، وذلك بالتزامن مع تصعيد إعلامي من المجلس الانتقالي ضد المكونات الحضرمية المناهضة للانتقالي، وعلى رأسها حلف القبائل ومؤتمر حضرموت الجامع.

استمرت الاحتجاجات الشعبية، وتواصلت معها بيانات التصعيد من قبل الحضرمي والمجلس الانتقالي، مع تلويح باستخدام القوة في تحقيق أهداف الانتقالي المتمثلة في توسيع سيطرته لتشمل وادي حضرموت، تحت لافتة “تحرير الوادي من القوات الشمالية”. 

 في الشهور الأخيرة من العام الجاري (2025)، كانت التحركات الإماراتية في حضرموت تسير في أكثر من اتجاه صوب الهدف المرسوم من خلال:

  • الاستقطاب وشراء الولاءات: باستهداف الشخصيات والوجاهات الاجتماعية في حضرموت، عبر لقاءات مع أبو علي الحضرمي المعلنة وغير المعلنة، وقد أثمرت عن اكتساب وتحييد بعض الشخصيات لها ارتباط بالمؤتمر الجامع وحلف قبائل حضرموت. 
  • الإعداد والترتيب: تم تدريب بعض عناصر الدعم الأمني في الإمارات، وعادوا ليقوموا بمهمة التدريب لبقية العناصر، ولم يقتصر أمر الإعداد على تشكيل قوات الدعم الأمني التي يقودها أبو علي الحضرمي، بل شمل ذلك عدة وحدات وألوية وتشكيلات عسكرية تتبع الانتقالي، بما فيها وحدات الدعم والإسناد الموجودة في عدن وأبين.    
  • الخطاب السياسي والإعلامي للانتقالي:  من خلال  حملات دعاية تركز في الغالب على ادعاء تحرير وادي حضرموت مما يسميهم “قوات الاحتلال”، مع تحريض مستمر ضد أبناء المحافظات الشمالية سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين، مع بث الشائعات عن انفلات أمني وانتهاكات تمارسها المنطقة العسكرية الأولى، وتضمن ذلك إقامة فعاليات اتسمت بمحدودية المشاركين في سيئون وتريم وبعض مدن الوادي، وإصدار بيانات تدعو لإخراج المنطقة العسكرية، وتطالب بتحرير الوادي من السلطات التابعة للحكومة الشرعية، وكان اعتصام سيئون في 30 نوفمبر- عيد الاستقلال، آخر فعالية تم تنظيمها في هذا السياق. 

زادت وتيرة الإعداد العسكري من قبل الانتقالي في الأيام  الأخيرة من شهر نوفمبر الماضي 2025، عبر نقل عدة ألوية وتشكيلات مسلحة من مناطق انتشارها في الضالع ولحج وعدن وأبين وشبوة نحو حضرموت، فيما تشكلت غرفة لتنسيق العمليات، في مقر القيادة والسيطرة الموجود في مطار الريان بالمكلا، الذي تسيطر عليها قوات إماراتية ، وضمت القيادة ضباطا إماراتيين وصلوا مؤخراً من عدن واستقروا في المكلا، كما تضم قيادة العملية التي أطلق عليها “المستقبل الواعد” عددا من كبار الضباط اليمنيين الموالين لأبوظبي، ومنهم وزير الدفاع الأسبق/ هيثم قاسم طاهر الذي يرأس حالياً اللجنة العسكرية العليا المكلفة من مجلس القيادة بالعمل على توحيد ودمج الوحدات والتشكيلات العسكرية.    

وبحسب مصادر عسكرية فقد حشد الانتقالي قرابة 15 ألف جندي، موزعين على 13 لواء، وعدة تشكيلات عسكرية، بما فيها كتائب المقاومة التي كانت مرابطة في أطراف الضالع لمواجهة الحوثيين، وتم تعزيز هذه القوات بالمعدات الثقيلة والمدفعية ومنظومات الطيران المسيّر وصواريخ مضادة للدروع. 

مما سبق يتجلى تأثير الطريقة الإيرانية في تحركات المجلس الانتقالي- اجتماعيا وسياسيا وعسكريا- وهي ذاتها الطريقة التي طبقتها جماعة الحوثي في العام 2014 عندما أسقطت عمران والعاصمة صنعاء وبقية المحافظات في شمال وغرب اليمن، حيث تزامن العمل العسكري مع تصعيد خطاب المظلومية والمطالبة بالتحرير وتوفير الخدمات، بالإضافة إلى شراء الولاءات واستقطاب المكونات السياسية والمجتمعية تحت لافتات مطلبية تخفي وراءها المرامي السياسية. بالإضافة إلى أن دروس التجربة الإيرانية – بنسختها الحوثية- اقتضت تركيز الحديث عن مواجهة الإرهاب وتطهير المناطق من خطر الإرهاب، وهو ما فعلته الآلة الإعلامية للمجلس الانتقالي، مع العلم أن الناطق الرسمي للانتقالي نفسه كان يعمل مذيعا في فضائية (عدن لايف) التي ظلت إيران تدعمها عدة سنوات، وكان مقرها في بيروت.

المدرعات الإماراتية في حدود السعودية وعُمان

صبيحة الثالث من ديسمبر أفاقت اليمن على واقع جديد في الشرق المستقر منذ عشرات السنين، إذ تمكنت قوات المجلس الانتقالي من السيطرة على وادي حضرموت ومحافظة المهرة، بعد مواجهات محدودة مع أفراد من المنطقة العسكرية الأولى، ليعلن الانتقالي انتصاراً نوعياً تمثل في استكمال السيطرة على محافظات شرق اليمن، بما لها من أهمية استراتيجية، فضلا عن امتلاكها ثروات كبيرة، بالإضافة إلى أن وادي حضرموت يقع على الحدود الجنوبية للسعودية، فيما تقع المهرة على حدود سلطنة عمان، وبحسب صحيفة الجارديان البريطانية فإن سيطرة القوات الموالية للإمارات على ثمان محافظات جنوب وشرق اليمن تعتبر “نكسة كبيرة للسعودية”.

أرسلت السعودية وفداً رفيع المستوى إلى المكلا بعد ساعات من إحكام الانتقالي سيطرته على الوادي وجزء من الصحراء، وفيما كان الوفد السعودي يلتقي مشايخ ووجهاء حضرموت كانت المدرعات الإماراتية تجتاز الصحراء شرقا وشمالا للتأكيد على أن ثمة تغيير هائل في موازين القوة والنفوذ في الشرق قد تم إرساؤه، وهو تغيير يأتي على حساب السعودية وأمنها القومي وحلفائها الذين كانوا يعتقدون أنه لا يمكن لأذرع أبوظبي الاقتراب من الخطوط الحمراء الخاصة بالرياض. 

قابل الوفد السعودي برئاسة اللواء محمد القحطاني رئيس اللجنة الخاصة السعودية، قيادات حضرموت بما فيها المحافظ والمسؤولين والمشايخ والرموز الاجتماعية، وأعلن القحطاني أن موقف المملكة ثابت تجاه اليمن ومحافظة حضرموت، ويتمثل في “فرض التهدئة ودعم الأمن والاستقرار، ورفض أي محاولات لفرض أمر واقع بالقوة أو إدخال المحافظة في دوامة صراعات جديدة”، وخلال لقاء مع شيوخ ووجهاء حضرموت في منطقة العبر جدد القحطاني المطالبة بـ”خروج جميع القوات التابعة للمجلس الانتقالي من محافظتي حضرموت والمهرة وإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها”، مشدداً على رفض أي محاولات تعيق مسار التهدئة.

وكان محافظ حضرموت قد نجح في التوصل لاتفاق تهدئة بين السلطة المحلية من جهة وحلف قبائل حضرموت من جهة ثانية، غير أن اجتياح قوات الانتقالي أجهز على الاتفاق من خلال مهاجمة مناطق سيطرة قوات حماية حضرموت التابعة لحلف القبائل، والاشتباك معها ما أدى لسقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

توالت تداعيات العملية العسكرية في حضرموت والمهرة، حيث غادر رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي عدن وعدد من الوزراء تنديداً بما وصفت بـ”الإجراءات الأحادية للانتقالي”، وظهر الموقف الرسمي للحكومة والرئاسة منسجماً مع الموقف السعودي الذي يرى ضرورة انسحاب قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة، فقد أعرب رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي عن “الرفض المطلق لأي إجراءات أحادية من شأنها تقويض المركز القانوني للدولة، أو الإضرار بالمصلحة العامة، وخلق واقع مواز خارج إطار المرجعيات الوطنية، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة، واتفاق الرياض، وتشديده على أهمية عودة أي قوات مستقدمة من خارج المحافظات الشرقية، إلى ثكناتها”.
وفي لقائه مع سفيرتي فرنسا وبريطانيا والقائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية أشار العليمي إلى أن “التحركات العسكرية الأحادية التي شهدتها المحافظات الشرقية، تمثل تحديا مباشرا لجهود التهدئة، وتهديدا للمكاسب المحققة على صعيد الإصلاحات الاقتصادية واستقرار العملة وانتظام صرف المرتبات، وتحسين الخدمات الأساسية، وفي وقت تبذل فيه الحكومة جهودًا كبيرة بدعم من الأشقاء والأصدقاء لتعزيز الثقة مع مجتمع المانحين، والتخفيف من معاناة المواطنين”.

 وفيما لم يصدر عن وزارة الدفاع أي موقف رسمي تجاه الأحداث، فقد أدانت رئاسة هيئة الأركان العامة ما وصفتها بـ”اعتداءات سافرة ارتكبتها مجاميع تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي”، وأسفرت عن مقتل وجرح عدد من الضباط والجنود في المنطقة العسكرية الأولى، وقال بيان هيئة الأركان إنه “لا يزال عدد من الضباط والأفراد في عداد المفقودين، كما قامت تلك المجاميع المسلحة بتصفية عدد من الجرحى وإعدام المحتجزين، في انتهاك صارخ لكافة القوانين المحلية والدولية”.  

على الصعيد الخارجي، جاءت أغلب المواقف الدولية داعمة لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية اليمنية، ومساندة لجهود التهدئة وخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. وهو ما أكده الاتحاد الأوروبي، عبر بعثته الدبلوماسية وتصريحاته الرسمية، مشددًا على أن استقرار المحافظات الشرقية، وعلى رأسها حضرموت والمهرة، يمثل عنصرًا أساسيًا لأمن اليمن الداخلي وللاستقرار الإقليمي الأوسع، ومحذرًا من أن الإجراءات الأحادية قد تؤدي إلى تعميق الانقسام وفتح باب صراعات داخلية جديدة.

وبدورها أعربت السفارة الأمريكية في اليمن، عن مخاوف مشتركة إزاء التطورات الأخيرة في حضرموت، مؤكدة دعم واشنطن لأي جهود تهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار، مجددة دعم الحكومة المعترف بها دوليًا، ودور مجلس القيادة الرئاسي في تعزيز الأمن والحكم الرشيد، ضمن إطار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة.

من جانبها شددت الصين من خلال حديث القائم بأعمال سفارتها لدى اليمن، شاو تشن، على موقفها الثابت تجاه وحدة اليمن وسيادة الأراضي اليمنية، وقال القائم بأعمال السفير الصيني، شاو تشن، في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة السعودية الرياض، إن بكين تدعم الجهود الدولية وجهود المبعوث الأممي للوصول إلى حل سلمي عبر الحوار السياسي.

إلى ذلك أكدت فرنسا أهمية الحفاظ على وحدة مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة التوترات المتصاعدة في حضرموت. وركزت على ضرورة تعزيز التنسيق السياسي والأمني، ومنع التصعيد، معتبرة أن التشرذم السياسي يمثل خطرًا مباشرًا على الأمن الإقليمي.

وأعربت بريطانيا من خلال تواصل سفارتها مع مسؤولين يمنيين، عن قلقها إزاء التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة، مؤكدة دعمها لمجلس القيادة الرئاسي وأهمية الحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية والسياسية، ورحبت بجهود التهدئة، مؤكدة أن الاقتتال الداخلي بين القوى المناهضة للحوثيين من شأنه إضعاف الجبهة المناوئة للجماعة، وتقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتأخير التعافي الاقتصادي وعرقلة العمل الإنساني.

ميدانياً، شرعت قوات “درع الوطن”* المدعومة سعوديا المتمركزة في مغادرة مواقعها الرئيسية في عدن ولحج والضالع وأبين، متوجهة إلى محافظة حضرموت، استعدادا لإعادة نشرها في أطراف حضرموت بالقرب من الحدود السعودية، وفي محافظة المهرة على الحدود مع سلطنة عمان.

ونشرت الجارديان مؤخراً تقريرا تناول تصعيداً كبيراً في الموقف السعودي تجاه المجلس الانتقالي، أفاد أن قيادة المجلس الانتقالي تلقت تحذيرات مباشرة باحتمالية تعرضه لغارات جوية سعودية إذا لم ينسحب من المواقع التي سيطر عليها في حضرموت والمهرة.

وقالت الصحيفة إن السعودية حشدت نحو 20 ألف جندي (غالبيتهم من قوات “درع الوطن”) في مناطق العبر والوديعة الحدودية، مشيرة إلى أن الرياض أبلغت قيادة الانتقالي بوضوح أن أي رفض للانسحاب قد يواجه بضربات جوية مباشرة.

وتشير مصادر إعلامية ومتابعون إلى أن أبو ظبي في الوقت الراهن اكتفت بتوصيل الرسائل بين السعوديين وقيادة الانتقالي، في محاولة للتبرؤ من الارتباط المباشر والمعروف، مع الإبقاء على خطوط التوجيه والاتصالات في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من احتمال، بينما يواصل نشطاء وبعض المسؤولين الإماراتيين تبني المطالب الانفصالية لجنوب اليمن، ومهاجمة الحكومة الشرعية.

في حضرموت قال الشيخ/ عمرو بن حبريش رئيس حلف قبائل حضرموت، إن “قضية حضرموت أصبحت اليوم حاضرة في المحافل الإقليمية والدولية، وأن تثبيت هذا الحضور يُعد بحد ذاته إنجازاً وطنياً وانتصاراً سياسياً، مشدداً على أن رفع مستوى الوعي الحضرمي ووحدة الصف والتفاف أبناء حضرموت حول مشروعهم الجامع، كفيل بإفشال مخططات الجهات المعادية.

وخلال فعالية نظمها الحلف في 20 ديسمبر (الجاري) الذي يوافق ذكرى انطلاق الهبة الحضرمية، ويتم الاحتفال به سنوياً، أوضح بن حبريش إن النصر لا يتحقق بقوة السلاح وحدها، بل بالتمكين والثبات على الأرض، مشيراً إلى أن الجهات المعادية (الانتقالي)، أخلّت بالاتفاق الموقّع بين الحلف والسلطة المحلية، والذي جرى برعاية الأشقاء في المملكة العربية السعودية، مجدداً التزام الحلف الكامل بالاتفاق.

وحملت الفعالية التي أقيمت في غيل بن يمين، رسالة قوية لأنها مثلت الظهور الأول للحلف وقياداته – وفي مقدمتهم بن حبريش، بعد الاجتياح الذي أدى إلى تقويض سيطرة الحلف في هضبة حضرموت، وفي كلمته نوّه بن حبريش بـ”الدور البطولي لأبناء حضرموت في التضحية والصمود رغم فارق الإمكانيات”، وقال إن “القوات المهاجمة كانت مدعومة عسكريًا من دولة الإمارات، بطائرات ومدرعات وسلاح ثقيل، ولولا ذلك لما تمكنت تلك القوات من التقدم خطوة واحدة”.

وعلى الرغم من محاولات الانتقالي العمل على تطبيع الأوضاع في وادي حضرموت، إلا أن كثيرا من ممارسات عناصره المسلحة – بما فيها جرائم وانتهاكات حقوق الإنسان أظهرت حقيقة مشروعه القائم على تكرار ما يحدث في عدن ونقله إلى مناطق سيطرته الجديدة في حضرموت والمهرة، وهو ما أثار استياء الرأي العام داخليا وخارجيا، سيما لدى أبناء محافظة حضرموت، خاصة وأنهم رأوا في الاجتياح المسلح مقدمة لانتهاكات يومية تطال المواطنين الأبرياء، وتشمل الاعتداء على الجرحى والأسرى ونهب الممتلكات العامة والخاصة، وفي مقدمتها منازل المواطنين من المحافظات الشمالية، ووثقت وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية وناشطون كثيرا من الجرائم والاعتداءات التي ارتكبتها قوات الانتقالي في وادي حضرموت.

ومن جهته وصف القيادي الحضرمي الشيخ صلاح باتيس عضو مجلس الشورى اليمني، تحركات الانتقالي في حضرموت بأنها انتهاك حقيقي للشرعية وتماسك مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً في مقابلة له مع قناة العربية، إلى أن استخدام القوة والاجتياح العسكري يهدد النسيج الاجتماعي في المحافظات الشرقية ويقوض معركة استعادة الدولة.

وكشف باتيس عن عمليات نهب واسعة طالت المعسكرات والمستودعات التابعة للمنطقة العسكرية الأولى، وأن الانتقالي فتح مخازن السلاح أمام مجموعات مسلحة رافقت قواته أثناء الاجتياح لحضرموت، مؤكدا أن النهب لم يقتصر على العتاد العسكري، بل امتد ليشمل كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والسيارات التابعة لإدارة المرور وديوان وزارة الداخلية، وممتلكات خاصة لمواطنين ونازحين ومسؤولين، شملت الذهب والمجوهرات والأثاث المنزلي. 

سيناريوهات الشرق بعد الاجتياح 

بعد قرابة عشرين يوماً على عملية اجتياح حضرموت والمهرة من القوات التابعة للانتقالي، لا يزال المستقبل يكتنفه الغموض، سيما وأن الانتقالي – بدعم وتشجيع إماراتي- يرفض مجرد مناقشة سحب قواته من حضرموت والمهرة، مقابل إصرار سعودي على أن الحل يبدأ في مغادرة القوات التي قدمت من المحافظات الأخرى، ومعه يأتي الموقف الرسمي للحكومة الشرعية – التي يعد الانتقالي جزءاً منها، بحسب اتفاق الرياض الذي وقعه الطرفان – برعاية سعودية – أواخر العام 2019.

السيناريو الأول: مواجهات خاطفة تمهد لاتفاق جديد

بحسب تقرير الغارديان المشار إليه، فإن الصبر السعودي لن يطول، ومن المحتمل توجيه ضربات عسكرية لمعسكرات الانتقالي في حضرموت والمهرة، وقد تكون الضربات محدودة لتأكيد جدية الرياض في الدفاع عن  الحدود السعودية ومجالها الحيوي وتتضمن منفذ الوديعة الذي ظل مؤمّناً فترة طويلة من الزمن، وربما بعد أن يتعرض الانتقالي لعدة ضربات فسوف يعلن الموافقة على خوض حوار جديد لمناقشة مسألة وجود قواته في المناطق الجديدة، وقد تفضي المفاوضات المتوقعة إلى سحب قوات الانتقالي بعيداً عن المناطق الحدودية سواء مع السعودية أو سلطنة عُمان، لكن مع الإبقاء على بعض قواته في بعض مناطق الانتشار الجديدة للحفاظ على شيء من الانتصار أمام أنصاره.     

وفي حال أصر الانتقالي – بدعم إماراتي- على البقاء ومواجهة التداعيات المحتملة فإن المرجح هنا أن تتجه الأمور نحو مزيد من التصعيد، وقد تفتح جبهة مواجهات جديدة يكون طرفاها الانتقالي ودرع الوطن، خاصة إذا استنفدت السعودية مخزونها من الصبر وقررت معالجة الوضع بعمل عسكري ميداني.

السيناريو الثاني: مراوحة بدون إنجاز جديد

يتعزز هذا السيناريو من تجارب مماثلة في السنوات الماضية، حينما كانت قوات الانتقالي تتوسع على حساب الحكومة الشرعية، وتكتفي الأخيرة بانتظار موقف سعودي تجاه تحركات الانتقالي، لكن لا شيء يحدث على الأرض، وقد حدث هذا عقب اقتحام قوات الانتقالي لقصر الرئاسة في المعاشيق بعدن للمرة الأولى أواخر العام 2019، وأعقبها بإكمال السيطرة على عدن ولحج، ثم تبعتهما سقطرى وأبين وشبوة، لذلك فإن بعض مسؤولي الشرعية آثروا الصمت في الوقت الراهن مستحضرين ردود الفعل السعودي تجاه التحركات السابقة في بقية المحافظات.

وبالنسبة للرياض فإن المرجح هنا أن تكتفي بالمحافظة على نطاق جغرافي عازل تجاه حدودها، من خلال نشر قوات درع الوطن فيها لتأمين مجالها الحيوي.

السيناريو الثالث: انسحاب كامل يراكم الضغوط على الانتقالي

بدأت مؤشرات الانسحاب من خلال مغادرة رئيس مجلس القيادة وبقية أعضاء المجلس بالإضافة للوزراء والمسؤولين الذين غادروا عدن في الأيام الماضية، ضمن موقف حكومي معترض على تحركات الانتقالي في حضرموت والمهرة، وبالتزامن معه جاءت تحركات ألوية درع الوطن وانتقالها من مناطق انتشارها في عدن ولحج والضالع وأبين، والتوجه صوب العبر والوديعة على الحدود السعودية.

ولا يقتصر الانسحاب على ذلك، فهناك مؤشرات على توقف – أو تعليق- بعض المساعدات التي كان مقرر تقديمها للحكومة، وتتعلق بتحسين الأوضاع وتسليم الرواتب في عدن وبقية المناطق المحررة، وهذا سيجعل الانتقالي في مواجهة تحديات صعبة سيقف معها عاجزاً، وقد يضطر للبحث – لدى الإمارات أو السعودية – عن تسوية، ولو بتقديم بعض التنازلات، وهي تنازلات تتعلق بدرجة رئيسية بتحركاته الأخيرة في شرق اليمن، وقد تشمل سلطاته في مناطق أخرى. 

خاتمة

سيظل باب الاحتمالات مفتوحا على مصراعيه بعد اجتياح الانتقالي مدعوما من الإمارات لمحافظات شرق اليمن وسعيه لتغيير معالم الجغرافيا والتاريخ والسياسة والعلاقات القديمة المتوارثة، ويمكن أن تتحدد مصائر علاقات الأطراف المتشابكة تبعاً للسيناريو الذي سيفرض على الأرض، والمؤكد أن هذه العلاقات لن تكون بعد الاجتياح كما كانت قبله، سواء علاقات الأطراف اليمنية (الحكومة والانتقالي ومكونات حضرموت وبقية القوى السياسية)، أو علاقات الأطراف والقوى الإقليمية الداعمة في الرياض وأبوظبي وغيرهما.


زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 5 + 4 ؟