جذور النزاع المسلح الراهن في اليمن

 

مقدمة:

يشهد اليمن، منذ أكثر مِن عشر سنوات، نزاعًا مسلحًا، وكثيرًا ما يجري تحليل هذا النزاع بتناول أسبابه وأحداثه المباشرة، بدءًا مِن عام 2014م، وما تلا ذلك مِن تدخلات إقليمية عام 2015م، بينما تكمن جذور النزاع وتمتد عميقًا في التاريخ السياسي والاجتماعي والديني لليمن؛ فالنزاع الراهن ليس منقطعًا عن الماضي، ولا هو وليد انقلاب 2014م، بل هو امتداد لنزاعات تاريخية ارتبطت بالحكم الإمامي، الثيوقراطي، القائم على دعاوى الاصطفاء السلالي، ومزاعم التفوق العرقي، ومواجهة تطلعات اليمنيين لبناء دولة يمنية حديثة. وقد تعمقت جذور هذا النزاع مع سياسات تقويض ثورة 26 سبتمبر 1962م مِن الداخل، وتراكم إخفاقات بناء الدولة في الشمال والجنوب، إضافة إلى فشل إدارة مرحلة ما بعد الوحدة. كما أسهمت تداعيات الربيع العربي وما تلاها مِن أحداث، وما أعقبها مِن تحولات سياسية، في تفجير الأزمة مجددًا، وتعقيد مسارات بناء الدولة اليمنية.

هذه الورقة تهدف إلى تتبع وتحليل جذور النزاع الراهن، والاسهام في فهم خلفياته العميقة.

صراع اليمنيين مع الأئمة الزيديين:

ظلت اليمن جزءًا مِن الدولة الإسلامية الموحدة، طيلة العهد النبوي والخلافة الراشدة، ثم في عهد الدولة الأموية، وشيئًا مِن الدولة العباسية. وكانت اليمن كلها على مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أتى يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، الملقب بـ”الهادي”، فنشر المذهب الزيدي الشيعي في منطقة صعدة، شمالي اليمن الحديث، عام 284هـ، بعد أن قدم إليها بدعوى الإصلاح وفض النزاعات القبلية، وحاز تأييد بعض القبائل، فنصب نفسه إمامًا، وبايعته بعض القبائل، وأسس له كيانًا سياسيًا منفصلًا عن الدولة العباسية. ارتكزت سلطته على نظرية “الإمامة” التي قوامها أن الإمام المستحق للحكم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو علي بن أبي طالب -رضي الله عنه، ثم ولديه مِن بعده، الحسن والحسين، ومن تناسل مِن ذريتهما. هذه النظرية السياسية الثيوقراطية المتطرفة تقوم “على عنصرين أساسيين، الأول: حصر الحكم في ذرية الحسنين، على أنه استحقاق إلهي لهم مِن الله، لا يقوم على اختيار الناس أو رضاهم؛ والثاني: أفضلية هذه الذرية التي يزعمون أن الله اصطفاها وفضلها على العالمين”.

مثَّلت النظرية السياسية الثيوقراطية للأئمَّة الزيديين أوَّل جذور النزاع المسلَّح الراهن في اليمن، وظلَّت جذرًا دائمًا لنزاع اليمنيين التاريخي مع حكم الإمامة، وقد شهد التاريخ اليمني صراعًا طويلًا ودورات مِن الثورات والانتفاضات ضدَّ الحكم الإمامي ؛وهذه النظرية تقوم على عنصرين أساسيِّين، الأوَّل: حصر الحكم في ذرِّية الحسنين، على أنَّه استحقاق إلهي لهم مِن الله، لا يقوم على اختيار الناس أو رضاهم؛ والثاني: أفضليَّة هذه الذرية التي يزعمون أنَّ الله اصطفاها وفضَّلها على العالمين دـ إسماعيل السهيلي

 وعلى صعيد الممارسة السياسية، وتطبيق النظرية، تبنى “الهادي” سياسة تقوم على إثارة الخلافات والانقسامات بين القبائل اليمنية، واستثمارها، على قاعدة “فرق تسد”، حيث كان يُعمق النزاع بين القبائل، ليُنهك الأطراف المتصارعة، ثم يتدخل كـ”مُصلِح” ليكسب ولاءها، ويفرض سلطته عليها. وقد طُبقت هذه السياسة في مناطق عدة شمالي اليمن، في: صعدة وعمران وصنعاء ونجران، حيث عمل على ضرب القبائل ببعضها، كما فعل مع قبائل بني طريف واليعفُريين وبني الحارث وغيرها، واستثمر كل صراع لتعزيز سلطته.

مثلت النظرية السياسية الثيوقراطية للأئمة الزيديين أول جذور النزاع المسلح الراهن في اليمن، وظلت جذرًا دائمًا لنزاع اليمنيين التاريخي مع حكم الإمامة؛ وبحسب المؤرخ اليمني القاضي عبدالله بن عبدالوهاب المجاهد الشماحي فإن أغلب القوى القبلية اليمنية رفضت احتكار الأئمة الزيديين للحكم بناءً على نظرتهم الثيوقراطية، فقبائل وأسر كبيرة في اليمن مِن اليعفريين، وآل الدعام الأرحبيين، وآل الضحاك الحاشديين، وآل أبي الفتوح الخولانيين، وأمثالهم مِن أهل الاجتهاد، كانوا أضدادًا للزيدية. كما جعل هذا التحجر كل القوى اليمنية الفاعلة ضد هذه النظرية العنصرية، كآل حاتم، وآل الغشم، والخطاب وآل زريع، والصليحيين والياميين والهمدانيين.

من المواجهات العسكرية بين قوات الجيش الوطني وجماعة الحوثي (المركز الإعلامي للقوات المسلحة)

وقد شهد التاريخ اليمني صراعًا طويلًا ودورات مِن الثورات والانتفاضات ضد الحكم الإمامي. وفي البدايات المبكرة لنضال اليمنيين ظهر لسان اليمن، الحسن بن أحمد الهمداني البكيلي الأرحبي الصنعاني، المتوفي سنة 356هـ، مُوظفًا قدراته العلمية وصلاته الواسعة مع رجال وشيوخ القبائل وشيوخ العلم والأدباء والشعراء، فدخل في اشتباك ثقافي وفكري وعلمي وأدبي مع حاملي ومروجي نظرية الإمامة، وما تقوم عليه مِن دعاوى التفضيل العرقي ومزاعم الاصطفاء الإلهي. وكان الهمداني بمثابة وكالة الأنباء التي تهتم برصد أي تحركات شعبية ضد الإماميين، يُسجلها ويذكر تفاصيلها، ثم يُعقب بمدح قادتها وتدبيج الأشعار فيهم، ويُشيد بمقاومتهم أو حروبهم.

 

تاريخيا لم يرضخ اليمنيون للهادي وذريته وواجهوه بحروب مستمرة، وضيقوا الخناق على نفوذه في صعدة، ومنعوه مِن التمدد -سوى في فترات محدودة جدا-، وقاموا أوائل القرن الثالث الهجري بإخراج المقاتلين الطبرستانيين مِن اليمن، الذين قدموا مِن فارس للقتال مع “الهادي” ضد القبائل اليمنية. وتعاقبت الانتفاضات والثورات في مختلف أرجاء اليمن. وفي التاريخ الحديث تبرز ثورة أهالي الحجرية في محافظة تعز، أواخر القرن الحادي عشر الهجري، ضد الإمام أحمد بن الحسين، وامتدت شرارة الثورة إلى جبل صبر وخدير، حيث تمكن الثوار مِن السيطرة على مناطق واسعة قبل أن يقمعهم الإمام بقوة، وفي الفترة نفسها، واجهت قبائل يافع حكم الإمام المؤيد الصغير، وتمكنت مِن إلحاق هزيمة قاسية بجيشه، ما جعلها عصية على الغزو لفترة طويلة. وفي منتصف القرن الثالث عشر الهجري، قاد الفقيه سعيد الدنوي ثورة واسعة في محافظة إب، حررت مناطق كثيرة، لكن الخيانة الداخلية أدت إلى اعتقال قائدها وانهيارها. وخلال الحقبة الثانية مِن الحكم العثماني لليمن، شهد اليمن هدوءًا نسبيا حتى عام 1904م، حين قاد يحيى بن محمد حميد الدين تمردًا مسلحًا ضد الدولة العثمانية، وأعلن نفسه إمامًا عقب انسحابها بعيد الحرب العالمية الأولى، مؤسسًا المملكة المتوكلية، والتي حكمت شمال اليمن. وفي عهد الإمام يحيى لم تتوقف ثورات اليمنيين، إذ شهدت مناطق آل حميقان في محافظة البيضاء، بين 1920م و1924م، معارك كبيرة مع جيش الأئمة. أيضًا شهدت مناطق واسعة مِن محافظتي تعز وإب، عام 1928م، محاولة للاستقلال عن سلطته، لكنها كُشفت مبكرًا، وقُمعت بعُنف. وفي تهامة، خاضت قبائل الزرانيق ثورة مسلحة، بين عامي 1925م و1928م، واستمرت ثلاث سنوات قبل أن تنتهي بفعل التفوق العسكري للإمام، وخيانة بعض حلفاء الزرانيق.

في عام 1948م، فجرت الحركة الوطنية ثورة دستورية ضد الإمام يحيى حميد الدين، لكنها أُجهِضت مِن قِبلِ ولي العهد “أحمد”، حيث تآزرت عوامل داخلية وخارجية ضد الثورة ما أدى إلى فشلها بعد 26 يومًا مِن قيامها؛ وقد كان لإعلان الإمام للقبائل المؤيدة له بأن صنعاء مباحة لهم دور مركزي في إفشال الثورة، حيث تعرضت المدينة والمدنيين المسالمين لأبشع عمليات الاستباحة والنهب والسطو المسلح.

وفي عام 1955م، حاول المقدم أحمد بن يحيى الثلايا، قائد الجيش، الإطاحة بالإمام أحمد، مستغلا الخلافات داخل أسرة الإمام، غير أن المحاولة فشلت وانتهت بإعدامه. كما قام ضباط الجيش بمحاولة لاغتيال الإمام أحمد في الحديدة عام 1961م، لكنها باءت بالفشل. وقد شكلت هذه المحاولة آخر مخاضات الغضب الشعبي اليمني التي مهدت مباشرة لاندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م، التي نجحت في القضاء على الحكم الإمامي وإقامة نظام جمهوري.

تقويض ثورة 26 سبتمبر مِن الداخل:

رغم أن ثورة 26 سبتمبر 1962م تمكنت مِن السيطرة على العاصمة صنعاء والمدن الرئيسة، إلا أن الأمر لم يستتب للجمهورية الوليدة، التي جعلت على رأس أهدافها التحرر مِن الاستبداد والاحتلال الأجنبي، وإقامة نظام جمهوري عادل يُنهي الامتيازات الطبقية، فقد تمكن الإمام الجديد محمد “البدر”، والذي تسلم السلطة لأسبوع واحد فقط عقب موت أبيه الإمام أحمد حميد الدين، مِن الفرار مِن قبضة الثوار، وقاد حربًا أهلية استمرت ثمان سنوات (1962م- 1970م)، مدعومة بتدخل إقليمي ودولي؛ إذ دعمت السعودية وبريطانيا والأردن، وغيرهم مِن الدول، قوات البدر. وفي المقابل أرسل الرئيس المصري، جمال عبدالناصر، قوات كبيرة مِن الجيش المصري لمساندة الثوار الجمهوريين. وأصبح النزاع في اليمن نزاعًا إقليميا.

صلب جذور النزاع المسلَّح الراهن في اليمن تكمن في صراع مشروعين: مشروع جمهوري يستند إلى حقِّ الشعب اليمني في اختيار نظامه السياسي ومؤسَّساته الحاكمة، لكنَّه أخفق كثيرًا في تحقيق سلطة الشعب وحقِّه في الحكم، وبناء نظام جمهوري عادل ومستدام، ومشروع إمامي سلالي ظلَّ متحفِّزًا للانقضاض على الجمهورية، تجسِّد جماعة الحوثي التي تمثِّل عودة رجعية متطرِّفة لأفكار الإمامة والعنصرية السلالية، والتي جرى تقويضها ظاهريًّا عام 1962م، لكنَّها ظلَّت تحفر تحت أساسات النظام الجمهوري حتَّى قامت بالانقلاب عليه في 21 سبتمبر 2014م. د- إسماعيل السهيلي

بحلول عام 1970م توقفت الحرب، وانتهت بتسوية سياسية، تقاسم بموجبها الجمهوريون وفلول الملكية السلطة، مقابل الاعتراف بالجمهورية الوليدة كنظام حكم في اليمن.

ساهم انتهاء حكم الإمامة في إعادة ترتيب هرمية السلطة في المجتمع اليمني، وهو ما أدى إلى فقدان الطبقة السياسية الحاكمة مِن الأسر الهاشمية، ومن يرتبط بها مِن أسر وفئات اجتماعية، لامتيازات السلطة والتحكم بالثروة والمكانة الدينية والاجتماعية المرموقة. وقد ولد هذا الفقد على مدى عقود مِن الزمن شعورًا بالاستياء والحنق مِن الجمهورية، والمشاركة الشعبية، ومِن دخول قطاعات كبيرة مِن الشعب اليمني ضمن دائرة السلطة والنفوذ والثروة. وزاد مِن الحنين للماضي بعض الممارسات السلبية لبعض القادة العسكريين الجمهوريين ضد أفراد هاشمين غير معادين وآخرين مناصرين للثورة، وصلت حد القتل، فألقت بظلال مِن المرارة والغضب الكامن في نفوس كثير مِن الأسر الهاشمية ومؤيديها مِن أنصار مشروع الإمامة، فبدأت هذه القوى تؤطر نفسها في تنظيم سري يتربص بالنظام الجمهوري، ويتطلع لاستعادة حكم الإمامة.

إيقاد شعلة ثورة 26 سبتمبر (المركز الإعلامي للقوات المسلحة)

عمل التنظيم السري الهاشمي على تقويض ثورة 26 سبتمبر مِن الداخل، خلال فترة ما بعد 1970م، وحتى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية والسماح دستوريا بالتعددية السياسية والحزبية عام 1990، حيث ظهر “منتدى “الشباب المؤمن “، بشكل رسمي كتنظيم ثقافي وفكري ذي خلفيه شيعية زيدية في بعض مناطق محافظة صعدة . ورغم أن “المنتدى” أعلن عن كونه منتدى ثقافيًا إلا أن قضيته المركزية كانت سياسية بامتياز، خاصة بعد سيطرة حسين بدر الدين الحوثي على “المنتدى” وازاحة أمينه العام الأستاذ محمد سالم عزان، إذ حمل حسين الحوثي على عاتقه مشروع تقويض ثورة 26 سبتمبر والنظام الجمهوري، واستعادة حكم الإمامة التي رأى أنها حق ديني وسياسي خالص لـ”آل البيت”، جرى اغتصابه مِن علي بن أبي طالب بعد وفاة النبي، وتعيين أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة خليفة للمسلمين.

 

تحت تأثير هذه الحالة الوجدانية المأزومة، والتصور العقدي المتطرف، قاد حسين الحوثي حركة تمرد مسلح، تحولت لست جولات مِن الحروب ضد الجيش اليمني، بهدف القضاء على النظام الجمهوري، وأعلن حينها الرئيس الأسبق، علي عبد الله صالح، أن هناك انقلابًا كاملًا على النظام الجمهوري تقوده جماعة الحوثي، وحزبي “الحق” و”اتحاد القوى الشعبية”، ذوي الخلفية السلالية.

هذه الحروب دشنت مرحلة جديدة مِن العنف المسلح في البلاد، وكان للجمهورية الإيرانية دور كبير في تأجيج النزاع بدعمها جماعة الحوثي بالسلاح والتدريب والخبرات العسكرية. وقد شكلت الحروب الست الجذر المباشر للنزاع المسلح الراهن. اندلعت الحرب الأولى في 18 يونيو 2004م، إثر اشتباكات محدودة في صعدة مع الحوثيين، أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود، أعقبها صدور أمر بإلقاء القبض على حسين الحوثي، ما أدى إلى قتال واسع النطاق انتهى في 10 سبتمبر 2004 بمقتله وعدد مِن أنصاره في جبال مران بصعدة. وفي مارس 2005م، انفجرت الحرب الثانية نتيجة تبادل الاتهامات بين الحكومة مِن جهة، وبدر الدين الحوثي وعبدالله الرزامي مِن جهة أخرى، واستمرت حتى مايو 2005م، قبل أن تُعلِن الحكومة تحقيق النصر، إلا أن جذوة الصراع بقيت مشتعلة، لتندلع الحرب الثالثة بين أواخر 2005م ومطلع 2006م، والتي تميزت بانخراط القبائل الموالية للطرفين في النزاع، وبروز عبدالملك ويحيى الحوثي قادة ميدانيين للجماعة، قبل أن يوقف الرئيس علي عبدالله صالح العمليات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2006م. في فبراير 2007م، بدأت الحرب الرابعة التي اتسع نطاقها إلى مديريات خارج صعدة، قبل أن تتدخل الوساطة القطرية لتوقف القتال في 16 يونيو 2007م، وصولًا إلى توقيع “اتفاق الدوحة” في 2 فبراير 2008م، لكن الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ اندلعت الحرب الخامسة بين مارس ويوليو 2008م، بعد أن اتهمت الحكومة الحوثيين بخرق الاتفاق وتنفيذ هجمات واسعة وصلت إلى منطقة بني حشيش شمالي العاصمة صنعاء، وانتهت الحرب بوقف أحادي لإطلاق النار، أعلنه الرئيس “صالح”، في 17 يوليو 2008م. أما الحرب السادسة، وهي الأوسع والأكثر شدة، فقد بدأت في أغسطس 2009م، واستمرت حتى فبراير 2010م، على خلفية اتهام الحوثيين باختطاف مدنيين أجانب؛ وقد وضعت الحكومة ست شروط لوقف القتال، مِنها الانسحاب مِن المديريات التي يسيطرون عليها، وتسليم الأسلحة والمعدات، والكشف عن مصير المختطفين.

ورغم الإعلان رسميا عن إيقاف الحرب في فبراير 2010م، إلا أن العمليات العسكرية استمرت واتسعت رقعتها، ومثلت حلقة أساسية ومركزية في سياسة تقويض ثورة 26 سبتمبر، وتركت آثارًا عميقة في الجيش اليمني نتيجة للطريقة السيئة التي أدارت بها القيادة السياسية الحرب، وكذلك الأجندة الانتقامية مِن ثورة 26 سبتمبر التي جعلت الهدف الثاني مِن أهدافها بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها، وهو ما سيعكسه تفاخر عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد البخيتي، في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، بأن الحوثيين قتلوا أكثر مِن (60) ألف جندي مِن الجيش اليمني، خلال سلسلة الحروب الستة التي خاضتها الجماعة ضد القوات الحكومية، بين عامي 2004م و2010م.

 في التحليل الأخير يمكن القول إن جذور النزاع المسلح الراهن في اليمن تكمن في صراع مشروعين: مشروع جمهوري يستند إلى حق الشعب اليمني في اختيار نظامه السياسي ومؤسساته الحاكمة، لكنه أخفق كثيرًا في تحقيق سلطة الشعب وحقه في الحكم، وبناء نظام جمهوري عادل ومستدام، ومشروع إمامي سلالي ظل متحفزًا للانقضاض على الجمهورية، تجسد جماعة الحوثي التي تمثل عودة رجعية متطرفة لأفكار الإمامة والعنصرية السلالية، والتي جرى تقويضها ظاهريًا عام 1962م، لكنها ظلت تحفر تحت أساسات النظام الجمهوري حتى قامت بالانقلاب عليه في 21 سبتمبر 2014م. 

تراكم إخفاقات بناء الدولة:

مثلت ثورتي 26 سبتمبر 1962م، و14 أكتوبر 1963م، مرحلة فارقة في التاريخ اليمني الحديث، حيث أطاحتا بحكم الإمامة في الشمال والاحتلال البريطاني في الجنوب، غير أن الأحداث التي أعقبت الثورتين حالت دون تحقيق بناء دولة يمنية حديثة.

إنَّ النزاع المسلَّح الذي بلغ ذروته في 21 سبتمبر 2014م، ليس سوى الحلقة الأحدث في سلسلة متواصلة مِن إخفاقات بناء الدولة في شمال اليمن وجنوبه، والتي تراكمت منذ ما بعد ثورتي 26 سبتمبر 1962م و14 أكتوبر 1963م، ثمَّ في الجمهورية اليمنية بعد قيام الوحدة عام 1990م. هذه الإخفاقات المتراكمة على مدى أكثر مِن خمس عقود أنتجت دورات عنف واضطرابات وانهيارًا مؤسَّسيًّا، وجعلت قيام دولة حديثة تحكم بالمؤسَّسات والقانون هدفًا مؤجَّلًا يحلم به اليمنيون ويتطلَّعون إليه. د-إسماعيل السهيلي

ففي شمال اليمن، اندلعت الحرب بين الجمهوريين وفلول الملكيين فور إعلان الثورة، واستنزفت القدرات الوطنية، وأخضعت مسار الجمهورية لتجاذبات إقليمية بين جمهورية مصر العربية الداعمة لمعسكر الجمهورين، والمملكة العربية السعودية الداعمة لمعسكر الملكيين، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب بين المعسكرين الجمهوري والملكي (1962م- 1970م)، وأخرت الحرب عملية بناء مؤسسات الدولة، ورغم انتهاء الحرب بالمصالحة بين المعسكرين، وتقاسم السلطة في ظل الدولة الجديدة “الجمهورية العربية اليمنية”، إلا أن البلاد دخلت مرحلة سياسية مشحونة بالتوتر والتنازع بين مراكز قوى قبلية وعسكرية ومناطقية، وانزلقت في سلسلة مِن الصراعات على السلطة عكست هشاشة بنية مؤسسات الدولة، وغياب منظومة تداول سلمي للسلطة، إذ أُطيح بالرئيس عبدالله السلال في نوفمبر 1967م، ثم بالرئيس عبدالرحمن الإرياني في يونيو 1974م، وفي أكتوبر 1977م اغتيل الرئيس إبراهيم الحمدي، وفي يونيو 1978م اغتيل الرئيس أحمد الغشمي، واتسمت تلك الفترة بتعدد مراكز القوى والنفوذ العسكري والقبلي والمناطقي على حساب بناء مؤسسات الدولة وهياكلها السيادية، ما أدى إلى غياب مشروع وطني جامع وتكريس الانقسامات الاجتماعية والمناطقية، وتعاظم دور مراكز القوى، ومع تولي الرئيس الأسبق، علي عبدالله صالح، الحكم، في يوليو 1978م، شهدت البلاد استقرارًا نسبيا حتى عام 1990م، وتم بناء عدد مهم مِن هياكل الدولة ومؤسساتها، بما كفل نوعًا مِن الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتمكين النظام السياسي مِن الاستمرار في الحكم.

عرض عسكري لوحدات من قوات الجيش الوطني ( المركز الإعلامي للقوات المسلحة)

وأما في جنوب اليمن، انخرط الثوار -بعد جلاء القوات البريطانية عام 1967م- في أجواء منفلتة مِن الفوضى وتصفية رفاق التحرير لبعضهم، وانتهت الصراعات الدامية بين “جبهة التحرير” و”الجبهة القومية” بإعلان تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني عام 1978م، كامتداد لـ”الجبهة القومية”، جامعًا تحت لوائه الفصائل اليسارية والقومية، وتولى الحزب حكم “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” بنظام الحزب الواحد، وركز السلطة بيد القيادة الحزبية، ما أدى إلى تهميش المؤسسات السيادية وتحويلها إلى أذرع سياسية للحزب، وفقًا للنموذج الاشتراكي الماركسي الشمولي، واتسمت فترة حكم الحزب (1978م- 1990م) بتعميق الانقسامات والنزاعات الداخلية للسيطرة على السلطة، وبلغت ذروة هذه النزاعات في يناير 1986م، حيث اقتتل الرفاق فيما بينهم، ما أدى إلى مذبحة كبرى راح ضحيتها، خلال ثلاثة أيام (5) آلاف إنسان، فيما تقول تقديرات أخرى إن الرقم أكبر من ذلك ويتجاوز (13) ألفًا، ونتيجة نزاعات الرفاق ترهلت هياكل الدولة ومؤسساتها وضعفت، وصارت آيلة للسقوط. ولم تفض تجربة حكم الحزب الاشتراكي إلى الإخفاق في بناء الدولة فقط، بل نقل عدن مِن مدينة مزدهرة وأنشط ميناء عالمي ومركز دولي لإعادة التصدير، إلى ميناء منسي، مع انتشار الفقر وطوابير الباحثين عن الخبز، مع اعتماد النظام على مساعدات الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي، وبعض المنح والهبات الدولية. وكان جنوب اليمن عشية الوحدة اليمنية على رأس قائمة الدول الأفقر والأقل نموا في العالم، بفعل فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والهشاشة، والفساد المستشري، وإخفاقات بناء الدولة.

 

مع قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، واندماج شطري اليمن في دولة واحدة، بدا أن هنالك فرصة تاريخية سانحة لبناء دولة موحدة قوية، تحكم بمؤسسات دولة حديثة، خاصة أن الدولة الجديدة اعتمدت التعددية السياسية والحزبية في إطار نظام ديمقراطي تعددي، غير أن غياب الثقة بين النخب الحاكمة -نظامي ما قبل الوحدة-، وسوء إدارة المرحلة الانتقالية، أفضى إلى حرب بين شريكي الحكم عام 1994م، ومع أن الحرب حُسِمت سريعًا لصالح خيار الوحدة، إلا أنها تركت آثارًا عميقة على البلاد، وستمثل لاحقًا جذرًا مُهما للنزاع المسلح الراهن، فعدم معالجة تلك الآثار السلبية للحرب، والتجاوزات والمظالم التي رافقتها، تركا ندوبًا غائرة في الذاكرة والفعل السياسي والاجتماعي لقطاعات واسعة مِن المواطنين في الجنوب؛ ففي عام 2007م شهدت العديد مِن المحافظات الجنوبية تصاعدًا في الاحتجاجات الشعبية، لا سيما مِن قبل الضباط والجنود الجنوبيين السابقين الذين تم إحالتهم للتقاعد بعد الحرب، إذ فقدوا مصادر رزقهم ومكانتهم الاجتماعية، وهم يمثلون فئة واسعة عانت مِن الإقصاء والتهميش الاقتصادي والسياسي، وتركوا دون معالجات وطنية تضمن دمجهم مجددًا في الحياة المدنية، أو تأمين سبل عيش كريمة وملائمة لهم ولأسرهم، بما في ذلك الرواتب والمعاشات التقاعدية. ولاحقا تطور الاحتقان في المحافظات الجنوبية إلى حركة احتجاجية منظمة عُرِفت بـ”الحراك الجنوبي”. وقد أدى تدني قدرة النظام السياسي الحاكم في الاستجابة الملائمة لمطالب تلك الحركة الاحتجاجية في بداياتها إلى تعميق الفجوات السياسية والاجتماعية في الجنوب، وتولدت أزمة شرعية تفاقمت بسبب ضعف مؤسسات الدولة والعدالة التوزيعية؛ ولاحقًا تم النظر لهذا الإخفاق كسياسات إقصائية، وسرعان ما تداخلت الأجندات المحلية والخارجية لتساهما معًا في تحويل المطالب الحقوقية إلى مطالب سياسية بلغت ذروتها مع “المجلس الانتقالي الجنوبي”، والذي يطالب اليوم علانية بإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن.

ورغم أن المشهد العام في اليمن، بعد حرب 1994م، مثل فرصة لبناء دولة مؤسسات إلا أن نظام الرئيس “صالح” تبنى سياسات رسخت الولاءات الشخصية والحزبية على حساب المؤسسات والقانون، وأعاد تشكيل الأجهزة الأمنية والعسكرية بما يخدم تثبيت سلطته.

في ذات السياق، لم تُسهم التعددية الحزبية وحرية الصحافة التي شهدت حراكًا واسعًا، طوال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول مِن الألفية الثانية، في ترسيخ التجربة الديمقراطية والتنمية السياسية وتعزيز بناء الدولة، كما كان مأمولًا، بل ساهمت في تفكيكها، إذ تحولت الأحزاب إلى أدوات للصراع على السلطة، وتغليب الولاءات السياسية الضيقة على المصلحة الوطنية الجامعة، وأصبحت الانتخابات ساحة للصراع الحزبي عوضًا عن كونها وسيلة لترسيخ المؤسسات الوطنية المنتخبة، كذلك استُخدمت الصحافة ووسائل الإعلام بشكل مكثف كمنابر لتقويض الثقة بمؤسسات الدولة التي تُعاني في الأساس مِن الهشاشة، هذا الانقسام الحزبي العميق أضعف مكانة الدولة ومؤسساتها في ضمير الشعب، وعزز الانقسامات السياسية والاجتماعية والمناطقية، وبدلًا مِن أن تكون هذه الأدوات ركائز للاستقرار السياسي والاجتماعي مهدت الطريق لانهيار البنية السياسية والاجتماعية، وأسهمت في إضعاف الدولة ككيان جامع لليمنيين.

كما أدى تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتراجع مؤشرات التنمية، واسـتشراء الفساد المالي والإداري الذي انخرطت فيه فئات عدة مِن مختلف التوجهات السياسية والاجتماعية والمناطقية، إلى خلق بيئة مولدة للاضطرابات والتمردات المسلحة، وهو ماراكم ضعف الدولة ومؤسساتها السيادية، وهياكلها الإدارية، وأفقدها القدرة على تلبية احتياجات المواطنين وضرورات معيشتهم؛ زد على ذلك إخفاق النظام الحاكم والقوى المعارضة في إدارة الصراع على السلطة والثروة في إطار الدستور والقوانين النافذة، وعدم الانزلاق إلى مجالات تعمق فشل الدولة.

وفي التحليل الأخير يمكن القول إن النزاع المسلح الراهن، الذي بلغ ذروته في 21 سبتمبر 2014م، ليس سوى الحلقة الأحدث في سلسلة متواصلة مِن إخفاقات بناء الدولة في شمال اليمن وجنوبه، والتي تراكمت منذ ما بعد ثورتي 26 سبتمبر 1962م و14 أكتوبر 1963م، ثم في الجمهورية اليمنية بعد قيام الوحدة عام 1990م. هذه الإخفاقات المتراكمة على مدى أكثر مِن خمس عقود أنتجت دورات عنف واضطرابات وانهيارًا مؤسسيا، وجعلت قيام دولة حديثة تحكم بالمؤسسات والقانون هدفًا مؤجلًا يحلم به اليمنيون ويتطلعون إليه.

تداعيات ما بعد الربيع العربي:

شهدت اليمن، في فبراير 2011م، احتجاجات شعبية واسعة، مطالبة برحيل النظام الحاكم، رافقها اضطرابات وأعمال عنف، ومواجهات مسلحة محدودة. وانتهت الاحتجاجات بتسوية سياسية في إطار “المبادرة الخليجية” وآليتها التنفيذية، والتي جرى توقيعها في نوفمبر 2011م، في العاصمة السعودية (الرياض)، مِن قبل الرئيس “صالح” وقادة أحزاب المعارضة. وقد هدفت “المبادرة الخليجية” لإزالة عناصر التوتر سياسيا وأمنيا، وترتيب انتقال سلس وآمن للسلطة عبر مرحلة انتقالية، تُنقل فيها السلطة مِن رئيس الجمهورية لنائبه عبد ربه منصور هادي، لتجنيب اليمن الانزلاق للفوضى وانهيار الدولة. وقد أفضت المبادرة وآليتها التنفيذية لإجراء انتخابات رئاسية في فبراير 2012م، انتخب فيها “هادي” ليكون رئيسًا لفترة انتقالية مدتها عامان، وتم تشكيل “حكومة وفاق وطني” مناصفة بين “المؤتمر الشعبي العام” وأحزاب المعارضة.

وظفت جماعة الحوثي عدَّة عوامل في سياق تهيئة الظروف السياسية والعسكرية للانقلاب على النظام الجمهوري، فاستغلّت الاستياء الشعبي من حكومة الوفاق الوطني وعجزها عن معالجة الأوضاع الاقتصادية والأمنية، واستفادت من أجندة الرئيس هادي الساعية لإعادة تشكيل التوازنات عبر ضرب القوى السياسية والقبلية ببعضها، وتحالفت مع الرئيس صالح الذي طمح للعودة للسلطة عبر توظيف الجماعة ضد خصومه، وبمساندة إيرانية وتواطؤ المبعوث الأممي جمال بن عمر، تمكنت من السيطرة على صنعاء في 21 سبتمبر 2014م والتوسع نحو بقية المحافظات. د-إسماعيل السهيلي

في مارس 2013م، عُقِد مؤتمر حوار وطني، نظمته ورعته الأمم المتحدة، عبر مبعوثها لليمن جمال بن عمر، ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورًا مهما فيه. شارك في المؤتمر جماعة الحوثي، وتبنت مقاربة تزاوج بين العمل السياسي في رئاسة المؤتمر وجميع لجانه، والعمل العسكري مِن خلل التوسع مِن معاقلها في محافظة صعدة إلى الاستيلاء بالقوة المسلحة على محافظات ومناطق في محافظة الجوف المجاورة لمحافظة مأرب (التي يوجد بها حقول النفط والغاز)، ومحافظة حجة وسواحلها المطلة على البحر الأحمر، إضافة لمناطق أخرى في محافظة عمران بوابة العاصمة صنعاء. وقبيل انطلاق المؤتمر تصاعدت دعوات القوى السياسية لرفض إشراك جماعة الحوثي في أعمال المؤتمر ما لم تلتزم أولًا بتسليم أسلحتها للدولة، كون المؤتمر ينعقد أساسًا بين أطراف سياسية ومدنية، بينما كانت الجماعة لا تزال تحمل السلاح ومتمردة على الدولة؛ ورغم هذا الرفض الداخلي، مارس السفير الأمريكي لدى اليمن -آنذاك، “جيرالد فايرستاين”، ضغوطًا مباشرة لقبول الحوثيين في الحوار، ليس فقط دون اشتراط نزع سلاحهم، بل مع ضمان احتفاظهم به، كما تجاوز إلى الضغط لمنح الحوثيين حصة كبيرة مِن مقاعد المؤتمر، ما أتاح لهم لاحقًا الظهور بمظهر الكيان السياسي المدني، رغم أنهم مارسوا ميدانيًا التوسع المسلح، فقد استغلت الجماعة هذا الغطاء السياسي لتعزيز نفوذها العسكري.

تزايدت حدة العمليات القتالية لجماعة الحوثي ضد القبائل والجماعات المناوئة لها، دون أن تواجه أي ردع حقيقي مِن الدولة، بل على العكس مِن ذلك، قدم الرئيس “هادي” للجماعة غطاء سياسيا للتهجير القسري لآلاف السلفيين وأسرهم مِن مركز دماج العلمي بصعدة، في يناير 2014م، بعد أن تعرضوا لحصار وقتل وتجويع دام (100) يوم مِن قبل مسلحي جماعة الحوثي.

مِن جهة أخرى، تمكنت جماعة الحوثي مِن توظيف عدة عوامل في سياق تهيئة الظروف السياسية والعسكرية في سبيل تمكنها مِن الحكم، حيث استغلت الاستياء الشعبي مِن “حكومة الوفاق الوطني”، والتي لم تتمكن مِن معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي، والقضايا والمشاكل الأمنية المتفاقمة، كما استغلت الجماعة أجندة الرئيس “هادي” الشخصية الهادفة لصنع توازنات سياسية وعسكرية جديدة رأى أنها تمكنه مِن اللعب على التناقضات وضرب القوى والمكونات السياسية والعسكرية والدينية والقبلية بعضها ببعض لإحكام سيطرته على مقاليد الحكم لأطول فترة ممكنة، كذلك استغلت جماعة الحوثي طموحات الرئيس “صالح”، والذي دخل في تحالف نفعي معها ضد خصومه، حيث كان ما يزال يأمل بالعودة إلى السلطة مِن خلال توظيف الجماعة لاجتثاث القوى السياسية والقبلية والاجتماعية التي ثارت ضد حكمه. وظفت جماعة الحوثي كل هذه العوامل، مع تواطؤ واضح مِن قبل المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بن عمر، وبدعم مِن بعض الدول، خاصة الجمهورية الإيرانية، وسيطرت عسكريا على العاصمة صنعاء، في 21 سبتمبر 2014م، ومِنها انتشروا لاجتياح بقية محافظات ومناطق اليمن. وأصدرت الجماعة لاحقًا إعلانًا دستوريا، وشكلت هيئات ومؤسسات سيادية غير منصوص عليها في الدستور النافذ، مِن ذلك ما أُطلِق عليه “المجلس السياسي الأعلى”، وتعيين رئيس غير شرعي مِن قبل الجماعة، في مخالفة لإرادة الغالبية العظمى مِن اليمنيين.

شكل هذا الانقلاب الجذر المباشر للنزاع المسلح الراهن في اليمن، ومثل نقطة تحول فارقة في واقع اليمن ومستقبله، فعلاوة على أنه أدى لانهيار الدولة ومؤسساتها الدستورية فتح باب التدخل العسكري الخارجي على أوسع أبوابه، إذ توالت تصريحات المسئولين الإيرانيين بشأن أن إيران أصبحت تسيطر على “أربع عواصم عربية”، ومِنها تصريح مندوب طهران في البرلمان الإيراني، “علي رضا زاكاني”، المقرب مِن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، “علي خامنئي”، بأن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد بغداد وبيروت ودمشق، وأن السعودية هي هدفهم القادم. هذه التصريحات سرعت مِن وتيرة استدعاء التدخل الخارجي، فضلًا عن إجراء آلاف المقاتلين الحوثيين في 12مارس 2015م، مناورات عسكرية قرب الحدود السعودية، في منطقة البقع بمحافظة صعدة، شملت مختلف أنواع الأسلحة، بما في ذلك أسلحة ثقيلة استولوا عليها مِن الجيش اليمني. وفي ذات الفترة تقريبًا، شن الحوثيون، مع قوات “صالح” المتحالف معهم، غارات على مقر الرئاسة اليمنية في عدن، وباتت معظم المحافظات الشمالية تحت سيطرتهم. هذا كله أدى إلى قيام الرئيس “هادي” بتقديم طلب إلى دول مجلس تعاون دول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية، للتدخل عسكريا للقضاء على الانقلاب واستعادة الدولة، فأعلنت السعودية عن تشكيل “التحالف العربي”، وإطلاق عملية “عاصفة الحزم” العسكرية، في 26 مارس 2015م.

اليوم، وبعد أكثر مِن عشر سنوات، ما زالت جماعة الحوثي تتطلع للسيطرة على ما تبقى مِن أراضي الجمهورية اليمنية، وترسيخ حكم ثيوقراطي يقوم على أوهام الاصطفاء الإلهي ودعاوى التفوق السلالي، وما زالت الحكومة الشرعية عاجزة عن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، وما زالت محركات وعوامل أخرى تدفع باتجاه استمرار النزاع المسلح، وبين كل هذا تتفاقم الأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع، ويزداد فتكها باليمنيين، حيث تصنف وكالات الأمم المتحدة الوضع في اليمن بأنه أحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

خــاتمـــــة:

تبين أن النزاع المسلح الرهن في اليمن له جذور عميقة، وأنه يمثل حلقة متجددة مِن صراع ممتد بين مشروع جمهوري يتطلع لبناء دولة حديثة عادلة ومؤسسات قوية، ومشروع إمامي سلالي يستند إلى أيديولوجيا دينية متطرفة. وقد أسهمت إخفاقات بناء الدولة منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مرورًا بمرحلة ما بعد الوحدة، وصولًا إلى تداعيات ما بعد الربيع العربي، في تفجير النزاع عسكريا، وإعاقة مسار بناء الدولة الحديثة، ومِن ثم فإن أي معالجة للنزاع الراهن تقتضي فهمًا عميقًا لهذه الجذور، والعمل على إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، وصولًا لعملية ديمقراطية حقيقية يختار فيها اليمنيون حكومتهم (رئاسة، ومجلس نواب، وسلطات محلية) بانتخابات حرة ونزيهة، وبناء دولة عادلة وضامنة لجميع حقوق اليمنيين، تحتكر وحدها حيازة السلاح المتوسط والثقيل، وتكون قادرة على الحفاظ على سيادة اليمن واستقلاله وسلامة أراضيه، وبما يؤسس لسلام واستقرار دائمين في اليمن ومع دول الجوار.

المصادر

  نسبة إلى جبل الرس الذي يقع جنوب غرب المدينة المنورة.

  ثورة اليمنيين الأولى ضد الإمامة منذ 11 قرنا، د. عبدالمجيد الغيلي، موقع حكمة يمانية، في: 27/9/2023م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/0JABX

  مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية.. قراءة سياسية في خمس وثائق حوثية، عبدالله الأمين، مركز المخا للدراسات الإستراتيجية، في: 24/6/2024م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/jOgVrE4J

  ثورة اليمنيين الأولى ضد الإمامة منذ 11 قرنا، د. عبدالمجيد الغيلي، مرجع سابق.

  اليمن الإنسان والحضارة، عبدالله بن عبدالوهاب المجاهد الشماحي، بيروت، منشورات المدينة، ط3، 1985، ص123،متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/VUQUa

  ثورة (48) الدستورية.. حكاية ملحمة زلزلت الإمامة ومهدت الطريق للجمهورية في اليمن، فؤاد مسعد، 26 سبتمبر نت، في: 17/2/2022م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/eEIkN

  الجزيرة نت، برنامج لقاء اليوم، محمد يحيى عزان.. تنظيم الشباب المؤمن باليمن،10/4/2007، متوفر على الرابط: https://2u.pw/2lQAN

وانظر: جذور التيار الحوثي في اليمن في كتاب “الحوثيون في اليمن سلاح الطائفة وولاءات السياسة”، موسى النمراني، مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي- الإمارات العربية المتحدة، ط1/2010: ص16.

ملزمة “ذكرى استشهاد الإمام علي”، حسين بدر الدين الحوثي: ص1

  في حصاد وكالة الأنباء اليمنية سبأ لعام 2005م.. نشاط رئيس الجهورية خلال عام، المركز الوطني للمعلومات- رئاسة الجمهورية اليمنية، في: 26/12/2005م، متوفر على الرابط التالي:

 https://2u.pw/kywPK
https://2u.pw/RuLTh

صالح يوقع في الرياض على المبادرة الخليجية لحل أزمة اليمن، بي. بي. سي. عربي، في: 23/11/2011م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/tLOLx

  بين الموت الثقافي والموت الحقيقي، د. محمد جميح، القدس العربي، في: 15/11/2017م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/K5vKQ

سلفيو اليمن يغادرون دماج تنفيذا للهدنة، سمير حسن، الجزيرة نت، في: 15/1/2014م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/JwJK3

  جمال بن عمر.. من التواطؤ مع الانقلاب إلى مربع التنظير، بلقيس نت، في: 26/5/2021م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/S1W4L

  وزير إيراني سابق: نسيطر على (4) عواصم عربية، العربية نت، في: 2/4/2015م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/FZAnH0

  مناورات عسكرية للحوثيين قرب الحدود السعودية، الجزيرة نت، في: 12/3/2015م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/NdapcuI

 بيان خليجي: تدخلنا لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي، الجزيرة نت، في: 26/3/2015م، متوفر على الرابط التالي:

https://2u.pw/5P78Ols


زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 9 + 1 ؟