ما وراء القتال: كيف تسهم الأيديولوجيا الحوثية في إطالة أمد النزاع المسلح وإعاقة السلام؟

 

 المقدمة

   تتبنى جماعة الحوثي منظومة أيدولوجية متكاملة، لا تسهم فقط في تشكيل هوية الجماعة الداخلية، وتثبيت ولاء أتباعها؛ بل تطيل أمد النزاع المسلح الراهن في اليمن، وتأتي في صلب هذه الأيدولوجيا فكرة الولاية، واختلاق المظلومية، ونظرية الحق الإلهي في الحكم، والتفضيل العرقي، وكذلك أدلجة التعليم والثقافية، واستثارة الروح الوطنية، وأيديولوجيا الجباية واقتصاد الحرب.

فكرة الولاية مشروع سياسي مغلق، فهي ولاية بلا نهاية، ترفض الديمقراطية، ولا تقبل تداول السلطة سلميا بين أبناء الشعب اليمني ، مما يجعل الحرب وسيلة دائمة لحماية هذا الامتياز السلالي.

 

   في هذه الورقة سيتم الاستعانة بمنهج دراسة الحالة، ومنهج التحليل الأيديولوجي- السياسي؛ لتحليل كيف تسهم أيديولوجيا جماعة الحوثي في إطالة أمد النزاع المسلح، وإعاقة فرص تحقيق السلام المستدام، وبناء الدولة في اليمن. 

 ولاية بلا نهاية

 لا شيء يمكن أن يفسر كيف تعمل الإيديولوجيا الحوثية على إطالة أمد النزاع المسلح بصورة دقيقة مثل تشريح فكرة الولاية، والتي تبدو كولاية بلا نهاية؛ هذه الفكرة تضرب بجذورها في عمق التاريخ السياسي والديني اليمني؛ فيحيى بن الحسين الرسي المسمى بالهادي حين قدم اليمن عام 284ه، خاض حروبًا طويلة ضد القبائل اليمنية؛ لتأسيس كيانٍ انفصاليٍ عن الدولة العباسية، ومثلت الولاية الأساس والمرتكز الأيديولوجي لدعوته وحروبه ضد اليمنيين()، أسس يحيى بن الحسين نظريته السياسية على زعم مفاده أن معظم الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعلى رأسهم أبو بكر، وعمر- قد تلاعبوا بالدين وبالبيعة، واغتصبوا الخلافة بغير وجه حق، ومنعوا علي بن أبي طالب من حقه في الإمامة الشرعية التي هي اختيارٌ إلهيٌّ لأولياء الله من آل البيت، وحق حصري خصّ الله به ذريّة النبي من دون بقية الناس().  

  تمثل جماعة الحوثي اليوم تطبيقًا معاصرًا لأيدولوجيا ولاية بلا نهاية، فالوثيقة الثقافية والفكرية الصادرة عنها في 13/2/2012م، تبنت نظرية البطنين التي تقضي بحصر الحكم في ذرِّية الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هو استحقاق قائم على الاصطفاء الإلهي الدائم إلى قيام الساعة()، وانطلاقًا من هذه النظرية يعتقد الحوثيون أن لهم امتيازًا خاصًا وحصريًا؛ لاحتكار الحكم في اليمن، ويرون أن لهم حقًا إلهيًا مغتصبًا بدأ باختيار أبي بكر رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، وانتهى بثورة 26 سبتمبر 1962م، وفي هذا السياق تبنت الجماعة بعد انقلاب 21سبتمبر 2014م، سياسات تقوض أسس الدولة الحديثة، والمواطنة المتساوية، وتهدم مبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخابات، والتنافس الديمقراطي الحر، وجعلت من زعيمها عبد الملك الحوثي قائدًا مختارًا من الله، ويُظهر خطاب الجماعة في فعاليات “يوم الولاية” الذي تنظمه سنويًا أن الحكم والشرعية السياسية في أيدولوجيتها ينهضان على مبدأ الولاية بوصفه امتدادًا لسلسلة دينية ثيوقراطية تبدأ بولاية الله، ثم وصية الرسول المزعومة، مروراً بوصية علي، وينتهيان عند ما يسمونه: أعلام الهدى، والأئمة المعصومين، والمنتجبين، ومن هذا المنظور الأيديولوجي يُقدَّم زعيم الجماعة؛ باعتباره الامتداد الطبيعي المعاصر لهذا الترتيب الإلهي، وصاحب الحق في ولاية الأمر في اليمن، وطاعته تمثل طاعة دينية واجبة، ويُعد رفض ولايته نوعًا من الانحراف عن المسار الإيماني، والاعتراض على المشيئة الإلهية، والمخالفة للهدي النبوي().

   من جهة ثانية عملت الجماعة على تكريس احتكار السلطة، ومواقع القوة والنفوذ، عبر الاستحواذ على المواقع القيادية في مؤسسات الدولة المدنية، والعسكرية، والأمنية، وفي مفاصل الجهاز الإداري للدولة، والسلطات الإدارية المحلية، بواسطة شبكة سلالية من الموثوقين للجماعة،  وبما يضمن حصر عملية صنع القرار السياسي والإداري في اليمن بأيديهم، ويجعل بقية اليمنيين محكومين؛ وليسوا شركاء حقيقيين في الحكم().

اختلاق المظلومية

   تعتمد جماعة الحوثي على سردية تاريخية يعاد إخراجها بوصفها إرثًا إيديولوجيًا قابلًا للتوظيف السياسي في مختلف العصور، تقوم على زعم حصول ظلم واضطهاد لآل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد وفاته، من قبل الصحابة، الذين أظهروا ما كانوا يُضمرونه من ضغائن تجاه آل البيت -وفقًا للسردية الشيعية-، واغتصبوا الحق الإلهي لعلي وذريته في إمامة المسلمين؛ ظلمًا، وجحودًا، وتلاعبًا بالدين، من خلال البيعة والشورى كبديل عن نظرية الاصطفاء الإلهي()

  في الوقت الراهن قامت الجماعة بالتوظيف الأيديولوجي لهذه المظلومية المختلقة بصورة مكثفة، صاغ مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي خطابًا إيديولوجيًا استفزازيًا قدّم واقع الزيدية كـ” حالة ذلة ومسكنة” مدعيًا أن المجتمع الزيدي يعيش حالة من الذل أسوأ من الذلة التي ضربت على بني إسرائيل().

وضفت جماعة الحوثي السردية المزعومة “الاضطهاد التاريخي لآل البيت” لخلق رؤية صراعية حادة منتجة للنزاع المسلح ومحركة له، وتشيع ثقافة الكراهية والأحقاد والانتقام في المجتمع اليمني، وتجعل النزاع المسلح أداة لاحتكار الحكم، وحماية الاستئثار بامتيازات السلطة والثروة، وهو ما يٌضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ترسي سلامًا عادلًا ودائمًا.

 في هذا المناخ المشحون تبنت الجماعة أيديولوجيا “المظلومية التاريخية”، فصورت الزيدية كأقلية مهمشة منذ سقوط الإمامة عام 1962م؛ لإقناع جمهورها المحلي بأنها تخوض معركة مقدسة؛ لاستعادة الحقوق التاريخية المسلوبة، وليس مجرد صراع على السلطة، كما صاغت خطابًا موجهًا للخارج صورت فيه الحروب الست التي خاضتها ضد الجيش اليمني ( 2004 – 2010م)، كصراع بين المستضعَفين والمستكبرين، وهو ما ساعد الجماعة على كسب تعاطف بعض الجهات الدولية؛ التي تدعم الأقليات؛ والأهم من ذلك تأييد ودعم دول كبرى تبنت سياسة تمكين الأقليات في البلدان الإسلامية؛ لتنفذ من خلالها أجندات خاصة بها، وقد ساعد كل ذلك في تعزيز موقع جماعة الحوثي وتسهيل سيطرتها على الدولة اليمنية، وساهم أيضًا في إطالة أمد النزاع المسلح، وتعقيد فرص السلام().

  ورغم تغيّر موازين القوى لصالح الحوثيين فيما بعد انقلاب 21/ سبتمبر/ 2014م، وتحولهم من جماعة متمردة مطاردة إلى جماعة تسيطر على الحكم، وعاصمة الدولة، ومؤسساتها السيادية، وهياكلها، الاقتصادية، والاجتماعية؛ إلاّ أن الجماعة مازالت مستمرة في استثمار خطاب المظلومية، وترسيخ شعور الضحية؛ لإدامة التعبئة والتجنيد، وبناء شعور جماعي يضع المظلومية، والاستضعاف، وواجب الثأر في صلب أيديولوجيتها السياسية، وبما يؤدي إلى إطالة أمد النزاع المسلح، ورفض أي تسوية سياسية لا تمنحهم احتكار الحكم كحق إلهي، والمرتبة الأعلى من امتيازات السلطة، والثروة، والمكانة في المجتمع.  

 في التحليل الأخير يمكن القول: إن استدعاء مزاعم المظلومية يخلق رؤية صراعية حادة منتجة للنزاع المسلح ومحركة له، ويشيع جوًا من ثقافة الكراهية في أوساط المجتمع تقوم على الأحقاد والانتقام؛ ليصبح أشبه ما يكون بالمباراة الصفرية ضد فكرة الدولة الوطنية القائمة على تداول السلطة سلميًا، والمواطنة المتساوية، وحق الشعب في اختيار حكامه، وممثليه، ومؤسساته السياسية المنتخبة، وتجعل النزاع المسلح أداة لاحتكار الحكم، وحماية الاستئثار بامتيازات السلطة والثروة، وهو ما يٌضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ترسي سلامًا عادلًا ودائمًا في اليمن. 

 أدلجة التعليم والتثقيف

 تعتمد جماعة الحوثي سياسة تعبئة ودعاية ممنهجة؛ بغرض إعادة تشكيل الخطاب العام في المجتمع، والسيطرة عليه، وصنع مزاج شعبي مثقل بإيديولوجيا الجماعة.

في التعليم المدرسي أدخلت الجماعة تغييرات عميقة في المناهج الدراسية الحكومية في المدارس الخاضعة لسيطرتها، حملت بعدًا طائفيًا يهدف؛ لتكريس ما تدعيه من الاصطفاء الإلهي والتفضيل العرقي للسلالة، على بقية اليمنيين، وهو ما يعني في النهاية إلغاء لحقوق الإنسان، وتدمير للمواطنة المتساوية، وتهميش للعدالة.

قامت جماعة الحوثي بأدلجة التعليم والتثقيف لصنع جيل من المقاتلين؛ عبر تصوير القتال كجهاد في سبيل الله، وتصوير أعداء الجماعة وخصومها كمنافقين وخونة؛ في إطار مشروع تجنيد مستمر لحروب طويلة؛ تعمق الانقسام داخل المجتمع ، وتعيق إمكانات إنهاء النزاع المسلح، وتؤخر من فرص إرساء سلام حقيقي ومستدام.

  قامت الجماعة بشكل مقلق باستحداث تغييرات في المناهج الدراسية توفر مبررات أيديولوجية طائفية للحرب، وتبيح دماء المخالفين تحت مبررات ذات مدلول طائفي عرقي كاعتبارهم منافقين وخونة، وتشجع الطلبة على الانخراط في الحرب، وتحشيد جيل مشبع بأيديولوجيا القتال من طلاب المدارس، واعتبار حروب الحوثيين جهادًا مقدسًا، وتضحية في سبيل الله()،  كما تم حذف المضامين المتعلقة بالمشاركة السياسية، والديمقراطية، والمجتمع المدني، وحقوق المرأة، من المقررات المدرسية، بالإضافة إلى إضافة مقررات في المناهج الدراسية للمواد الأساسية في المدارس الابتدائية تقدم دروسًا تحتوي مشاهد تعرض أسلحة، وسيناريوهات قتالية، كما يتلقى طلاب المراحل الثانوية تدريبات عسكرية على السلاح، وتلقينًا مكثّفًا أكثر؛ لتحضيرهم للانخراط في أنشطة الجماعة، ويُفرض عليهم كذلك الاستماع إلى دروس مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، كما يُلقي المسؤولون الحوثيون بشكل منتظم محاضرات تعبوية تروج لقتال معارضيهم؛ تحت مسمى الجهاد في سبيل الله()

  من جهة أخرى تولي الجماعة اهتمامًا بالغًا للتنشئة السياسية والثقافية المشبعة بأيديولوجيتها، وتستخدم الجماعة ما تسميه “الدورات الثقافية” كوسيلة تعبئة استراتيجية؛ لإطالة أمد النزاع المسلح، عبر غرس الولاء المطلق لزعيم الجماعة، ولقيمها الطائفية؛ في هذه الدورات يتم التركيز على تفكيك الهوية الوطنية اليمنية الجامعة، واستبدالها بهوية طائفية يسمونها بـــ “الهوية الإيمانية” مستوحاة من ملازم حسين الحوثي التي كتبت باللهجة العامية، وتم تفريغها في ملازم، وأخذت صفة القداسة، واعتمدتها الجماعة كمادة يتم من خلالها تسويغ التجنيد، والتحشيد؛ كواجب ديني، وهو ما يعمق الانقسامات المجتمعية، ويحفز لمزيد من شرعنة الأدوار القتالية للجماعة، ويطيل أمد النزاع المسلح، وهكذا يتحول التثقيف إلى آلية منتجة للتعبئة القتالية المستمرة، والهيمنة السياسية، والاجتماعية()

 إن أدلجة التعليم والتثقيف، لا تعمل فقط على تجنيد جيل جديد من المقاتلين؛ عبر تصوير القتال كجهاد في سبيل الله، وتصوير أعداء الجماعة وخصومها كمنافقين وخونة؛ بل تستهدف ضمان تجنيد مستمر لحروب طويلة؛ تعمق الانقسام داخل المجتمع اليمني، وتعيق إمكانات إنهاء النزاع المسلح، وتؤخر من فرص إرساء سلام حقيقي ومستدام.

 استثارة الروح الوطنية

  من مفارقات جماعة الحوثي أنها في الوقت الذي قوضت النظام الجمهوري بانقلاب مسلح، ومزقت النسيج الاجتماعي؛ بتبنيها دعاوى الاصطفاء الإلهي، والتفضيل العرقي، فإنها توظف ذات الإيديولوجيا؛ لاستثارة الروح الوطنية لليمنيين، في سياق يصور الحوثيين كمدافعين عن السيادة والكرامة الوطنية في مواجهة العدوان الخارجي، سبق للجماعة وأن حققت بعض النجاح في توظيف هذه السردية في مواجهة الدعم الذي قدمه التحالف العربي للحكومة الشرعية، ثم حققت نجاحًا أوسع مدى وأكبر تأثيرا، في توظيف ضرباتها الجوية على مناطق في “إسرائيل”، وسفن تجارية وحربية في البحر الأحمر، وكذلك الضربات الجوية الإسرائيلية، والأمريكية، والبريطانية على اليمن، وسقوط ضحايا مدنيين، وتدمير منشآت، وبنية تحتية مدنية، مثل: موانئ الحديدة، والصليف، ومحطات الكهرباء والطاقة في صنعاء؛ لتجديد سرديتها بخطاب تعبوي أيديولوجي، يضج بمضامين تزاوج بين رمزيات الوطنية، ومقدسات الدين من قبيل: السيادة، والكرامة، والشجاعة اليمنية، ومقاومة العدوان، والجهاد، والواجب، ونصرة المستضعفين.

 هذه المزاوجة سهلت على الجماعة الاستمرار في تجنيد المقاتلين، وجذب وتحشيد شرائح عديدة من المواطنين لا ينتمون تقليديًا إلى بيئتها الأيديولوجية، وتوجيه كل ذلك؛ لترسيخ السيطرة الداخلية، وإطالة أمد النزاع المسلح؛ بحجة مواجهة العدوان الخارجي، وقد كشف التقرير النهائي لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي الصادر في أكتوبر 2024م، عن وجود دلائل على أن جماعة الحوثي تستغل مثل هذه الأحداث؛ لتعميق الانقسامات في اليمن، وإطالة أمد النزاع المسلح، فكل موجة تجنيد جديدة يعقبها اتساع في دائرة القتال؛ لاسيما وأن الجماعة تستثمر موجات التجنيد الجديدة؛ لخلق فارق في موازين القوى بينها وبين الحكومة اليمنية الشرعية، وقد تمكنت تحت مسمى “طوفان الأقصى”، من زيادة عدد مقاتليها من  220,000 مقاتل في عام 2022م قبل الطوفان، إلى نحو 350,000 مقاتل وقت إعداد التقرير().

أيديولوجيا الجباية 

  توسعت جماعة الحوثي في توظيف أيدولوجيتها؛ لخلق اقتصاد حرب، فدشنت تغييرات جوهرية؛ هيكلية، وتشريعية من قبيل: تقنيين ما يسمى بـ (الخُمس)، وإنشاء هيئة للزكاة، واختراع طقوس دينية كأوعية لمزيد من الجبايات، ويبرز “الخُمس” كأخطر الأدوات الاستراتيجية في أيديولوجيا الجباية، ففي عام 2020م، قامت الجماعة باستحداث “تعديلات خطيرة على قانون الزكاة اليمني رقم (2) لعام 1999م، وأدخلت فيه تعديلات تحت مسمّى “اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة “، تم فيها تخصيص امتيازات حصرية لمن وصفوهم بـ”بني هاشم” في إيرادات الدولة؛ تميزهم عن بقية اليمنيين، ومنحت بموجب هذا التعديل لجماعتها الاستيلاء على (20%) من ثروات اليمن، تم النص  على إخراج الخُمس من النفط، والمعادن، والذهب، والأسماك، والثروة الحيوانية ومنتجاتها، والعسل، ومن المحاصيل الزراعية، والأرباح التجارية، والشركات، وغيرها من الإيرادات الخاصة بالمواطنين، وتخصيصها لصالح من ينتمي لتلك الأسرة، وقد سعت الجماعة من خلال ذلك إلى إضفاء شرعية دينية وقانونية على  “الجبايات” التي صارت أحد أهم أدوات اقتصاد الحرب، التي تسهم في توفير موارد مالية مستدامة؛ تعمل على إطالة أمد النزاع المسلح، وتمكّين الجماعة من تحشيد المقاتلين على أساس سلالي()

 من جهة ثانية قامت جماعة الحوثي بإنشاء هيكل جبائي باسم “هيئة الزكاة”، بغرض تحويل الزكاة التي يجمعونها من المواطنين، والتجار، ورجال الأعمال؛ لتمويل المجهود الحربي، مستندين إلى تفسيرهم الأيديولوجي للآية القرآنية المتعلقة بصرف الزكاة في سبيل الله، والذي هو في الحقيقة قتال ضد مسلمين (الجيش اليمني، والحكومة الشرعية)، وقد فرضت الجماعة ضوابط صارمة على التحصيل، وابتكرت نظامًا محاسبيًا موحدًا، وأجبرت التجار، ورجال الأعمال على دفع زكوات سنوات ماضية؛ بأثر رجعي، كما جمعت الزكاة من كل نشاط اقتصادي مهما بدا بسيطًا؛ ابتداء من تربية الماشية إلى العقارات، وبلغت إيرادات الهيئة أكثر من 150 مليار ريال يمني؛ أي ما يزيد على:(630) مليون دولارًا، مع الأخذ بعين الاعتبار الزيادة السنوية لهذا الإيراد بمعدل لا يقل عن 30% خلال الأربع سنوات الأخيرة، وفيما يذهب أقل من 30% من الزكاة لدعم الفقراء؛ فإن المجهود الحربي للجماعة يستأثر بــ 60%، من أموال الزكاة، ويتم تحويل الأموال مباشرة إلى “مصرف سبيل الله”، كما تمول تحركات قادة الجماعة، ومخصصات مقاتليها وأسرهم، وعلاج جرحى جبهات القتال، وهكذا تعمل جماعة الحوثي على التوظيف الأيديولوجي لشعيرة الزكاة كأداة تمويل لوجستي تسهم في السيطرة على الموارد المحلية، وخلق شبكة واسعة من المنتفعين، وتسخير ذلك لإطالة أمد النزاع المسلح()

 وفي ذات السياق طورت الجماعة ما يمكن تسميته بـ “طقوس للجباية”، من خلال تحويل الرموز والمناسبات الدينية الخاصة بها إلى أدوات تحشيد وتمويل، تعمل على إطالة أمد النزاع المسلح؛ حيث استحدثت مناسبات أيديولوجية عدة؛ تحتفي بها على مدار العام مثل: يوم الولاية (عيد الغدير)، وذكرى استشهاد الإمام علي، وذكرى استشهاد الإمام الحسين (عاشوراء)، وذكرى استشهاد الإمام زيد، وذكرى مقتل صالح الصماد، وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، والمولد النبوي، وميلاد فاطمة، وأسبوع الشهيد، وأسبوع الصرخة، وذكرى 21 سبتمبر، ويوم الصمود، وجمعة رجب، ويوم القدس العالمي، وذكرى غزوة بدر، ورأس السنة الهجرية، وذكرى قدوم الإمام الهادي إلى اليمن، هذه المناسبات، وغيرها ليست مجرد طقوس دينية؛ بل مواسم تعبئة سياسية واقتصادية؛ لخلق تدفّق دائم للموارد البشرية والمالية، وتستغل الجماعة هذه المناسبات؛ لفرض جبايات على التجار، ورجال الأعمال، والمواطنين؛ تحت مسميات متعددة مثل: “المجهود الحربي” و”دعم المرابطين”؛ مما يضاعف الأعباء المالية عليهم، ويرافق ذلك ضغوط اجتماعية، ودينية، وتهديدات مباشرة تشمل مصادرة البضائع، وإغلاق المحال، وفرض غرامات وسندات قضائية؛ لإجبارهم على الامتثال؛ ناهيك عما تشكله تلك المناسبات من تأثيرات سلبية على هُوية المجتمع اليمني.

أنشأت جماعة الحوثي منظومة مالية ثلاثية مؤدلجة قوامها: الخُمس، والزكاة، وطقوس الجباية، وخلقت اقتصاد حرب يعمل على إطالة أمد النزاع المسلح، ويتناقض مع دعوات السلام والاستقرار الدائمين، ويقوِّض إمكانيات وجود الدولة العادلة، التي تحتكر وحدها وعبر مؤسساتها الدستورية حق جباية الموارد وتوزيعها.  

وهكذا تحول جماعة الحوثي الطقوس والمناسبات الأيديولوجية إلى مواسم جباية مالية؛ تساهم في تمكينها من تمويل تجنيد الحشود، واللوجستيات الحربية، وإطالة أمد النزاع المسلح()

  في التحليل الأخير يمكن القول: إن هذه المنظومة الثلاثية : القائمة على الخُمس، والزكاة، وطقوس الجباية، قد خلقت اقتصاد حرب يعمل على إطالة أمد النزاع المسلح، وإعاقة السلام.

كما أن هذا الاقتصاد الذي أسسته الجماعة، وتعتمد عليه؛ لتوليد الموارد، يتناقض مع دعوات السلام والاستقرار الدائمين، ويقوِّض إمكانيات وجود الدولة العادلة، التي تحتكر وحدها وعبر مؤسساتها الدستورية حق جباية الموارد وتوزيعها، كما يشكل تهديدًا طائفياً له انعكاساته على التعايش والاندماج المجتمعي في اليمن.

 هل إلى خروج من سبيل؟

  تبيّن كيف تسهم الأيديولوجيا الحوثية المرتكزة على الولاية، والاصطفاء الإلهي، والتفضيل العرقي في إطالة أمد النزاع المسلح، وتزودنا تجارب دول عدة مرت بحروب ونزاعات مشابهة بدرس غاية في النفع، يجب عدم تجاهله، وهو أن أي مشروع وطني يسعى لإنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وتحقيق سلام مستدام، ينبغي أن يقوم على المواطنة المتساوية، والشرعية الشعبية؛ لا على منح سلالة من المواطنين امتياز احتكار الحكم، وإخضاع بقية المواطنين كمحكومين، وفي النزاع المسلح الراهن الممتد في اليمن منذ أكثر من  أحد عشر سنة، والذي أهلك الحرث والنسل، يبدو أن أحد أهم متطلبات الخروج من المأساة اليمنية يستوجب انتهاج مسارين متوازيين:

المسار الأول: التزام أي تسوية سياسية قادمة باتخاذ تدابير تشريعية دستورية وقانونية تُنهي فكرة الولاية، والاصطفاء الإلهي، والتفضيل العرقي، وتُجرّم ادعاء أو ممارسة التمييز بين اليمنيين على أساس سلالي، أو مذهبي، أو مناطقي، وتجرِّم إقامة الأحزاب والجماعات السياسية على أساس طائفي، أو عرقي، أو مناطقي، بالإضافة إلى ضرورة مراجعة المناهج الدراسية، وترشيد الخطاب الديني والثقافي، وإعادة بناء المؤسسات الدينية والتعليمية على أسس وطنية جامعة.

والمسار الثاني: قيام العلماء، والقادة الدينيين الزيديين المعتدلين بمراجعة تاريخية شجاعة لنظرية الولاية، ومزاعم الاصطفاء الإلهي، ووهم التفضيل العرقي، والإقرار بأن الحكم حق للشعب اليمني، بمختلف توجهاته، وانتماءاته، يُتداول عبر الاختيار الحر والديمقراطي؛ كأساس للشرعية والمشروعية، وأن اليمنيين بمختلف أسرهم، ومذاهبهم، ومناطقهم في مرتبة متساوية، ولا تفضيل لأحد على أحد.

   وفي تقديرنا أن تلك التدابير والمراجعات – في حال ما حصلت – ستتفتح المجال واسعًا؛ لإنهاء الحرب، وإعادة لحمة النسيج الاجتماعي اليمني، وتحقيق التنمية الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وجذب الدعم والاستثمار الإقليمي والدولي، وإعادة بناء مؤسسات وهياكل دولة يمنية قانونية حديثة، تحقق السلام والاستقرار الدائمين في اليمن، ومع المنطقة والعالم.


 

زر الذهاب إلى الأعلى