مآلات الاستهداف الإسرائيلي لحكومة الحوثيين

تمهيد:
في 28 أغسطس الماضي (2025م)، نفَّذ الكيان الإسرائيلي سلسلة غارات مكثَّفة على العاصمة اليمنية صنعاء، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي؛ واستهدفت اجتماعًا لحكومة الحوثيين، غير المعترف بها، إلى جانب مواقع عسكرية أخرى، مثل جبل عطَّان ومواقع قرب دار الرئاسة، وقد أسفرت هذه الغارات، التي أَطلَق عليها الكيان الإسرائيلي اسم “قطرة حظ”، عن مقتل رئيس حكومة الحوثيين، أحمد غالب الرهوي، وعدد مِن الوزراء وقيادات جماعة الحوثي، وإصابة آخرين. ويُعدُّ هذا الاستهداف هو الأوَّل مِن نوعه الذي ينفِّذ فيه الكيان الإسرائيلي عملية اغتيال مباشرة لقيادات حوثية.
يهدف تقدير الموقف هذا إلى تحليل أبعاد هذا الحدث، وتقييم تداعياته السياسية والعسكرية والإقليمية، واستشراف السيناريوهات المستقبلية.
السياق العام والدوافع الإسرائيلية:
يأتي هذا التصعيد في سياق الضربات المتبادلة بين الكيان الإسرائيلي وجماعة الحوثي، والتي بدأت منذ هجمات الحوثيين الصاروخية والمسيَّرة في البحر الأحمر، بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزَّة؛ وقد ردَّ الكيان الإسرائيلي بسلسلة غارات على البنى التحتيَّة اليمنية، بدأت في يوليو 2024م، واستهدف مِن خلالها موانئ الحديدة ومطار صنعاء ومحطَّات الكهرباء في صنعاء والحديدة، وعدد مِن المنشآت المدنية، قبل أن تتحوَّل إستراتيجيَّته في أغسطس 2025م إلى استهداف قيادات حوثية، وذلك عقب استخدام الحوثيين في ذات الشهر صاروخًا مِن نوع “فلسطين-2” ضدَّ الكيان الإسرائيلي، وهو صاروخ انشطاري، يُرجَّح أنَّ الحوثيين حصلوا عليه مِن إيران.
إضافة إلى ذلك، فقد شاركت البحرية الإسرائيلية في الهجمات، وللمرَّة الثانية فيما يبدو، وهذا يعني أنَّ البحرية الإسرائيلية صارت حاضرة في البحر الأحمر، وهذا يعدُّ متغيِّرًا جديدًا، حيث لم يتمكَّن الكيان الإسرائيلي منذ نشأته مِن الحضور العسكري المباشر والمعلن في البحر الأحمر، وقد وجد في مواجهة هجمات الحوثيين ذريعة لوجوده، وهذا الأمر يُشكِّل خطرًا كبيرًا على اليمن والأمن القومي العربي.
“التصعيد الإسرائيلي جاء في سياق إقليمي متوتر يتجلّى في الضربات المباشرة لإيران وغزّة، والتهديدات المتكررة بتوسيع الهجمات، وسط تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وضغوط واشنطن على لبنان لنزع سلاح حزب الله، إلى جانب الضربات المستمرة في سوريا”
كما يأتي هذا التصعيد في ظلِّ توتُّرات إقليمية متزايدة، تشمل الضربات الإسرائيلية المباشرة لإيران في يونيو 2025م، والعدوان الإسرائيلي على مدينة غزَّة، والتلويح الإسرائيلي باحتمالية توجيه ضربة جديدة لإيران، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعثِّرة، والضغط الأمريكي لسحب سلاح “حزب الله” اللبناني وتسليمه للحكومة اللبنانية، والضربات الموجَّهة إلى سوريا.
في ظلِّ هذه المعطيات، يسعى الكيان الإسرائيلي مِن خلال هذه الضربات إلى تحقيق عدد مِن الأهداف، على رأسها:
- تحقيق الردع الإستراتيجي: تسعى إسرائيل إلى تحقيق نوع مِن الردع، وذلك بعد ادِّعاء الحوثيين المتكرِّر اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ثمَّ استخدامهم مؤخَّرًا صواريخ انشطارية في ضرب أهداف إسرائيلية.
- الاستمرار في إضعاف ما يُسمَّى “محور المقاومة” التابع لإيران: إذ ينظر الكيان الإسرائيلي إلى الحوثيين باعتبارهم ذراعًا إيرانية نشطة، خاصَّة بعد إضعاف “حزب الله” اللبناني، وتنفيذ هجمات إستراتيجية ضدَّ إيران في يونيو الماضي، وتحت ضغط التخوُّف مِن انتقال الخبرات والمقوِّمات الإيرانية إلى الحوثيين؛ لهذا يسعى الكيان الإسرائيلي إلى قطع الإمداد الإيراني للحوثيين ومحاصرتهم، عبر استهداف الموانئ والمطارات المتكرِّر، وتاليًا استهداف القيادات الحوثية.
- الاستجابة للضغط الداخلي: تواجه إسرائيل ضغوطًا داخلية للردِّ على الهجمات الحوثية التي تستهدف التجارة البحرية والداخل الإسرائيلي، ولهذا سيوظِّف الكيان الإسرائيلي هذه الضربة كإنجاز نوعي وخارق، لإقناع شعبه بجدوى استمرار الحرب وتوسيعها.
تأثيرات الضربة وتداعياتها على الحوثيين:
“مثل الهجوم الإسرائيلي على قيادات الحوثيين في صنعاء أول استهداف مباشر لرموز بارزة، وجاء بعد تخطيط مسبق بمشاركة 14 مقاتلة نفذت نحو 40 ضربة صاروخية، ما يعكس خطورة التصعيد الإسرائيلي”
يعدُّ الهجوم الإسرائيلي على قيادات حكومة الحوثيين بصنعاء أوَّل هجوم مباشر يستهدف قيادات وازنة، ويبدو أنَّ هذا الهجوم كان مخطَّطًا له منذ فترة، حيث شاركت فيه (14) مقاتلة إسرائيلية، ألقت قرابة (40) صاروخًا، وفقًا لبيان الجيش الإسرائيلي، وقد أدَّت هذه الضربات إلى مقتل رئيس حكومة الحوثيين وعدد مِن وزرائهم، على رأسهم:
| م | اسماء القتلى | المنصب الحكومي |
| 1 | أحمد الرهوي | رئيس حكومة الحوثيين |
| 2 | جمال عامر | وزير خارجية الحوثيين |
| 3 | هاشم أحمد شرف الدين | وزير إعلام الحوثيين |
| 4 | مجاهد أحمد عبد الله | وزير العدل وحقوق الإنسان في حكومة الحوثيين |
| 5 | معين المحاقري | وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار في حكومة الحوثيين |
| 6 | رضوان الرباعي | وزير الزراعة والثروة السمكية في حكومة الحوثيين |
| 7 | علي سيف محمد حسن | وزير الكهرباء والطاقة في حكومة الحوثيين |
| 8 | محمَّد علي المولَّد | وزير الشباب والرياضة في حكومة الحوثيين |
| 9 | علي قاسم اليافعي | وزير الثقافة والسياحة في حكومة الحوثيين |
| 10 | سمير باجعالة | وزير الشئون الاجتماعية في حكومة الحوثيين |
كما أصيب في هذه الضربات عدد مِن قادة الجماعة بجروح متفاوتة، ناهيك عن تدمير عدد مِن المباني والمنشآت. وقد كان الارتباك الحوثي بارزًا منذ اللحظة الأولى للضربة، عبر نفي استهداف قيادات بارزة، لكنَّ الجماعة أقرَّت -لاحقًا- بمقتل “الرهوي” ومسئولين آخرين. وقد كان لهذه الضربة تداعيات على الحوثيين، مِن أهمِّها:
- تعدُّ الضربة الإسرائيلية تطوُّرًا خطيرًا في مسار المواجهة بين الكيان الإسرائيلي والحوثيين، حيث لم تكن الجماعة فيما يبدو تتوقَّع استهداف وزرائها، وأغلب احترازاتها الأمنية كانت على القيادات العسكرية والأمنية، حيث مِن الملاحظ غياب الوزراء المعنيين بهذا الملفِّ عن الاجتماع الوزاري، لهذا فإنَّ للضربة تأثيرًا سياسيًّا يوازي -وقد يفوق- تأثيرها العسكري والأمني. كما تكشف الضربة عن تحوُّل ربَّما في السياسة العسكرية الإسرائيلية ضدَّ الحوثيين، مِن استهداف البنى التحتية إلى استهداف القيادات، وهذا مؤشِّر ذو دلالة في مسار التصعيد.
“تمثل الضربة الإسرائيلية تطورًا نوعيًا في المواجهة مع الحوثيين، إذ انتقلت من استهداف البنية التحتية إلى استهداف القيادات، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في نهج إسرائيل”
- الضربة ستعيد حالة الإرباك الحكومي لدى الحوثيين، حيث استمرَّت الجماعة سنة وأكثر وهي ترتُّب لإعلان هذه الحكومة، بعد مفاوضات مع أجنحتها وحلفائها، ثمَّ تتفاجأ مؤخَّرًا أنَّ أغلب وزرائها بين قتيل وجريح، وهذا ما سيدخلها في دوَّامة جديدة مِن المفاوضات مع الأجنحة المتباينة داخل الجماعة ذاتها مِن جهة، ومع حلفائها مِن بقايا الأحزاب السياسية الواقعة تحت هيمنتها في صنعاء مِن جهة أخرى، وخصوصًا المؤتمر الشعبي العام، لضمان التوصُّل إلى اتِّفاقات جديدة بشأن الحكومة، وربَّما قد يصرف الحوثيون النظر عن هؤلاء ، ويتَّجهوا نحو الاستفراد بالسلطة. ولعلَّ مِن المؤشِّرات على هذا التوجُّه الاستهداف الحوثي لمؤتمر صنعاء، وتكليف القيادي الحوثي محمَّد مفتاح للقيام بأعمال الحكومة.
- سيتطلَّب هذا التصعيد الإسرائيلي مِن الحوثيين إعادة النظر في برتوكولها الأمني، والاهتمام بزيادة تأمين قياداتها السياسية والعسكرية والأمنية على السواء، وهذا الأمر سيشكِّل ضغطًا ماليًّا وإداريًّا وأمنيًّا عليهم، خصوصًا أنَّ الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي فيما يظهر كان على مستوى القيادة في هرم الجماعة، وليس مجرَّد توظيف خارجي.
- كانت الجماعة الحوثية في الفترة الماضية تتحرَّك وهي شبه آمنة، وتنشط في جبهات التماس مع الحكومة الشرعية، وتُصعِّد أحيانًا في مأرب وتعز والحدود مع المملكة العربية السعودية، لكنَّها مجبرة هذه المرَّة -فيما يبدو- على تجيير جزء كبير مِن جهدها لترتيب بيتها الداخلي. كما أنَّ الضربات المتكرِّرة لمحطَّات الكهرباء والموانئ والمطارات ستفاقم الأزمة على الشعب اليمني ويزيد من النقمة أكثر على الحوثيين، ما سيضاعف مِن ارتباك الجماعة.
المآلات:
بعد التصعيد الإسرائيلي المباشر ضدَّ الحوثيين، واستهداف عدد مِن قياداتهم، تدخل المواجهة بين الطرفين مرحلة جديدة مِن الصراع، ويمكن إجمال مآلات هذه المواجهة مِن خلال السيناريوهات التالية:
السيناريو الأوَّل: المراوحة: مِن المتوقَّع أن يردَّ الحوثيون بهجمات صاروخية أو مسيَّرة محدودة على أهداف إسرائيلية غير نوعية، لاستعادة جزء مِن هيبتهم، دون استهداف للأعيان البشرية، ما يحافظ على إعادة مسار المواجهة في وضعها الطبيعي. وهذا السيناريو سيكون مرجَّحًا في حال كان هناك تدخُّل إيراني لتجنُّب مسار التصعيد الشامل الذي قد يدخلها في مواجهة جديدة مع الكيان الإسرائيلي.
السيناريو الثاني: التهدئة: يفترض هذا السيناريو العودة للتهدئة بين الطرفين، وهذا السيناريو سيكون ممكنًا في حال التوصُّل إلى حلول لملفَّات الصراع في المنطقة، مثل التوصُّل لوقف الحرب في غزَّة، أو تسليم “حزب الله” سلاحه للحكومة اللبنانية، أو توصُّل إيران إلى تفاهمات مع المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتَّحدة الأمريكية. ويبدو أنَّ هذا السيناريو مستبعد حاليًّا نتيجة التعقيد الذي تواجهه هذه الملفَّات.
السيناريو الثالث: التصعيد: يفترض هذا السيناريو ردًّا حوثيًّا مباشرًا، يُساوي أو يقارب الضربة الإسرائيلية الموجهة للحوثيين، ويستهدف مواقع إسرائيلية حسَّاسة، وذلك حتَّى تستعيد الجماعة جزءًا مِن سمعتها التي حرصت على تصديرها في الفترات الماضية؛ وهذا الردُّ بهذا المستوى إذا تمَّ فإنَّه قد يدفع الكيان الإسرائيلي لمزيد مِن الاغتيالات المباشرة لقيادات حوثية، خصوصًا مع التصريحات الإسرائيلية المتكرِّرة بتوفُّر بنك أهداف عن الحوثيين، ما يعني تفاقم الصراع والذهاب نحو التصعيد المباشر.
الخاتمة:
تمثِّل الغارات الإسرائيلية على حكومة الحوثيين، في 28 أغسطس الماضي، تحوُّلًا إستراتيجيًّا في المواجهة بين الطرفين، الكيان الإسرائيلي وجماعة الحوثي، مِن استهداف البنى التحتيَّة إلى اغتيال القيادات، وهو تصعيد يحمل مخاطر محلِّية وإقليمية كبيرة، خاصَّة في ظلِّ التوتُّرات المتزايدة بين إسرائيل وإيران؛ لهذا مِن المتوقَّع أن يحافظ الحوثيون على مسار الصراع في إطار المراوحة، دون الذهاب إلى تصعيد شامل قد يُخرج الأمور عن السيطرة.
