رواندا من الإبادة الجماعية إلى النهوض مركز المخا للدراسات
رواندا من الإبادة الجماعية إلى النهوض
 
18/02/2022

اختتم أعمال الندوة البحثية الإقليمية حول "البرنامج الرواندي.. التجربة الملهمة" والتي أقامها "مركز المخا للدراسات الاستراتيجية" في مدينة اسطنبول التركية.
وناقش الحاضرون - وهم نخبة من سياسيين وإعلاميين وأكاديميين ورجال أعمال يمنيين وعرب - على مدار يومين متتاليين، تجربة دولة رواندا في الانتقال من مرحلة الإبادة الجماعية التي عصفت بالبلاد صيف 1994، وكيف استطاعت الحكومة بقيادة الرئيس" بول كاغامه" انتشال البلاد من وضع الحرب والإبادة إلى مصاف الدول الأكثر نمواً في العالم.

وتهدف الندوة للاستفادة من التجربة الملهمة في اليمن وشعوب الشرق الأوسط التي عصفت بها أزمات شبيهة في الأعوام الفائتة عقب ثورات الربيع العربي.
وفي الجلسة الختامية التي أدارها الناشط اليمني الأستاذ فؤاد الحميري، تم التطرق إلى مشروع العدالة الانتقالية في رواندا، ودور المسلمين في تجاوز الإبادة، وشواهد النهوض في هذا البلد الصغير والمتعدد الأعراق والديانات والذي يبلغ عدد سكانه حوالي 11 مليون نسمة.
وتحدث في الندوة "هابيمانا صالح"، السفير الرواندي السابق لدى جمهورية مصر العربية، عن ملامح الإبادة الجماعية وتاريخها، ودور المسلمين القادمين من اليمن وعمان في تجاوزها، وكذا سن قوانين تجريم ثقافة الانتقام وإلغاء المصطلحات الإثنية والقبلية في البلاد.

وأشار "هابيمانا" إلى دور المستعمر الألماني والبلجيكي في تغذية الصراعات الداخلية قبل الإبادة، في تشابه واضح للحالة اليمنية، مؤكداً على دور الرئيس "بول كاغامه" في الانتقال وتنشئة المجتمع تنشئة سليمة متجاوزاً تبعات الماضي، حيث كان يخرج للقاتل والمقتول ويعمل على التصالح بينهم أو تحقيق العدالة.
وقامت التجربة على جمع اطفال القتلة وأهالي القتلى جميعا وعمل على تنشئتهم وتأهيلهم من جديد على ثقافة التسامح" حسب توصيف هابيمانا .

وتطرق "هابيمانا" إلى أبرز ما قامت به الدولة بقيادة الرئيس "كاغامه" وفريقه في البلاد، ابتداء من سن قوانين العدالة الانتقالية، والمحاسبة، وحماية المرأة وسن قوانين للعدالة الجندرية، وقوانين النظافة والإتيكيت، والاهتمام بالتخطيط العمراني والهندسي والبنية التحتية، وإعادة إنشاء المدن بطرق حديثة، وتطوير قدرات الجيش والأمن، ونسج العلاقات المتوازنة مع المحيط والعالم، بالتوازي مع الحفاظ على الهوية والتمسك بالأصل والمحيط الأفريقي.
في السياق تحدث، عبد الكريم إيباريزا عن تاريخ الإبادة في رواندا، حيث أشار إلى أن، المجزرة بدأت بعد مقتل الرئيس الرواندي السابق.
وأصدرت الدولة بعد الاغتيال مباشرة حيث قامت الدولة حينها وبعد تحذيرات دولية من وقوع المجزرة بإصدار أوامر بمنع الخروج من المنازل، لكن قبائل الهوتو كانو كانوا مستعدين للقيام بالمجزرة وخرجوا وفي الصباح بدأ الموت.

وأستطرد قائلاً: " أنا الناجي الوحيد من عائلتي، كان القتل من بيت إلى بيت، ولا يفرق بين طفل أو شيخ أو عجوز، وكان العالم كله يرصد هذا الموت، وكانت الناس تلجأ المدارس أو الكنائس ويلاحقهم الموت ولا ينجو إلا من اختبأ تحت الجثث.
ويضيف بأن بعض العائلات أبيدت بالكامل ومن نجى منهم معاق أو كان مشوه ذهنياً أو خلقياً، في كل قطعة أرض في رواندا كانت تتواجد أكثر من عشر جثث، ومن الصعب أن أشرح الأمر لأنكم لم تشاهدوه لكننا شاهدته.

وأشار في معرض حديثه عن بشاعة المجزرة، بأن ما جرى في رواندا لا يمكن وصفه، وما حدث بعدها من مصالحة فقد كانت معجزة، فقد كان كل شخص منا يعرف قاتل أسرته.
كما تطرقت، سناء عوض السفيرة السابقة لجمهورية السودان في تايلاند، في حديثها عن شواهد النهوض الذي حصل في رواندا.
وقالت بأن ما ساعد الدولة في الانتقال هو المصالحة التي شملت أيضاً قانون عدم الانتقام، وتم تطبيق عقوبات صارمة على الخارجين عليه، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.
وأضافت بأنه تم سن قانون أوقف التعامل باللغة الفرنسية ورفع الوصاية الفرنسية على البلاد، وتم تغيير لغة الدولة للغة الإنجليزية، وتم فرض أسلوب حياة جديد، والتوسع في التعليم، والتدريب المهني والحرفي، ودعم المزارعين والحرفيين.

وأكدت أن القضاء على البطالة، وعمل نظام لإدارة الجودة، وسن قوانين للحفاظ على الإتكيت الشخصي والآداب العامة وجودة تقديم الخدمات وإعمال المؤسسات، والحوكمة ورقمنة الخدمات العامة بشكل كامل؛ ساهم في عمل نقلة نوعية في البلاد الذي نحرتها الصراعات على مدى عقود.
ونوهت إلى المرأة كان لها دورا كبيرا في عملية الانتقال بنسبة تصل إلى 55٪ نساء، و35٪ من الحكومة نساء، وين قوانين فصل الدين عن الدولة، والتي كان لها الفضل في قوة الدولة وإذابة الفوارق الاجتماعية والقبلية.

وحول الاستفادة من التجربة أشار الباحث اليمني الدكتور عبد الله التميمي، إلى أن ما حدث في رواندا يمثل معجزة، ونظرية جديدة يجب أن نستفيد منها.
وأشار إلى أن تجارب الشعوب مشتركات إنسانية، والإنسان هو المهم وبإمكانه صناعة الفرق مؤكداً على ضرورة قيام الباحثين ومراكز الدراسات اليمنية بعمل دراسة للتحول في رواندا والاستفادة منه، والحذر التدخل الأجنبي لدعم الاقليات الذي يزرع الفرقة بين الشعوب، ولقرب ما حدث بأفريقيا بشكل عام بما حدث في اليمن.

واستطرد قائلا: من خلال زيارتي لرواندا، ما لاحظته هو الثقة واحترام المعتقدات لدى الشعب، التنظيم والترتيب والدقة والأمن، والنظافة والرياضة والإتيكيت، حيث تعتبر كيغالي أنظف مدن أفريقيا حسب تصنيف الأمم المتحدة، كما تعتبر بلد مفتوحة اقتصاديا على العالم، وهناك جدية في مكافحة الفساد.
ويضيف، إن رواندا بلد قائم على الضرائب بحيث لا توجد ثروات، ومع ذلك نهضت وتناست الماضي بعزيمة الشعب والقيادة وعلى اليمنيين الاستفادة من هذه التجربة الفريدة لتجاوز هذا الصراع".

واختتمت الندوة بنقاش واسع من المشاركين عن كيفية الاستفادة من التجربة الرواندية في الصراع اليمني، والبحث عن صيغة جديدة لتحقيق السلام في اليمن بالاستفادة من التجارب الملهمة في رواندا والعالم.

وتأتي الندوة ضمن سلسلة من البرامج التي يقيمها "مركز المخا للدراسات الاستراتيجية" بالاستفادة من الخبرات العالمية، والتي تسهم في بلورة رؤية للسلام والتنمية، وتحقيق العدالة الانتقالية المنشودة في اليمن.