ازدواجية المواقف
حين تصبح المدرعة قضية.. وتصمت الحناجر أمام صواريخ الحوثي!

ما الذي يجعل حادثة دهس مقاتلين حوثيين بمدرعة في باب المندب تتصدر المشهد، وتستحوذ على اهتمام بعض الأصوات والمنابر، وكأن الضحايا كانوا مدنيين لا مقاتلين في ميدان المواجهة؟ وفي المقابل، لماذا تمرّ الصواريخ الباليستية التي تطلقها مليشيا الحوثي الإرهابية، وما تخلفه من قتلى وجرحى في صفوف المجندين، وسط صمت يثير التساؤلات ويكشف حجم التناقض في المواقف؟
أين المتباكون بالأمس على حادثة المدرعة؟
وأين تلك الأصوات التي ارتفعت مطالبة بالمحاسبة!!، حين تتحدث الأخبار اليوم عن عشرات الشهداء ومئات الجرحى جراء صواريخ الحوثي؟
هل أصبحت المواقف الإنسانية تُقاس بهوية الضحايا وانتماءاتهم، أم أن هناك من قرر أن بعض الدماء تستحق الغضب والتضامن، فيما لا تستحق دماء أخرى سوى خبر عابر لا يلبث أن يختفي من واجهة الاهتمام؟
لسنا هنا بصدد التقليل من خطورة أي تجاوز، ولا تبرير أي تصرف غير مشروع، فكل حادثة يجب أن تُقيَّم وفق وقائعها وملابساتها، بعيداً عن التوظيف السياسي والإعلامي.
لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين تُقدَّم الوقائع بصورة مجتزأة، وتُمنح الأحداث توصيفات تخدم موقفاً مسبقاً، بدلاً من الاحتكام إلى الحقيقة.
ففي حادثة المدرعة، جرى تصوير الموقف وكأن سائقها كان مطالباً بالتوقف والنزول وتقديم الورود لمقاتلين في ميدان المواجهة لمجرد أنهم أظهروا رغبة في الاستسلام، مع أن الحكم على ما جرى لا يكون بالشعارات ولا بالانطباعات، وإنما بالتحقق من تفاصيل الحادثة، وظروف الاشتباك، وما إذا كان الاستسلام قد أُعلن بوضوح وأمكن إدراكه.
فالاستسلام، متى تحقق بوضوح، يترتب عليه التزام بحماية من يستسلم، ولا يجوز استهدافه لمجرد أنه كان مقاتلاً. وفي المقابل، لا يجوز أيضاً اختلاق رواية عن الاستسلام أو افتراضها دون دليل. الحقيقة لا تحتاج إلى تحريف، والعدالة لا تُبنى على الانتقائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تتحول حادثة واحدة إلى قضية رأي عام، وتُسخَّر لها الأقلام والمنابر، بينما تتراجع مآسٍ أكبر في حصيلة ضحاياها عن واجهة الاهتمام؟
في معسكر العلم التدريبي بمحافظة شبوة، خلّف الهجوم الصاروخي، وفق الإحصاءات الأولية التي أعلنتها السلطات المحلية، عشرات الشهداء ومئات الجرحى.
شبابٌ غادروا منازلهم، يحملون آمالهم وأحلام أسرهم، فمنهم من كان يستعد لمستقبل ينتظره، ومنهم من كان يؤدي واجبه، فإذا بهم يواجهون الموت والإصابة في لحظات، وتجد عائلاتهم نفسها أمام فاجعة لا تستطيع الكلمات وصفها.
هناك أمهات ينتظرن عودة أبنائهن، وآباء يبحثون عن أخبارهم بين قوائم الضحايا، وأسر تقف أمام أبواب المستشفيات مترقبةً خبراً يطمئنها، وأخرى تستقبل أبناءها جثامين بعد أن كانت تنتظر عودتهم أحياء.
أمام هذه الفاجعة، أين حملات التضامن الواسعة؟ وأين الأصوات التي لا تتردد في تحويل الحوادث إلى عناوين كبرى؟ وأين الغضب الذي رأيناه بالأمس؟ أم أن الصواريخ حين يطلقها الحوثي تصبح أقل إثارة للاهتمام، وأن دماء المجندين لا تستحق القدر ذاته من الحزن والمطالبة بالمحاسبة؟
إن جوهر القضية ليس المفاضلة بين ضحية وأخرى، ولا المطالبة بالصمت أمام حادثة المدرعة، بل رفض أن تتحول حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية، تُرفع حين تخدم موقفاً سياسياً، وتُهمَل حين يكون الضحايا من الطرف الذي لا يحظى بالتعاطف نفسه.
إذا كانت حياة الإنسان مقدسة، فإن قدسيتها لا تتغير بتغير هويته، ولا تسقط بسبب موقعه، ولا تتجزأ وفقاً للجهة التي ينتمي إليها.
ومن يدين التجاوزات مطالب بأن يدينها جميعاً، ومن يطالب بالعدالة مطالب بألا يجعلها حكراً على فئة دون أخرى.
أما أن تتحول حادثة إلى قضية كبرى، فيما تمر مجزرة بهذا الحجم من الخسائر الإنسانية دون الاهتمام نفسه، فذلك لا يعكس انتصاراً للقيم، بل يطرح سؤالاً جدياً عن صدقية الخطاب الذي يرفعها.
إن المواقف الأخلاقية الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت في حادثة، ولا بعدد المنشورات والتعليقات، بل بمدى الثبات على المبدأ حين تتغير هوية الضحية، وحين لا تكون إدانة الجريمة مريحة للموقف السياسي أو الإعلامي.
لسنا بحاجة إلى مزيد من المزايدات، بل إلى ميزان واحد للعدالة، وإلى خطاب لا ينتقي ضحاياه، وإلى إعلام يضع الحقيقة فوق الحسابات، ويمنح المآسي حقها من الاهتمام دون تمييز.
فالدم اليمني واحد، والوجع اليمني واحد، والعدالة التي تتجزأ وفق الهوية ليست عدالة، والحزن الذي ينتقي ضحاياه ليس موقفاً إنسانياً كاملاً.
وحين تصبح المدرعة قضية، وتصمت الحناجر أمام صواريخ الحوثي الارهابية، فإن السؤال لم يعد عن حادثة بعينها، بل عن أخلاق المواقف التي تدّعي الدفاع عن الإنسان، ثم تصمت حين يكون الإنسان الذي سقط لا يناسب روايتها.
عبدالرحمن البسيسي
20/أكتوبر 2026

