البُنّ في البيضاء بلسم الصباح ومفتاح صلح بين الناس

 

 

 

هناك ارتباط وثيق بين البُنّ وأبناء البيضاء، ارتباط يتجاوز حدود الزراعة والتجارة والكيف، حيث إن البُنّ يُعدّ جزءًا من الهوية والوجدان البيضاني، فهنا لا يتم شرب القهوة لمجرد الاستمتاع أو الكيف، بل إن البُنّ في البيضاء حالة عشق وتقديس يومي، تجعل البيضاء، ومن دون مبالغة، من أكثر المجتمعات تقديرًا لهذه الشجرة المباركة وصانعي ثقافتها الاستثنائية.

 

تبدأ علاقة البيضاني مع البُنّ منذ الصباح، حيث إن أول ما يتم تناوله صباحًا هو القهوة، وذلك لارتباط مزاج الصباح ببقية اليوم، ولا ينتهي الأمر عند فنجان أو اثنين صباحًا، بل أيضًا يتم تناولها في وقت الضحى، وكذلك بعد وجبة الغداء وفي العصر. وللقهوة في البيضاء حكاية تتلاشى معها خصوصية المكان، يلتقي الناس والأهل على شرب القهوة لا في مكان بعينه؛ فالمكان الذي يُعدّ القهوة بشكل حاذق في الغالب هو من سيحدد مكان اللقاء… القهوة تشي بالمكان! وتتبدل ملامح الوقت ويترهل، ويتخذ الحديث أشكالًا متحفظة إن لم تكن القهوة كما يجب، حيث إن القهوة السيئة المذاق علامة على عدم الترحيب بالضيف… القهوة تشي بنية صانعها!

 

ولأن البُنّ طقس متكامل، ففي البيضاء تفنن الناس في ابتكار أشكال وأنواع متعددة من القهوة، ولكل وقت من اليوم نكهته الخاصة وطريقة إعداده؛ فهناك قهوة فرص، وهي القهوة الصافية، والقهوة بالحبوب، وهي مزيج من البُنّ مع بعض الحبوب مثل الذرة والبر الجيد. وهناك القهوة بالمكسرات، وهي من باب ترف الضيافة والجلسات العائلية، حيث تُزين القهوة بأجود المكسرات والتوابل. وكذلك القهوة بالتمر…

 

ولعل أبلغ دليل على هذا العشق المتجذر، مثلًا، أن جدتي والدة جدي ربما كان يمر عليها الأسبوع دون أن تشرب الماء، حيث كانت تكتفي بشرب القهوة… وأجمل ما في ثقافة البُنّ في البيضاء هو قيمته المعنوية والاجتماعية الراسخة التي يحترمها الجميع ويقدسها، فالبُنّ هنا ليس مجرد واجب ضيافة، بل هو لغة قائمة بحد ذاتها لتبادل الودّ وقضاء الحوائج، وإصلاح ذات البين وحل المشاكل، وتتجلى هذه القيمة في عادات اجتماعية أصيلة توارثتها الأجيال، مثل صلة الرحم والتهادي، حيث يُعدّ البُنّ الهدية الأثمن والأكثر تقديرًا التي تُتبادَل في المناسبات السعيدة وبين ذوي القربى، تعبيرًا عن المحبة والتقدير العالي.

 

وإضافة إلى ذلك، قضاء الحوائج بين الناس؛ فإذا كانت لشخص حاجة أو طلب عند آخر، يحمل معه كأس بُنّ ويقصد بيته، وأمام جاه البُنّ وقيمته لا يملك المضيف إلا أن يرحب بضيفه ويقضي حاجته، حشمة وتقديرًا للبُنّ ومن قصده. وكذلك إصلاح ذات البين وإنهاء النزاعات، حيث إن البُنّ أداة فاعلة للسلام والإصلاح، حيث يتم أخذ البُنّ والتوجه إلى المتنازعين طالبًا الصلح والتسامح بينهم، وحينها تذوب الخلافات وينزل الجميع عند هذا الطلب، تقديسًا لمكانة البُنّ وتطييبًا للخواطر…

 

وهكذا يتم احترام وتقديس البُنّ، وتبقى البيضاء حارسة لسر البُنّ وعشقه الحقيقي، فما بين فنجان الصباح المداوي وحمل البُنّ المصلح بين المتخاصمين، تتشكل ثقافة إنسانية واجتماعية فريدة، تؤكد أن البُنّ في اليمن ليس مجرد محصول زراعي، بل هو صانع للسلام، وركيزة للمجتمع، ونبض حياة لا يتوقف…

زر الذهاب إلى الأعلى