لماذا يزعج الطيران اليمني الحوثيين؟

لم يكن دخول الطيران الحربي اليمني في المعركة الجارية مجرد إضافة عسكرية إلى القوات التي تقاتل على الأرض، بل مثّل تحولاً سياسياً ومعنوياً مهماً. فالمعركة بالنسبة للحوثيين لم تكن يوماً معركة سلاح فقط، وإنما معركة رواية أيضاً؛ ومنذ بداية الحرب حرصت الجماعة على تقديم نفسها بوصفها طرفاً يمنياً يواجه دولة خارجية، لا ميليشيا مسلحة انقلبت على الدولة واستولت على مؤسساتها بقوة السلاح.

لهذا يبدو إصرار الخطاب الحوثي على تسمية الطيران الذي دخل المعركة بـ«الطيران السعودي» مفهوماً. فالاعتراف بأنه طيران يمني، يقوده طيارون يمنيون ويعمل تحت قيادة القوات المسلحة اليمنية، يهدم ركناً أساسياً من الرواية التي بنت عليها الجماعة خطابها طوال السنوات الماضية.

في الثامن من سبتمبر، قال المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع إن ما سماه «الطيران الحربي السعودي» نفذ 121 غارة على خمس محافظات يمنية، وزعم أن الطائرات انطلقت من قاعدتي الملك خالد والملك فهد الجويتين. وفي اليوم نفسه تحدثت قناة المسيرة عن غارات شنها «العدوان السعودي» على الوازعية في تعز والجوبة في مأرب. كما وصف سريع الطائرات المسيّرة التي قالت جماعته إنها أسقطتها في الجوف والبيضاء بأنها «طائرات سعودية».

هذا التكرار ليس خطأً في التوصيف، بل حاجة سياسية لدى الحوثيين. فالجماعة تريد إبقاء السعودية في واجهة المشهد، لأنها لا تستطيع تسويق حربها بالطريقة نفسها إذا أصبح الطرف المقابل جيشاً يمنياً وطائرات يمنية وطيارين يمنيين. وهي تدرك أن انتقال مركز العمليات من تحالف يدعم الحكومة إلى دولة تستخدم مؤسساتها العسكرية يسحب منها جانباً كبيراً من خطاب المظلومية الذي خاطبت به الرأي العام الخارجي.

طوال السنوات الماضية، سعت الجماعة إلى تصوير الصراع باعتباره حرباً تشنها دولة كبيرة على جماعة محلية، ثم أضافت إليه بعداً طائفياً، مدعية أن السعودية تستهدف مكوناً مذهبياً بعينه. أما الحقيقة التي تحاول هذه الرواية إخفاءها فهي أن الصراع بدأ بانقلاب مسلح على الدولة، وإسقاط مؤسساتها، واجتياح المحافظات، والاستيلاء على معسكرات الجيش ومخازن السلاح، ثم استخدام هذه القدرات ضد اليمنيين.

عندما تنفذ القوات الجوية اليمنية عملياتها ضد مواقع الحوثيين، تعود المعركة إلى تعريفها الحقيقي: دولة تواجه جماعة مسلحة استولت على عاصمتها، وهاجمت مدنها، وحاصرت مواطنيها، وهجّرت الأسر، وعطلت التعليم، وجندت الأطفال، وحولت موارد الدولة إلى وقود لمشروعها العسكري. ليست المسألة مواجهة بين السعودية وطائفة يمنية، بل مواجهة بين حق اليمنيين في استعادة دولتهم وبين جماعة ترى أن السلاح يمنحها حقاً دائماً في حكمهم.

وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى أن الحوثيين هم من بدأوا الجولة الحالية. فقد شنوا هجمات متزامنة على مواقع القوات الحكومية في غرب تعز وجنوب الحديدة، واستخدموا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في محاولة للتقدم نحو المخا والمناطق القريبة من باب المندب. وبذلك لم تبدأ الدولة هذه المعركة، وإنما تحركت لصد هجوم مسلح يهدد أراضيها وأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

هذه الحقيقة تمنح التحرك الحكومي موقفاً سياسياً وقانونياً واضحاً؛ فالدولة اليمنية المعترف بها دولياً تمارس حقها في استخدام مؤسساتها العسكرية لاستعادة سلطتها وحماية أراضيها ومواطنيها وإنهاء تمرد مسلح يهدد أمن اليمن والمنطقة.

دخول الطيران اليمني يخفف كذلك من الأعباء السياسية التي ظلت تتحملها السعودية بسبب وجودها في واجهة الحرب. فعندما تكون القيادة والقرار والتنفيذ يمنية، تصبح المعركة قراراً وطنياً ومسؤولية يمنية، بينما تنتقل السعودية إلى موقع الدولة الداعمة للحكومة الشرعية، بدلاً من بقائها الطرف الذي تُنسب إليه كل عملية تقع داخل اليمن.

لقد أكد نائب قائد القوات الجوية اليمنية اللواء عبد العزيز المحيا أن أطقماً هندسية وطيارين وفنيين يمنيين نجحوا في إعادة تأهيل عدد من المقاتلات وتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وهذه ليست مسألة فنية صغيرة، بل ثمرة بقاء جزء مهم من كوادر المؤسسة العسكرية على ولائه للدولة والجمهورية، ورفضه العمل داخل التشكيلات التي أنشأها الحوثيون بعد انقلابهم.

وما يظهر اليوم ليس سلاحاً غريباً عن اليمن، بل قدرة يمنية أُعيد بناؤها بعد سنوات من التشتت. وجود هذا الغطاء الجوي يمنح القوات الميدانية قدرة أكبر على تعطيل تعزيزات الحوثيين، والحد من تحركاتهم، وإسناد الجبهات، وتوحيد الجهد العسكري في تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف.

لكن القيمة الأبعد من ذلك أن الدولة بدأت تمارس إحدى أهم وظائفها السيادية. وعودة الطيران الحربي اليمني تعني أن الشرعية تراكم الأوراق والأدوات التي تمنح وجودها مضموناً عملياً على الأرض.

من هنا يمكن فهم انزعاج الحوثيين من عبارة «الطيران اليمني». المسألة ليست خلافاً لغوياً، وإنما صراع على هوية طرفي الحرب. الحوثيون يريدون إقناع العالم بأنهم يقاتلون السعودية، بينما تكشف المعركة أنهم يقاتلون جيشاً يمنياً يعمل على استعادة أرض يمنية هاجمتها جماعة مرتبطة بمشروع خارجي.

ولعل أكثر ما يزعج الحوثيين اليوم ليس صوت المقاتلات في السماء، بل الحقيقة التي يحملها هذا الصوت: أن اليمنيين الذين انقلبت عليهم الجماعة يعيدون بناء دولتهم، وأن المعركة لم تعد قابلة للاختباء طويلاً خلف اسم السعودية.

مشير الصبري

باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
زر الذهاب إلى الأعلى