ندوة: اليمن في ظل التطورات الإقليمية والدولية

عقد مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، ومؤسسة Thinkin Forward ندوة موسعة بعنوان «اليمن في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة»، شارك فيها نخبة من الباحثين والخبراء من داخل اليمن وخارجه، من بينهم الدكتور إسماعيل السهيلي أستاذ علوم سياسية وباحث أول في مركز المخا، والخبير البريطاني السيد أوليفر ماكتيرنان أوليفر رئيس مؤسسة Forward Thinking ، والدكتور أحمد رمضان المدير العام لمركز لندن للاستراتيجيات الإعلامية، والأستاذ عاتق جار الله الباحث والمحلل السياسي ورئيس مركز المخا، إضافة إلى السيدة سيسيلي بايليس مديرة برنامج WFS ، والسيدة آنا بيلي مورلي مسؤولة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة Forward Thinking ، والسيد جوردان مورغان مدير برنامج في مؤسسة Forward Thinking.
وتناولت الندوة جذور النزاع اليمني ومحركاته، وآليات الصراع وتحولاته الإقليمية، ودور المرأة في عملية السلام، كما تطرقت إلى صورة اليمن في الإعلام الغربي، وانتهت إلى مناقشة سيناريوهات المستقبل.
وافتتح الدكتور السهيلي الندوة بورقة عرض خلالها مسارات وسياقات تاريخية ومعاصرة تسلط الضوء على جذور النزاع في اليمن، وأوضح أن جذر الأزمة يعود إلى سيطرة الأئمة على الحكم عبر ادعائهم الاصطفاء والاختيار الإلهي لهم للحكم، وليس عن طريق إرادة الشعب اليمني وحرية اختياره، وما رافق ذلك من صراعات متعاقبة خلال فترات طويلة من التاريخ اليمني.
وبين كيف أن جماعة الحوثي تمكنت مِن توظيف عدَّة عوامل داخلية إلى جانب الدعم الإيراني مكنتها مِن تنفيذ انقلاب 21 سبتمبر 2014 واجتياح العاصمة صنعاء وبقية محافظات ومناطق اليمن : استغلَّت الاستياء الشعبي مِن “حكومة الوفاق الوطني”، والتي لم تتمكَّن مِن معالجة الوضع الاقتصادي والمعيشي والأمني، واستغلَّت أجندة الرئيس “هادي” الشخصية الهادفة لصنع توازنات سياسية وعسكرية جديدة رأى أنَّها تمكِّنه مِن اللعب على التناقضات وضرب القوى والمكوِّنات السياسية والعسكرية والدينية والقبلية بعضها ببعض لإحكام سيطرته على مقاليد الحكم، كذلك استغلَّت الجماعة طموحات الرئيس “صالح”، والذي دخل في تحالف نفعي معها ضدَّ خصومه، حيث كان ما يزال يأمل بالعودة إلى السلطة.
ورأى أنه ما تزال هنالك محركات عدة تدفع لاستمرار النزاع مثل: سياسات السيطرة والتحكم الحوثية، وضعف الشرعية وتناقض مكوناتها شركاء متشاكسون، والتدخل الإيراني التخريبي، والتنافس بين السعودية والإمارات، وتراخي المجتمع الدولي، بالإضافة إلى التنافس والصراع الإقليمي والدولي للهيمنة على الموقع الاستراتيجي لليمن.
وبين أن السلام في اليمن ليس فقط مصلحة وطنية يمنية، بل فرصة لتحقيق استقرار إقليمي ودولي. وذلك عبر استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها الدستورية، وصولًا لعملية ديمقراطية حقيقية يختار فيها اليمنيون حكومتهم، وبناء دولة عادلة وضامنة لجميع حقوق اليمنيين وتكون قادرة على الحفاظ على سيادة اليمن واستقلاله وسلامة أراضيه، وبما يؤسِّس لسلام واستقرار دائمين في اليمن ومع دول الجوار
أما الخبير البريطاني أوليفر ماكتيرنان، فقدّم تحليلًا معمّقًا لآليات الصراع في اليمن والإقليم. وتحدث عن ديناميكيات الولاء والتمويل والتجنيد، وعن آليات القيادة والربط العملياتي، وكيف تغيرت خريطة التهديدات مع تزايد التدخلات الخارجية. ولفت إلى أن فلسفة “السلام عبر القوة” قد تفرض حالة ردع وقتية، لكنها لا تنتج سوى سلام هشّ يقوم على إخضاع المستضعفين، وأن المطلوب هو سلام حقيقي يقوم على العدالة والقانون والحوار، كما أثبتت تجارب جنوب إفريقيا وإيرلندا.
وانتقد إسرائيل لعدم التزامها بالقانون الدولي، مشيرًا إلى أن أيديولوجيتها تستفيد من إبقاء الصراع حيًا، خاصة بدعم من الإدارة الأمريكية.
وفي محور التحولات الإقليمية والدولية، قدّم الدكتور أحمد رمضان، قراءة واسعة لصراعات العالم وتأثيراتها على اليمن.
وأوضح أن المشهد الدولي اليوم محكوم بثلاثة صراعات متوازية: الأول بين روسيا والغرب ويظهر في أوكرانيا، والثاني بين الصين والولايات المتحدة وتستفيد منه روسيا، أما الثالث فهو بين أوروبا والولايات المتحدة، وهو الأخطر لأنه يتعلق بطبيعة النظام الدولي ذاته.
ورأى أن هذه الصراعات تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط وتنعكس مباشرة على اليمن.
وأشار إلى أن اليمن يتمتع بموقع مفتاحي على صعيد التجارة الدولية والطاقة والاتصالات والربط الكهربائي، لكنه يظل خارج هذه الفرص بسبب غياب الاستقرار.
ودعا إلى الانتقال من دولة النزاع إلى دولة الشراكة باعتبارها الصيغة الوحيدة القادرة على استيعاب طبيعة المجتمع اليمني المتعدد، محذرًا من أن أسلوب التسلط يطيل أمد الحرب إلى ما لا نهاية.
ومن جانبه، تناول الأستاذ عاتق جار الله، مستقبل اليمن في ضوء التطورات الأخيرة. وأوضح أن الملف اليمني انتقل من كونه أزمة داخلية إلى ساحة إقليمية ثم إلى ملف دولي مع دخول أطراف كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. ورأى أن الحوثيين يواجهون أزمة اقتصادية وشعبية، لكن الشرعية بدورها ضعفت ولم تستثمر نقاط ضعف خصمها، وإن كانت قد استفادت من بعض المواقف الأوروبية والأمريكية.
وطرح ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الصراع، منها تدخل إسرائيلي مباشر يضعف الحوثيين دون حسم، أو تغييرات في بنية الشرعية يعقبها تصعيد عسكري بدعم إقليمي وهو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، أو استمرار حالة الاستنزاف القائمة.
وفي مداخلة ركزت على البعد المجتمعي، تحدثت سيسيلي بايليس، عن وضع المرأة اليمنية ودورها في عملية السلام.
وأكدت أن النساء يتحملن العبء الأكبر من تداعيات الحرب، خاصة في الجانب الصحي والاحتياجات الأساسية، وأنهن يعانين بصورة مضاعفة بسبب انهيار الخدمات العامة.
وتطرقت إلى أزمة المياه باعتبارها تحديًا رئيسيًا يواجه المجتمع اليمني، ورأت أن على دول الخليج المساهمة في تمويل احتياجات اليمن من المياه، بينما يمكن للدول الأوروبية الاستثمار في مشاريع مستدامة لتطوير إدارة الموارد. وأكدت أن تعزيز مشاركة المرأة في القرار السياسي والاعتراف بها كشريك فاعل يعد ركيزة لا غنى عنها لتحقيق سلام عادل ومستدام.
كما قدّمت آنا بيلي مورلي، ورقة عن صورة اليمن في وسائل الإعلام الغربية. وأوضحت أن الإعلام الغربي اختزل اليمن في كونه ميدان حرب وصراع بالوكالة بين السعودية وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران، مغيّبًا البعد الإنساني ومعاناة الشعب. وأشارت إلى أن اليمن ظل غير مرئي للرأي العام الدولي واصبح قضية منسية، إذ تغيب السرديات اليمنية التي تنقل أصوات الناس العاديين وتعكس معاناتهم اليومية.
واعتبرت أن هذا التغييب يجعل الأزمة أكثر سوءًا، داعية إلى إفساح المجال للروايات المحلية وتمكين اليمنيين من سرد قصصهم للعالم بعيدًا عن السرديات الجيوسياسية الضيقة.
أما جوردان مورغان، فقد ركز على مسألة القيادة في أوقات الصراع. وقال إن اليمن لم يعد يتصدر أجندة المجتمع الدولي في ظل تعدد الأزمات الأخرى بالمنطقة مثل غزة، مشددًا على أن عقد ندوات وحوارات من هذا النوع يعيد لليمن حضوره في أولويات العالم. ورأى أن أخطر ما يواجه اليمن هو محاولة تأطير النزاع في قالب ديني أو أيديولوجي، ما يعمق الانقسامات ويؤجج خطاب العنف. ودعا إلى مواجهة هذا التوجه عبر تعزيز القيادة المدنية والمجتمعية، وإحياء الحوار الوطني كطريق عملي لإخراج اليمن من دائرة الحرب المستمرة.
وخلصت الندوة في مجملها إلى أن اليمن لم يعد أزمة محلية فحسب، بل تحول إلى عقدة في شبكة صراعات إقليمية ودولية متشابكة. وأجمع المتحدثون على أن السلام القائم على القوة لن يكون مستدامًا، وأن الطريق نحو الاستقرار يمر عبر العدالة والشراكة الوطنية وبناء دولة قادرة على تقديم الخدمات والتنمية، بما يمكّن اليمن من استثمار موقعه الاستراتيجي بدل أن يظل ساحة صراع مفتوحة.

