أثر تدخلات خطط الاستجابة الإنسانية على الحد من تدهور مؤشرات المعيشة.. اليمن ( 2015-2025)

English : Read this article in

 

الملخص

  تبحث هذه الدراسة في أثر وفعالية خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال الفترة (2015-2025) في التخفيف من تدهور المؤشرات المعيشية. باعتماد المنهج التحليلي المستند لبيانات مكتب الأمم المتحدة (OCHA) والمنظمات الدولية. خلصت النتائج إلى أن الاستجابة الإنسانية عملت كـ”جهاز تنفس صناعي” منع الانهيار الشامل، لكنها كرّست الاعتمادية المزمنة؛ نتيجة التركيز على “عتبة البقاء”، وتأثير الفجوة السياسية، وفشل استراتيجيات الصمود لغياب الإرادة. توصي الدراسة بإعادة توجيه الاستراتيجية لكسر دائرة الارتهان، وتوظيف المساعدات كأداة ضغط سياسي، أي توظيفها  كوسيلة لتشجيع الحكومة على تبني إصلاحات هيكلية تضمن استقرار الاقتصاد والخدمات الأساسية، وتعزيز قدرة المجتمع على الاستغناء عن المساعدات على المدى الطويل، بما يحقق تحولاً مستداماً ويكسر دائرة الاعتماد المزمن على الإغاثة مع ضرورة قياس “تكلفة القيود” لدعم حملات المناصرة الدولية، سعياً للانتقال من الإغاثة المؤقتة صوب معالجة الأسباب الجذرية وإحداث تحول هيكلي مستدام للمجتمع اليمني.

المقدمة

منذ انقلاب 21سبتمبر 2014، يشهد اليمن أزمة إنسانية معقدة ومتفاقمة، ناتجة عن تداخل النزاع المسلح مع الانهيار الاقتصادي وتدهور الخدمات الأساسية. وقد أدت هذه الظروف إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتدهور سبل العيش، وارتفاع مخاطر الحماية، خاصة بين الفئات الضعيفة في هذا السياق، أعد المجتمع الدولي، ممثلاً بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA)  وشركائه، سلسلة من خطط الاستجابة الإنسانية (HRPs) لتوجيه التدخلات .ركزت خطط الإستجابة(2015-2016 على الاستجابة الطارئة للاحتياجات المنقذة للحياة ومع استمرار الأزمة، تطورت هذه الخطط تدريجياً(2017 -2020) لتبني مقاربات أكثر شمولاً في سياق أزمة مزمنة، مع تزايد التركيز على تحديد الأولويات بناءً على شدة الاحتياج وتأثير جائحة كوفيد-19 وتراجع التمويل وتؤكد خطط الاستجابة  أن العمل الإنساني، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون حلاً دائماً للأزمة، مشددة على ضرورة إحراز تقدم نحو السلام والتعافي الاقتصادي لبناء صمود المجتمعات تمثل هذه الخطط إطاراً تحليلياً حاسماً لفهم تطور المقاربات الإنسانية وتقييم أثرها وحدودها في اليمن.

 إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن التقييم السائد لخطط الاستجابة الإنسانية في اليمن ظل حبيس منطقين متناقضين: منطق الإشادة بقدرتها على إنقاذ الأرواح، ومنطق النقد الأخلاقي لفشلها في تحسين الظروف المعيشية. غير أن كلا المنطقين، في صورتهما الشائعة، يتجاهلان سؤال “كيف ولماذا”.

تتمثل الإشكالية البحثية في الفجوة بين حجم الموارد الإنسانية المُسخرة )نحو 20 مليار دولار خلال عقد( وبين ثبات المؤشرات المعيشية عند مستويات كارثية. وتركز هذه الدراسة بأن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها من خلال نقص التمويل أو ضعف التنفيذ فقط، بل تتطلب تحليلًا تفسيريًا يتناول تصميم التدخلات، والآليات التي فعّلتها، والسياقات السياسية والاقتصادية التي عملت ضمنها. تسعى هذه الورقة للإجابة على الأسئلة التالية: 

  1. إلى أي مدى ساهمت خطط الاستجابة الإنسانية في الحد من تدهور المؤشرات المعيشية في اليمن خلال الفترة (2015-2025)؟
  2. ما هي المحددات والعوامل الرئيسية التي حالت دون تحقيق خطط الاستجابة لفعاليتها القصوى في تحسين الواقع المعيشي؟
  3. ما هي المسارات المقترحة لإعادة توجيه استراتيجيات الاستجابة بما يضمن تقليل الاعتمادية على المساعدات وتعزيز الأثر المستدام؟

منهجية الدراسة : تعتمد هذه الورقة منهجاً وصفياً تحليلياً ذا طابع تكاملي، يقوم على المزاوجة بين التحليل الوثائقي النقدي لخطط الاستجابة الإنسانية (HRPs) الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية خلال الفترة (2015–2025)، وبين منظور الباحث بوصفه أداة تحليلية ميدانية قائمة بذاتها، تستند إلى خبرة تراكمية تمتد لثمانية عشر عاماً في السياق الإنساني اليمني. ولا يقتصر هذا التوظيف على السرد أو الاستدعاء الخبراتي، بل يتجسد في منهج الملاحظة بالمشاركة، من خلال الانخراط المباشر في اجتماعات المجموعات القطاعية، والمساهمة في جلسات تحليل الاحتياجات وصياغة الأولويات، والتفاعل المهني المنتظم مع خبراء الوكالات الأممية والمنظمات الدولية. ويتيح هذا المدخل فهماً بنيوياً لديناميات التخطيط الإنساني، وآليات اتخاذ القرار، وأنماط توزيع الموارد، والعلاقات السلطوية الكامنة داخل منظومة الاستجابة.

وانطلاقاً من هذا الأساس التحليلي، تُؤطَّر الدراسة ضمن منهجية التقييم الواقعي (Realist Evaluation) التي طوّرها Ray Pawson وNick Tilley وصفها مقاربة تفسيرية تتجاوز القياس الخطي للنتائج إلى تحليل العلاقة التفاعلية بين السياق (Context) والآليات (Mechanisms) والمخرجات (Outcomes). وتنطلق هذه المنهجية من افتراض مركزي مفاده أن التدخلات الإنسانية ليست أدوات تقنية محايدة، بل برامج اجتماعية–سياسية تتشكل فعاليتها من خلال ما تفعّله من آليات داخل سياقات محددة تتسم بالصراع والتشظي المؤسسي، وتباين موازين القوى. وبذلك يصبح السؤال التحليلي المحوري: ما الذي ينجح؟ ولمن؟ وتحت أي شروط بنيوية وسياسية؟ وهو سؤال أكثر اتساقاً مع طبيعة الأزمة اليمنية بوصفها أزمة ممتدة متعددة المستويات، تتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية مع محددات الاقتصاد السياسي للنزاع. إن الجمع بين التحليل الوثائقي العميق والخبرة الميدانية المؤطرة نظرياً ضمن التقييم الواقعي يمنح الدراسة قدرة تفسيرية تتجاوز الوصف، لتفكيك منطق عمل خطط الاستجابة ذاتها، والكشف عن حدودها البنيوية وإمكاناتها التحويلية.

أهداف خطط الاستجابة

ركزت خطط الاستجابة الانسانية على أهداف رئيسية كان أهمها: 

  1.  إنقاذ الأرواح وحماية الفئات الضعيفة.
  2.  استعادة الكرامة الإنسانية.
  3. دعم سبل العيش الأساسية .

مفهوم خطط الإستجابة

تُعرف خطط الاستجابة الإنسانية (HRPs) كوثائق استراتيجية شاملة تهدف إلى توفير إطار عمل موحد لتحديد الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحاً وتنسيق الاستجابة لها , كما وتعرّف خطط الاستجابة ضمن إطار دورة البرنامج الإنساني (HPC) باعتبارها الأداة التشغيلية التي تُترجم تحليل الاحتياجات الإنسانية إلى أهداف استراتيجية وخطط قطاعية منسقة.

مفهوم المؤشرات المعيشية

تُعرف المؤشرات المعيشية في سياق هذه الدراسة بأنها المقاييس الديناميكية التي تعكس جودة حياة الأفراد وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل الصراع. وهي المحاور الأكثر تأثراً بالتدخلات الإنسانية. وتتجسد هذه المؤشرات في خمسة أبعاد رئيسية] : الأمن الغذائي المتمثل في مستويات الوفرة والوصول، والدخل المعبر عن القوة الشرائية ومعدلات الفقر ، والصحة التي تعكس كفاءة الخدمات ومعدلات الوفيات، إضافة إلى التعليم من حيث فرص الوصول والحد من التسرب، وسبل العيش المرتبطة بالأنشطة المدرة للدخل والموارد الإنتاجية؛ حيث تشكل هذه الأبعاد مجتمعةً المعيار الأساسي لتقييم كفاءة خطط الاستجابة الإنسانية في تحقيق التحول من الإغاثة الطارئة إلى الاستقرار المعيشي. ويعتمد الحصول على الخدمات الأساسية كمقاييس لقياس مستوى المعيشة وجودة الحياة.

تطور خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن (2015–2025)

شهدت خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن تحولاً تدريجياً من الاستجابة الطارئة المنقذة للحياة في السنوات الأولى للنزاع إلى نموذج لإدارة أزمة إنسانية مزمنة. تميز هذا التحول بتضييق نطاق التدخل، وتحديد أولويات صارمة، والتركيز على الحد الأدنى من الأنشطة المنقذة للحياة، مع كشف عن فجوة متزايدة بين الاحتياجات المتصاعدة والموارد المتاحة. يوضح الجدول التالي أبرز ملامح هذه الخطط: 

جدول رقم (1) يبين اعداد المخطط والمستفيد من السكان والمبالغ المخططة والمستلمة خلال فترة خطط الاستجابة

العام الأشخاص المحتاجون (مليون) الأشخاص المستهدفون (مليون) الأشخاص الذين تم الوصول إليهم (مليون) مبالغ الاستجابة المطلوبة (مليار دولار) مبالغ الاستجابة المستلمة (مليار دولار)
2015 21.1 11.7 8.8 1.60 0.89
2016 21.2 13.6 10.6 1.63 1.03
2017 18.8 12.0 10.2 2.34 1.76
2018 22.2 13.1 13.5 3.11 2.51
2019 24.1 21.4 13.7 4.2 3.6
2020 24.1 21.4 10.0 3.4 2.0
2021 20.7 16.0 11.6 3.9 2.4
2022 23.4 17.9 10.7 4.3 2.2
2023 21.6 17.3 8.7 4.3 1.6
2024 18.2 11.2 8.0 2.7 1.4
2025 19.5 10.5 5.0 2.5 0.7
الاجمالي – – – 33.98 20.09

المصدر: من إعداد الباحث مستعيناً بخطط الاستجابة الإنسانية الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA ) 

يعكس التحليل الموسع لخطط الاستجابة الإنسانية في اليمن (2015–2025) مزيجًا من النجاحات التكتيكية والإخفاقات الاستراتيجية؛ فبينما نجحت في مستوى «الإبقاء الحيوي» عبر منع الانهيار الشامل للأمن الغذائي والصحي واحتواء الأوبئة، إلا أنها أظهرت محدودية في التأثير على المؤشرات المعيشية طويلة الأمد وتحقيق الاستدامة، مما كرس حالة من الاعتمادية البنيوية. ويعود هذا التباين إلى تركيز البرامج على البقاء بدل التنمية، والقيود السياسية والأمنية وتجزئة السلطات، بالإضافة إلى الفجوة المستمرة بين الأجندات الإنسانية والتنموية. وتؤكد البيانات الإحصائية في الجدول (1) هذا الخلل البنيوي، حيث تكشف عن فجوة حادة بين الاحتياجات المتصاعدة والموارد؛ فمن أصل 33.98 مليار دولار مطلوبة طيلة عقد، لم يُستلم سوى 20.09 مليار دولار. ويبرهن الانحدار الحاد في منحنى التمويل من ذروته عام 2019 (3.6 مليار) وصولاً إلى أدنى مستوياته عام 2025 0.7) مليون دولار)- رغم بقاء الاحتياجات عند مستويات حرجة تتجاوز 19 مليون نسمة— على اتساع «فجوة الاستجابة» وعجز التدخلات عن تجاوز الدور الإغاثي اللحظي، مما حوّل المساعدات إلى مجرد أداة لتأجيل الانهيار الشامل دون معالجة جذوره البنيوية.

 

الأطر النظرية المفسرة لأثر التدخلات الإنسانية

  •  نظرية إدارة الأزمات الإنسانية الممتدة Protracted Crisis Management Theory

 تُعنى هذه النظرية بفهم كيفية تعامل الفاعلين الإنسانيين مع الأزمات التي تتحول إلى أوضاع مزمنة، حيث يصبح الهدف الرئيس هو إدارة الأزمة والحد من تدهورها بدلاً من إنهائها . في سياق اليمن، تفسر هذه النظرية التحول التدريجي في أهداف خطط الاستجابة من تحسين الظروف المعيشية إلى منع الانهيار الكامل لمؤشرات الحياة الأساسية، وضمان بقاء السكان عند الحد الأدنى من الكفاف. كما توضح أن تقليص عدد المستفيدين وتشديد معايير الاستهداف هو تطبيق لاستراتيجية إدارة الندرة في ظل غياب الحل السياسي، مما يكرس الاعتماد على المساعدات ويجعل الاستجابة جزءاً من إدارة الوضع الراهن بدلاً من تغييره [].

 2.نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية Minimum Living Standards / Survival Threshold Theory 

 تشير هذه النظرية إلى أن الاستجابة الإنسانية في البيئات عالية الخطورة يجب أن تضمن إبقاء الأفراد فوق عتبة البقاء البيولوجي والاجتماعي دون استهداف تحسين شامل لمستويات الرفاه . في اليمن، تقدم هذه النظرية تفسيراً لتصميم خطط الاستجابة التي ركزت بشكل شبه حصري على مؤشرات الأزمة الحادة والمباشرة مثل معدلات سوء التغذية والوفيات، بهدف منع الوفيات الجماعية. هذا التصميم يفسر لماذا لم يكن ثبات أو تدهور مؤشرات المعيشة العامة فشلاً للاستجابة، بل نتيجة منطقية لتصميمها الذي لم يستهدف معالجة الأسباب الجذرية للتدهور المعيشي، بل عمل كـ”شبكة أمان أخيرة [].

 3.نظرية الفجوة الإنسانية Humanitarian Gap Theory

 تفترض هذه النظرية وجود اختلال هيكلي دائم بين حجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المالية والسياسية المتاحة للاستجابة . في اليمن، تُعد هذه النظرية إطاراً محورياً لفهم الأسباب المباشرة وراء محدودية تأثير خطط الاستجابة. فهي توضح أن الفجوات التمويلية المتكررة، التي تصل أحياناً إلى 40-50% من الاحتياجات، تدفع إلى تقليص نطاق التدخلات وإعادة ترتيب الأولويات لصالح القطاعات المنقذة للحياة على حساب الاستقرار طويل الأجل. كما تسلط الضوء على أن المشكلة ليست في “تشخيص” الأزمة، بل في “علاجها”، حيث تظل الخطط الطموحة حبراً على ورق بسبب نقص الموارد، مما يساهم في إدامة الأزمة [].

 4.نظرية الترابط الإنساني–التنموي–السلام Humanitarian–Development–Peace Nexus

 تقوم هذه النظرية على دمج العمل الإغاثي الطارئ مع التنمية المستدامة وبناء السلام لضمان أثر مستدام في الأزمات المعقدة . في اليمن، يمثل تطبيق هذه النظرية، خاصة منذ عام 2022، محاولة واعية لتجاوز منطق “إدارة البقاء” نحو “بناء الصمود”. ومع ذلك، واجه تطبيقها تحديات هائلة بسبب غياب السلام والتمويل المرن متعدد السنوات، مما جعل تأثيرها جزئياً وغير قادر على إحداث تحول هيكلي. تدعو النظرية إلى تغيير جذري في كيفية عمل الفاعلين، وربط التدخلات، وتوسيع الشراكات لتقليل الاعتمادية على المساعدات [1].

  1. نظرية الصمود والمرونة المجتمعية Resilience Theory

 تركز هذه النظرية على قدرة الأفراد والمجتمعات على امتصاص الصدمات والتكيف معها والحفاظ على الوظائف الأساسية للمعيشة في البيئات غير المستقرة . في اليمن، تفسر النظرية سبب إدماج برامج التمكين مثل دعم سبل العيش والنقد مقابل العمل ضمن خطط الاستجابة، بهدف تعزيز قدرة الأسر على امتصاص الصدمات. ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن برامج بناء الصمود ظلت هدفاً تكميلياً ومحدود الأثر، ولم تتمكن من أن تصبح بديلاً للاستجابة الإنسانية الطارئة، وذلك بسبب استمرار الصدمات السياسية والاقتصادية الشديدة التي تتجاوز قدرة المجتمعات على الامتصاص والتكيف .

 سياسة صناعة الخطط الإنسانية

توصلت الدراسة إلى أن خطط الاستجابة الإنسانية ليست مجرد وثائق فنية بحتة، بل كنتاج لعملية تفاوض سياسي معقدة بين المانحين الدوليين، ووكالات الأمم المتحدة (OCHA)، والمنظمات الدولية الكبرى، والحكومة والحوثيين. هذا الواقع يعني أن الأهداف المعلنة والميزانيات المطلوبة قد تكون نتاجاً لمواءمات سياسية، تهدف لإقناع المانحين وإظهار حجم الكارثة، دون أن تعكس بالضرورة القدرة التنفيذية الواقعية على الأرض. وبالتالي، فإن الفجوة بين الأهداف والنتائج ليست مجرد فشل في التنفيذ، بل هي أيضاً فجوة كامنة في تصميم الخطط نفسها التي تتأرجح بين الطموح الإنساني والواقع السياسي 

النتائج الرئيسية لخطط الاستجابة (2015-2025)

بعد تحليل مسار الاستجابة الإنسانية على مدار أكثر من عقد كامل، يمكن استخلاص النتائج الجوهرية، حيث  يكشف الجدول رقم (2) عن مفارقة صارخة: فعلى الرغم من ضخامة الموارد المالية والبشرية التي حُشدت، ظلت المؤشرات المعيشية الكلية للسكان إما ثابتة عند مستويات كارثية أو استمرت في التدهور. هذا الواقع الرقمي يمثل نقطة الانطلاق الأساسية لفهم حدود فعالية الاستجابة الإنسانية، ويشكل الخلفية التي يمكن على أساسها تفسير النتائج النوعية التالية:

جدول( 2) تطور بعض المؤشرات المعيشية الرئيسية في اليمن خلال(2015 – 2025 م

القيمة التقريبية 2025 القيمة التقريبية 2015 ملاحظات على الاتجاه العام المصدر المقترح للبيانات المؤشرات
80% 49% تدهور حاد ومستمر في مستويات المعيشة البنك الدولي،

 UNDP []

نسبة السكان تحت خط الفقر
19.5 مليون 21.1 مليون ثبات عند مستويات كارثية رغم تغيرات التمويل OCHA خطط الاستجابة الإنسانية[] عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدة الإنسانية
17.5% 16% ارتفاع طفيف واستقرار عند مستويات حرجة UNICEF، WFP معدل سوء التغذية الحاد لدى الأطفال
35% 15% تضاعف حاد نتيجة انهيار الاقتصاد وسوق العمل UNDP نسبة البطالة (خصوصًا بين الشباب(
183 168 تراجع مستمر يعكس الانهيار التنموي الشامل UNDP  تقارير التنمية البشرية [] ترتيب اليمن في مؤشر التنمية البشرية 

المصدر/ من إعداد الباحث مستعينا بالتقارير الدولية

تحليل أثر خطط الاستجابة الإنسانية على المؤشرات المعيشية الأساسية

تحليل قياس أثر خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن على مجموعة من المؤشرات المعيشية الأساسية، بوصفها مخرجات وسيطة تعكس قدرة التدخلات الإنسانية على الانتقال من منطق الإنقاذ الآني إلى تحسين شروط الحياة. ويستند التحليل إلى الربط بين البيانات الكمية الصادرة عن المنظمات الدولية، والتحليل التفسيري للآليات التي فعّلتها التدخلات ضمن سياقات مختلفة.ويفترض التحليل أن استقرار المؤشرات أو تحسنها المؤقت لا يعني بالضرورة فعالية مستدامة، ما لم يُقترن بتغيرات في آليات الإنتاج والدخل والقدرة على التكيف.ولمتابعة التحليل نرصد الاثر على القطاعات التالية:

أثر الاستجابة الإنسانية على الأمن الغذائي

يُعد الأمن الغذائي المؤشر الأكثر استخدامًا لتقييم فعالية الاستجابة الإنسانية في اليمن. وتُظهر بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن اليمن ظل طوال الفترة تنفيذ الخطط الحادي عشر للاستجابة  ضمن المستويات الحرجة لانعدام الأمن الغذائي رغم التوسع الكبير في برامج المساعدات الغذائية، فإن التحليل الواقعي يكشف أن هذه التدخلات فعّلت آليات منع الانهيار الغذائي، لكنها لم تُفعّل آليات الاستقرار الغذائي طويل الأجل. فقد أدى التوزيع الغذائي المتكرر إلى تحسين مؤقت في استهلاك السعرات الحرارية، دون معالجة أسباب انعدام الأمن الغذائي المرتبطة بالدخل، والإنتاج، وسلاسل الإمداد.  

أثر الاستجابة على الدخل وسبل العيش

أظهرت برامج النقد مقابل العمل، والتحويلات النقدية، قدرة نسبية على تحسين الدخل قصير الأجل للأسر المستفيدة. غير أن محدودية التغطية، وطابعها المؤقت، وارتباطها بالتمويل الخارجي، حال دون تحولها إلى أدوات لتعزيز الاستقلال الاقتصادي. معظم التدخلات في هذا القطاع افتقرت إلى التكامل مع الأسواق المحلية، ما حدّ من قدرتها على خلق أثر مضاعف (Multiplier Effect) داخل الاقتصاد المحلي.[] 

أثر الاستجابة الإنسانية على القطاع الصحي

ساهمت الاستجابة الإنسانية في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية، لا سيما في مجالات التحصين، ومكافحة الأوبئة، والرعاية الصحية الأولية []غير أن هذا الدور اتسم بطابع تعويضي، حيث حلّت المنظمات الإنسانية محل الدولة، دون بناء قدرات مؤسسية مستدامة. إن هذا النمط، رغم ضرورته في المدى القصير، أسهم في تكريس هشاشة النظام الصحي على المدى الطويل.

أثر الاستجابة على التعليم والحماية الاجتماعية

في قطاع التعليم، ركزت التدخلات الإنسانية على التعليم في حالات الطوارئ، ودعم الرواتب التحفيزية للمعلمين، ما ساعد في استمرار العملية التعليمية جزئيًا. إلا أن معدلات التسرب المدرسي ظلت مرتفعة، خاصة في أوساط الفئات الأشد فقرًا.

أما في مجال الحماية، فقد ركزت البرامج على الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وحماية الأطفال، دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية لمخاطر الحماية.

بعد استعراض تحليل أثر التدخلات التي ترسم صورة قاتمة للوضع المعيشي العام، يمكننا الآن استخلاص النتائج التحليلية التي تفسر أسباب هذه الفجوة بين الجهد والأثر:

  1. النجاح في منع الانهيار الكلي )منع المجاعة والأوبئة( : حققت الخطط نجاحاً مشهوداً في منع تحول انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى مجاعة شاملة في لحظات حرجة )مثل عامي 2018 و2021) كما ساهمت التدخلات الصحية في احتواء أكبر تفشٍ للكوليرا في التاريخ الحديث، مما أنقذ ملايين الأرواح .
  2. الفجوة التمويلية المزمنة: أظهر التحليل أن التمويل الفعلي لم يتجاوز في المتوسط 55% من الاحتياجات المطلوبة سنوياً. هذه الفجوة أدت إلى تقليص الحصص الغذائية، وإغلاق مرافق صحية، وتعليق برامج حماية، مما جعل الاستجابة دائماً في حالة “دفاع” بدلاً من “هجوم” لتحسين المؤشرات .
  3. تكريس حالة الاعتماد على المساعدات: رغم الجهود المبذولة، أدت الاستجابة القائمة على الإغاثة الطارئة لسنوات طويلة إلى إضعاف آليات الصمود المحلية وتكريس اعتماد الأسر على السلال الغذائية، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 65% من الأسر تعتمد كلياً أو جزئياً على المساعدات لتلبية احتياجاتها الأساسية .
  4. تآكل رأس المال البشري والمؤسسي: فشلت الخطط في وقف التدهور طويل الأمد في قطاعي التعليم والصحة. فرغم توفير الحوافز، ظل النظام التعليمي يعاني من تسرب ملايين الأطفال، وظل النظام الصحي يعمل بنصف طاقته، مما يعني أن الأثر الإنساني كان “مسكناً” للألم وليس “علاجاً” للبنية التحتية .

مناقشة النتائج

تُظهر النتائج أن الاستجابة الإنسانية في اليمن عملت كـجهاز تنفس صناعي للدولة والمجتمع، حيث حالت دون الانهيار الكامل للمؤشرات المعيشية الأساسية، لكنها لم تعالج الأسباب الجذرية للأزمة. يمكن فهم هذه الديناميكية المعقدة من خلال تحليل متكامل يجمع بين عدة نظريات أساسية في العمل الإنساني:

  1. فمن منظور نظرية إدارة الأزمات الممتدة  ، نجحت المنظمات في مأسسة العمل الإغاثي وتحويله من استجابة طارئة إلى نظام مستدام لإدارة أزمة مزمنة. لكن هذا النجاح الإداري أوقعها في فخ “الاستجابة الدائرية”، حيث يتم تقديم المساعدة لنفس الفئات السكانية لسنوات دون تمكينها من الخروج من دائرة الاحتياج. هذا التحول يعكس تبنيًا مقصودًا لاستراتيجية إدارة الندرة في ظل غياب حل سياسي، حيث أصبح الهدف هو منع الانهيار بدلًا من تحقيق التعافي.
  2. ويتضح هذا التوجه بشكل أكبر عند تطبيق نظرية الحد الأدنى للمعيشة الإنسانية . لقد صُممت خطط الاستجابة في اليمن بشكل واضح لإبقاء السكان فوق “عتبة البقاء” البيولوجي، من خلال التركيز على مؤشرات حرجة مثل سوء التغذية الحاد والوصول للمياه والصحة. هذا التصميم، الذي يستهدف منع الانهيار الإنساني الشامل، يفسر لماذا ظلت مؤشرات المعيشة الأوسع، كالفقر والبطالة، ثابتة أو متدهورة؛ فهي لم تكن يومًا الهدف الأساسي للتدخلات.
  3. علاوة على ذلك، تسلط نظرية الفجوة الإنسانية  الضوء على السبب الرئيسي وراء محدودية الأثر. فالفجوة لم تكن مالية فحسب، بل كانت أيضًا “فجوة وصول” و”فجوة سياسية”. إن سياسات أطراف الصراع – جماعة الحوثي بشكل أساسي ثم الحكومة المعترف بها دوليًا، والسلطات المحلية –  المتمثلة في تقييد الحركة، وفرض الرسوم، والتدخل في قوائم المستفيدين، قللت من القيمة الحقيقية لكل دولار تم صرفه. هذا الاختلال الهيكلي بين الاحتياجات الهائلة والموارد المتاحة والمقيدة جعل الأثر الميداني أقل بكثير من المتوقع نظريًا.
  4. ورغم محاولات تطبيق نظرية الترابط الإنساني–التنموي–السلام (Nexus)

منذ عام 2022 لربط الإغاثة بمشاريع تنموية، إلا أن غياب التمويل المستدام واستمرار حالة اللاسلم جعل هذه التدخلات جزئية وغير قادرة على إحداث تحول هيكلي. وبالمثل، فإن برامج دعم الصمود المستندة إلى نظرية المرونة المجتمعية  []، مثل النقد مقابل العمل، ظل أثرها محدودًا لأن أولوية البقاء الطارئ طغت على أهداف التكيف طويلة الأمد، مما جعل الصمود هدفًا تكميليًا لا بديلاً عن المساعدات الإنسانية العاجلة. في الأخير، تكشف هذه النظريات مجتمعة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن كانت عملية إدارة أزمة ناجحة ضمن حدودها، لكنها لم تكن، ولم يكن من الممكن أن تكون، أداة للتنمية أو بناء السلام في ظل استمرار الصراع والقيود السياسية والاقتصادية. 

نقاط الاتفاق والاختلاف بين خطط الإستجابة الإنسانية

أبرز نقاط الاتفاق:

  1. الأولوية القصوى للأمن الغذائي: ظلت قطاعات الغذاء والصحة والمياه هي المحرك الرئيسي لكافة الخطط بنسبة تتجاوز 70% من الميزانيات .
  2. الاستناد إلى البيانات: اتفقت جميع الخطط على ضرورة التقييم السنوي للاحتياجات (HNO) كأساس لبناء الاستجابة .
  3. مبادئ العمل الإنساني: التأكيد المستمر على الحياد والاستقلالية والنزاهة، رغم صعوبة تطبيقها ميدانياً 

أبرز نقاط الاختلاف:

  • حجم الاستهداف: تراوح الاستهداف بين الشمولية الواسعة (2018-2019) والتركيز الشديد على الأشد فقراً (2024-2025) نتيجة نقص التمويل .
  • التحول النوعي: انتقلت الخطط من “توزيع المواد العينية” في البداية إلى “المساعدات النقدية” و”نهج الرابطة” (Nexus) في السنوات الأخيرة .
  • التعامل مع المؤسسات: بدأت الخطط الأولى بتجاوز المؤسسات الرسمية، بينما حاولت الخطط اللاحقة خاصة من 2018 دعم بقاء المؤسسات العامة )مثل دفع حوافز المعلمين والأطباء( .

الاتجاهات الناشئة جراء استمرار الأزمة الإنسانية

  1. توطين العمل الإنساني: بروز دور المنظمات المحلية كفاعل أساسي لا يمكن تجاوزه، وزيادة الضغط لتمكينها من الموارد والقرار .
  2. الرقمنة والشفافية: الاعتماد المتزايد على البصمة الحيوية والأنظمة الرقمية في توزيع المساعدات للحد من التلاعب.
  3. التحول نحو “الصمود الاقتصادي”: إدراك أن استقرار العملة والبنك المركزي هو “تدخل إنساني” بحد ذاته، يفوق أثره توزيع السلال الغذائية .
  4. تعب المانحين: ظهور بوادر تراجع الاهتمام الدولي باليمن لصالح أزمات مستجدة )أوكرانيا، غزة) مما يفرض ضرورة البحث عن بدائل تمويلية مستدامة .

أبرز التحديات

واجهت خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن تحديات هيكلية وسياسية وأمنية عميقة أثرت بشكل كبير على فعاليتها:[] 

  1. التحديات السياسية:
  • الانقسام السياسي الداخلي: أدى تحكم الفواعل السياسية المتعددة )ضعف الرقابة والتقييم والمتابعة من قبل الحكومة المعترف بها دوليًا , وترك السلطات المحلية تمارس ممارسات خاطئة تجاه التدخلات الانسانية، ادت الى فرض قيود مشددة على وصول المساعدات, وكذلك مارست  جماعة الحوثي ممارسات أشد وأكثر أضرارا وفرضت ضرائب ورسوم على المنظمات الإنسانية، وقوائم المستفيدين وشركات النقل وبنوك الايداع. 
  • القيود البيروقراطية: فرضت الأطراف المتنازعة ضوابط صارمة على دخول الموظفين والمساعدات، مما أدى إلى تأخير أو منع وصولها أحيانًا. تشير تقارير OCHA إلى متوسط تأخير في تسليم المساعدات يتراوح بين 3-6 أشهر في بعض المناطق .
  • تسييس المساعدات: أدى الاستقطاب السياسي الدولي والإقليمي إلى تسييس المساعدات الإنسانية، مما أثر على حياد وفاعلية العمليات الإنسانية .
  1. التحديات الأمنية:
  • العمليات العسكرية والنزاعات المسلحة: أدت الاشتباكات والعمليات العسكرية إلى تعطيل عمل فرق الإغاثة ومنع وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة .
  • المخاطر الأمنية على العاملين: تعرض 45%  من العاملين في المجال الإنساني لاعتقالات وقتل وتهديدات مباشرة وتوقيف عن العمل واقتحامات لمقرات وكالات الامم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية من قبل مليشيات الحوثي []
  • الألغام الأرضية: تسببت الألغام الأرضية والعبوات الناسفة في مئات الإصابات ومنع وصول المساعدات إلى المناطق النائية .
  1. التحديات الهيكلية:
  • ضعف المؤسسات المحلية: تعاني المؤسسات المحلية من ضعف القدرات المؤسسية والفنية والمادية، مما يؤثر على جودة تنفيذ البرامج الإنسانية .
  • تفكك البنية التحتية: أدى النزاع إلى تدمير وتفكك البنية التحتية الأساسية (الطرق، الموانئ، المستشفيات، المدارس( مما أعاق عمليات الإغاثة والتنمية.
  • غياب الحوكمة الرشيدة: أثر غياب الحوكمة الرشيدة والمساءلة على فعالية استخدام الموارد وتوزيع المساعدات .

الاستنتاجات والتوصيات

الاستنتاجات:

بناءً على تحليل الاستجابة الإنسانية في اليمن على ضوء النظريات الخمس، يمكن استخلاص النتائج الرئيسية التالية:

  • الاستجابة كأداة لإدارة الأزمة وليس لحلها: لقد تحولت الاستجابة الإنسانية في اليمن من تدخل طارئ إلى آلية مزمنة لإدارة الأزمة )نظرية إدارة الأزمات الممتدة)ورغم نجاحها في منع الانهيار الكامل للمجتمع والدولة، إلا أنها كرّست حالة من الاعتمادية الدائمة، حيث أصبحت المساعدات جزءاً من الوضع الراهن بدلاً من كونها جسراً نحو التعافي.
  • تصميم التدخلات يركز على البقاء لا الرفاه: كانت أهداف خطط الاستجابة مصممة بشكل واعٍ لضمان الحد الأدنى من متطلبات البقاء، وليس لتحسين جودة الحياة أو معالجة الأسباب الجذرية للفقر (نظرية الحد الأدنى للمعيشة) [] هذا يفسر التناقض بين حجم التمويل الضخم وثبات أو تدهور مؤشرات المعيشة العامة، لأن الهدف لم يكن التنمية، بل منع الكارثة.
  • الفجوة السياسية والوصول أخطر من الفجوة التمويلية: أثبت التحليل أن القيود التي فرضتها أطراف الصراع- وبدرجة أساسية  جماعة الحوثي- على حركة المساعدات والوصول إلى المستفيدين، والتدخل في العمل الإنساني، قلّصت من فعالية كل دولار تم إنفاقه. وبالتالي، فإن “الفجوة السياسية” كانت عاملاً حاسماً في إضعاف الأثر الميداني، ربما بشكل أكبر من “الفجوة المالية” المعلنة )نظرية الفجوة الإنسانية 
  • فشل الترابط بين الإنساني والتنموي والسلام في غياب الإرادة السياسية: على الرغم من تبني خطاب “الترابط” (Nexus)، ظلت الجهود لدمج العمل الإنساني مع التنمية وبناء السلام محدودة الأثر. ففي غياب تقدم سياسي حقيقي وتمويل مرن طويل الأجل، بقيت المشاريع التنموية معزولة وغير قادرة على إحداث تحول هيكلي، مما أبقى الاستجابة أسيرة للمنطق الإغاثي الطارئ )نظرية الترابط) 
  • الصمود المجتمعي هدف ثانوي أمام صدمات الأزمة المستمرة: لم تتمكن برامج تعزيز الصمود من تحقيق أهدافها في بناء قدرة المجتمعات على التكيف، لأن الأسر كانت ولا تزال تواجه صدمات اقتصادية وسياسية متلاحقة تفوق قدرتها على الامتصاص. لقد أصبح “الصمود” هدفاً تكميلياً يُستهدف بعد ضمان البقاء، وليس استراتيجية أساسية يمكن أن تحل محل المساعدات الطارئة .
  • الاستجابة الإنسانية كبديل غير مقصود للدولة: أظهرت الدراسة أن خطط الاستجابة، خصوصًا منذ 2018م، أدّت عمليًا إلى إحلال جزئي لوظائف الدولة المنهارة في قطاعات الغذاء والصحة والمياه، دون أن تكون مصممة للقيام بهذا الدور. هذا الإحلال المؤقت، وإن كان ضروريًا لمنع الانهيار، ساهم في إطالة أمد هشاشة المؤسسات العامة بدل إعادة بنائها .
  • تحوّل المؤشرات المعيشية إلى أدوات إدارة لا أهداف تحسين: لم تعد المؤشرات المعيشية (الفقر، الدخل، الأمن الغذائي( تُستخدم كغايات للتحسين، بل كمؤشرات تحذير لضبط مستوى التدخل ومنع “الانفجار الإنساني”، وهو ما حوّل التحليل الإنساني من أداة تغيير إلى أداة ضبط أزمة .
  • تآكل الثقة المجتمعية في الفاعل الإنساني: أدّت الاستمرارية الطويلة للمساعدات، مقرونة بعدم تحسّن ملموس في حياة الناس، إلى بروز فجوة ثقة بين المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية، حيث بات يُنظر إلى العمل الإنساني كجزء من “إدارة الأزمة” لا كرافعة للخروج منها 
  • تحييد البعد الاقتصادي الكلي عن التخطيط الإنساني: أثبتت الدراسة أن تجاهل قضايا الاقتصاد الكلي )العملة، الرواتب، السياسة النقدية( داخل خطط الاستجابة أفقد التدخلات جزءًا كبيرًا من أثرها، رغم أن استقرار هذه العوامل يُعد من أكثر التدخلات فاعلية في تحسين المؤشرات المعيشية . 

التوصيات:

أولاً: التوصيات التطبيقية والتنفيذية

تقدم الدراسة حزمة من التوصيات التطبيقية الموجهة للفاعلين الرئيسيين في الاستجابة الإنسانية: .

    1. إعادة تعريف هدف الاستجابة الإنسانية: الانتقال من هدف “منع الانهيار” إلى هدف مزدوج: منع الانهيار + تقليل الاعتمادية، من خلال إدراج مؤشرات تخريج إلزامية في جميع البرامج .
    2. استخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي مشروع: ربط التمويل الإنساني بآليات واضحة لتحسين الوصول الإنساني، وقياس “تكلفة القيود” رقميًا وتحويلها إلى مادة مناصرة دولية 
    3. دمج الاقتصاد الكلي كمسار إنساني موازٍ: اعتبار دعم استقرار العملة، ودفع الرواتب، ودعم البنك المركزي تدخلات إنسانية عالية الأثر، وليست قضايا تنموية مؤجلة .
    4. إعادة هيكلة نهج الصمود: تحويل برامج الصمود من تدخلات هامشية إلى مسار رئيسي متعدد السنوات، مرتبط بالأسواق المحلية، وليس فقط ببرامج النقد مقابل العمل قصيرة الأجل .
  • تعميق توطين القرار لا التنفيذ فقط: نقل جزء من سلطة التخطيط وتحديد الأولويات إلى الفاعلين المحليين، وليس الاكتفاء بتوطين التنفيذ، بما يعزز الشرعية المجتمعية ويقلل تكاليف التشغيل .
  1. فصل التحليل الإنساني عن اعتبارات التمويل: تعزيز استقلالية تقييمات الاحتياج (HNO) عن منطق “ما يمكن تمويله”، لضمان عدم تسييس الأرقام أو تحجيم الكارثة لأسباب مالية 

ثانياً: التوصيات للجهات

أولاً: للمانحين الدوليين والأمم المتحدة:

  • الانتقال من إدارة الأزمة إلى الضغط لحلها: يجب استخدام المساعدات الإنسانية كورقة ضغط دبلوماسي وسياسي لرفع القيود عن العمل الإنساني، وربط التمويل المستقبلي بتحقيق تقدم ملموس في تسهيل الوصول وحماية العاملين في المجال الإنساني .
  • اعتماد التمويل المشروط بالوصول:تصميم آليات تمويل تربط بشكل مباشر بين حجم المساعدات المقدمة لمنطقة معينة وبين درجة تعاون السلطات المحلية في ضمان وصول المساعدات دون عوائق .
  • الاستثمار الجاد في “الترابط” (Nexus): تخصيص نسبة ثابتة من التمويل الإنساني مثلاً 15-20% لمشاريع تنموية طويلة الأجل(سبل العيش، إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية( وتنفيذها بالتوازي مع المساعدات الطارئة، حتى في غياب حل سياسي كامل [].

ثانياً: للمنظمات الإنسانية :

  • إعادة تصميم البرامج لكسر دائرة الاعتمادية: يجب أن تتضمن برامج المساعدات النقدية والغذائية مكونات “تخريج” إلزامية )مثل التدريب المهني، دعم المشاريع الصغيرة، التوظيف المؤقت ( لتمكين الأسر القادرة من الانتقال تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على الذات .
  • التركيز على “الصمود الاقتصادي المحلي”: بدلاً من المشاريع الصغيرة المتفرقة، يجب التركيز على دعم سلاسل القيمة المحلية )مثل الزراعة، الصيد، الحرف اليدوية( لتعزيز الاقتصادات المحلية وجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتوفير فرص عمل مستدامة .
  • تعزيز الشفافية والمناصرة القائمة على الأدلة: توثيق أثر القيود السياسية والعوائق البيروقراطية بالأرقام 

ثالثاً: للحكومة اليمنية:

لتحويل دور الحكومة من مجرد متلقٍ للمساعدات إلى شريك فاعل في قيادة التعافي، نوصي بتبني حزمة من السياسات والإجراءات الدقيقة التالية:

  1. تجاوز الفجوة التمويلية عبر الدبلوماسية الاقتصادية: بدلاً من مجرد طلب زيادة التمويل، يجب على الحكومة إطلاق مبادرة دبلوماسية اقتصادية تهدف إلى التفاوض مع المانحين لتخصيص نسبة من التمويل الإنساني لمشاريع تنموية مباشرة عبر المؤسسات الحكومية (مثل مشاريع النقد مقابل العمل لإعادة تأهيل البنية التحتية. والسعي لدى المؤسسات المالية الدولية لتحويل جزء من الديون إلى استثمارات في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والمياه.
  1. تفعيل “نهج الترابط:  (Nexus) : يجب على الحكومة قيادة تطبيق نهج الترابط بدلاً من تركه للمنظمات، وذلك عبر: إطلاق “مشاريع رائدة للترابط وتحديد مناطق جغرافية معينة وتصميم برامج متكاملة فيها تربط المساعدات الإغاثية الطارئة بمشاريع مستدامة لسبل العيش وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية.وكذلك توطين الاستجابة عبر تمكين السلطات المحلية وتخصيص ميزانيات مباشرة للسلطات المحلية. والعمل على إنشاء هيئة حكومية مشتركة بين الوزارات (التخطيط، المالية، الزراعة، إلخ) تكون مسؤولة عن مواءمة خطط الاستجابة الإنسانية مع أولويات التنمية الوطنية، وضمان تكامل المشاريع بدلاً من تشتتها. والعمل على  بناء قاعدة بيانات موثوقة للمنظمات والمبادرات المحلية المؤهلة، وتوجيه المنظمات الدولية للشراكة معها كشرط لتسهيل عملها.

.3 ضمان الوصول الآمن عبر “ممر إنساني وطني“: لتجاوز التحديات البيروقراطية والأمنية، على الحكومة المسارعة إلى إنشاء وحدة ادارية مركزية (هيئة/ مجلس) مختصة تكون مسؤولة عن( إصدار كافة تصاريح الحركة والتنقل للمنظمات (وتشكيل لجان رقابة ميدانية مشتركة (حكومية-أممي-مجتمعية) لمراقبة توزيع المساعدات وضمان وصولها لمستحقيها، ومحاسبة أي جهة تعرقل العمل الإنساني.

.4 الانتقال نحو الاكتفاء الذاتي عبر دعم القطاعات الإنتاجية:عبر إطلاق “البرنامج الوطني لدعم القمح والزراعة) تقديم قروض ميسرة، بذور محسنة، ودعم فني للمزارعين لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد.) وتنشيط قطاع الثروة السمكية) إعادة تأهيل موانئ الصيد الصغيرة وتوفير الدعم للصيادين لتعزيز الأمن الغذائي وتوفير فرص عمل.)

.5  فرض المساءلة عبر “المنصة الوطنية للشفافية“: لتعزيز الرصد والتقييم، يجب على الحكومة إطلاق منصة إلكترونية موحدة وشفافة) تعرض جميع المشاريع الإنسانية والتنموية، حجم تمويلها، مناطق تنفيذها، وأعداد المستفيدين، وتسمح للمواطنين بتقديم الشكاوى والملاحظات مباشرةً. ) وهذا يعزز ثقة المانحين والمجتمع المحلي على حد سواء.

خاتمة الدراسة: 

إن الحصيلة النهائية لعشر سنوات من العمل الإنساني في اليمن تضعنا أمام استحقاق تاريخي يتجاوز لغة الأرقام والمؤشرات؛ فاليمن اليوم ليس مجرد “أزمة إنسانية”، بل هو مختبر عالمي لاختبار حدود وقدرات المنظومة الدولية في مواجهة الصراعات الممتدة. لقد أثبتت التجربة أن المساعدات التي لا تحمل في طياتها بذور الاستغناء عنها، هي مساعدات تُطيل أمد الهشاشة تحت ستار إنقاذ الأرواح.

تؤكد نتائج تحليل CMO أن استمرار الفصل المؤسسي بين المسارات الإنسانية والاقتصادية يعيد إنتاج هشاشة بنيوية بدلاً من معالجته وهو الدرس الذي يجب استيعابه, وكان سببا في استنزاف الموارد في معارك جانبية مع الأعراض، بينما ظل المرض الأساسي ينهش في جسد الدولة والمجتمع. لا يمكن للاستجابة الإنسانية أن تظل محايدة تجاه الانهيار الاقتصادي، فاستقرار العملة والرواتب ليس شأناً سياسياً فحسب، بل هو “جوهر العمل الإنساني” في سياق يمني يقتله الغلاء أكثر مما يقتله الرصاص.

ختاماً، إن الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “صناعة الصمود” يتطلب تغييراً في العقد الاجتماعي بين المانحين والمنظمات والمجتمع المحلي. يجب أن نملك الشجاعة للاعتراف بأن عهد “توزيع السلال” كحل وحيد قد انتهى، وأن العقد القادم يجب أن يرتكز على سيادة الإنتاج بدلاً من سيادة الإغاثة. إن معيار النجاح الحقيقي للخطط القادمة (2026 وما بعدها) لن يكون في كمية المبالغ التي تُجمع، بل في عدد الأسر التي ستخرج من قوائم المساعدات لتصبح فاعلاً اقتصادياً مستقلاً. إنها دعوة للتحرر من “منطق الطوارئ” إلى “منطق السيادة المعيشية”، لضمان ألا يظل اليمن أسيراً لـ “جهاز التنفس الصناعي” الدولي إلى الأبد.

المصادر

 مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية . اليمن: خطة الاستجابة الإنسانية 2025. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2025-january-2025-enar
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (2015). اليمن: خطة الاستجابة الإنسانية 2015. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-2015
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (2016). اليمن: خطة الاستجابة الإنسانية 2016. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2016-humanitarian-response-plan-january-december-2016
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (2020). اليمن: خطة الاستجابة الإنسانية (يونيو – ديسمبر 2020). مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-humanitarian-response-plan-june-december-2020-enar

باوسون، ر.، وتيلي، ن. (1997). التقييم الواقعي. منشورات سيج (SAGE Publications).
https://uk.sagepub.com/en-gb/eur/realistic-evaluation/book205276
باوسون، ر. (2013). علم التقييم: بيان المنهج الواقعي. منشورات سيج (SAGE Publications).
https://uk.sagepub.com/en-gb/eur/the-science-of-evaluation/book237063
IASC. (2015, updated). Humanitarian Programme Cycle Reference Module.
https://interagencystandingcommittee.org
World Bank. (2023). World Development Indicators.
https://databank.worldbank.org/source/world-development-indicators
UNDP. (2023). Human Development Report.
https://hdr.undp.org
FAO. (2016). Livelihoods Framework.
https://www.fao.org/home/en

https://www.unocha.org          .OCHA. Humanitarian Response Plan (HRP) Overview

 Duffield, M. (2019). Post-Humanitarianism: Governing Precarity in the Digital World. Cambridge: Polity Press.

https://www.politybooks.com/bookdetail?book_slug=post-humanitarianism–9781509525345
 Sphere Association. (2018). The Sphere Handbook: Humanitarian Charter and Minimum Standards in Humanitarian Response. https://spherestandards.org/handbook-2018
 Harvey, P. (2021). The humanitarian gap: challenges and opportunities in Yemen. Humanitarian Policy Group (HPG).  https://humanitarianoutcomes.org/SCORE_Yemen_March_2022
 مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. (2024). إصلاح المساعدات الإنسانية في اليمن. https://sanaacenter.org/ar/publications-all/main-publications-ar/25307

 United Nations Development Programme (UNDP). (2023). Assessing the Impact of War in Yemen: Pathways for Recovery. New York: UNDP.

https://www.undp.org/yemen/publications/assessing-impact-war-yemen-pathways-recovery

 مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (2025). اليمن: خطة الاستجابة الإنسانية 2025. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
https://www.unocha.org/publications/report/yemen/yemen-humanitarian-needs-and-response-plan-2025-january-2025-enar

 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2023). تقييم أثر الحرب في اليمن: مسارات التعافي. متاح على: https://www.undp.org/yemen/publications/assessing-impact-war-yemen-

 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2023). تقييم أثر الحرب في اليمن: مسارات التعافي. متاح على: https://www.undp.org/yemen/publications/assessing-impact-war-yemen-
 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2024). خارطة الطريق للتعافي: معالجة الفقر في ظل الصراع المستمر في اليمن. متاح على: https://www.undp.org/yemen/publications
 التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). (2024). تحليل انعدام الأمن الغذائي الحاد في اليمن: نظرة عامة. روما: منظمة الأغذية والزراعة (FAO).: https://www.ipcinfo.org/ipc-country-analysis/details-map/ar/c/1156880/
 البنك الدولي. (2023). المرصد الاقتصادي لليمن: الاستجابة للأزمات وتقييم أثر التحويلات النقدية وسبل العيش. واشنطن: البنك الدولي.: https://www.albankaldawli.org/ar/country/yemen/publication/yemen-economic-monitor-spring-2023
 منظمة الصحة العالمية (WHO). (2024). الاستجابة الصحية في اليمن: التحديات والفرص الاستراتيجية وبناء الصمود المؤسسي. جنيف: منظمة الصحة العالمية.: https://www.who.int/emergencies/situations/yemen-crisis
اليونيسف (UNICEF). (2023). التعليم في اليمن: تقرير الحالة والآفاق المستقبلية وأثر الحوافز التعليمية. صنعاء: منظمة الأمم المتحدة للطفولة .: https://www.unicef.org/yemen/ar/reports/education-disrupted
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). (2025). خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن 2025. متاح علىhttps://yemen.un.org/ar/resources/publications
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2023). تقرير التنمية البشرية 2023/2024. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
https://hdr.undp.org/content/human-development-report-2023-2024
Human Rights Watch – Houthi Detentions Halting Aid in Crisis-Hit Yemen
https://www.hrw.org/news/2026/01/08/houthi-detentions-halting-aid-in-crisis-hit-yemen
مرجع سابق / مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

 مرجع سابق/ مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية2025

 المرجع السابق / مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية2025

 المرجع السابق / مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية2025

 المرجع السابق/ الفجوة الانسانية

 المرجع السابق/ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 2025
المرجع السابق/ الفجوة الإنسانية
المرجع السابق/برنامج الأمم المتحدة الإنمائي2023


 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 4 + 3 ؟