من تشبيك المضيقين إلى تفاهمات مسقط: تحولات الموقف الأمريكي من أمن البحر الأحمر وتداعياتها على اليمن والإقليم 

  لم يعد التصعيد في اليمن منفصلاً عن التحولات الأوسع في الصراع الإقليمي على الممرات البحرية، فقد تزامن تقدم مليشيات الحوثي الانقلابية في الساحل اليمني على البحر الأحمر، بما في ذلك السيطرة على مدينة المخا ومينائها في العاشر من سبتمبر 2026، ثم دخول جزيرة ميون والسيطرة على أرخبيل حنيش وجزيرة زقر في الحادي عشر من الشهر نفسه، مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز،  الأمر الذي جعل باب المندب يدخل بصورة متزايدة في معادلة أمنية تتجاوز حدود الصراع اليمني، فالسيطرة الحوثية المتزايدة على الساحل اليمني أصبحت ورقة ضغط إيرانية إضافية على ممر بحري استراتيجي ثانٍ بعد هرمز.

ويندرج هذا التطور فيما يمكن تسميته بـ”تشبيك المضيقين” أي انتقال الممرات البحرية الاستراتيجية من كونها ساحات ضغط منفصلة إلى كونها أوراقاً مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة بحيث يؤدي الضغط في أحدهما إلى رفع القيمة الاستراتيجية للآخر.

  وفي هذا السياق تأتي التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي، فبحسب ما نشرته وكالة رويترز في السادس عشر من سبتمبر 2026 نقلاً عن مصادر مطلعة، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن جماعة الحوثي في السفارة الأمريكية بمسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، في اجتماع غير معلن ساعدت سلطنة عمان في ترتيبه، وحضره عن الجماعة محمد عبد السلام المقيم في مسقط وعبد الملك العجري، بعد أيام من التقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على المخا وجزيرة ميون، ووفق المصادر التي تحدثت إليها الوكالة، أبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي بأنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بتفاهم وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في مايو 2025، وكذلك عدم استهداف السفن الإسرائيلية والتجارية، واستثناء السفن السعودية،  ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية عقد الاجتماع، واكتفى المتحدث باسمها بالقول إن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر تمثل مصلحة أمريكية، في حين قال الرئيس دونالد ترامب في الثاني عشر من سبتمبر 2026 إن الحوثيين تواصلوا هاتفياً مع إدارته وطالبوا ببقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحرب في اليمن.

وتأتي هذه الاتصالات في ظرف بالغ الحساسية، فالولايات المتحدة تصنف جماعة الحوثي منظمة إرهابية أجنبية منذ مارس 2025، وقد جاء اتفاق وقف إطلاق النار في مايو 2025 بعد حملة عسكرية أمريكية استمرت نحو شهرين، بينما كان أحد المشاركين الحوثيين، محمد عبد السلام فليته، خاضعاً للعقوبات الأمريكية.

وتطرح محادثات مسقط إشكالية أوسع تتصل بمدى انتقال الإدارة الأمريكية لأمن البحر الأحمر من منطق القوة والردع إلى منطق التفاهمات المحدودة، وبتداعيات هذا التحول على المملكة العربية السعودية واليمن والأمن البحري. 

  دوافع واشنطن من التفاهم مع جماعة الحوثي

 يستند السلوك الأمريكي إلى ثلاثة اعتبارات مترابطة، الأول: تحييد المصالح الأمريكية والإسرائيلية المباشرة، فالولايات المتحدة تبدو معنية بصورة أساسية بضمان عدم تعرض السفن الأمريكية والإسرائيلية للهجوم من قبل الحوثيين، والثاني: احتواء التصعيد بأقل كلفة عسكرية ممكنة، فالعودة إلى حملة عسكرية أمريكية واسعة ضد الحوثيين قد تفتح جبهة جديدة على المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وأما الثالث: فهو ينصرف إلى الفصل بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية وبين بقية ساحات الصراع الإقليمي. 

 خصم مصنَّف إرهابياً يتحول إلى طرف تفاوضي

تطرح الاتصالات الأمريكية مع جماعة الحوثي مفارقة سياسية لافتة، فالولايات المتحدة تصنف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وتفرض عقوبات على عدد من قياداتها، لكنها تتفاوض معهم، فهذه الاتصالات لا تعني اعترافاً قانونياً بجماعة الحوثي، لكنها تكشف عن أولوية المصالح على الاعتبارات القانونية، ومع ذلك تبقى المسألة الأكثر أهمية هي طبيعة الضمانات التي تعهدت بها جماعة الحوثي لواشنطن، فإذا كانت التفاهمات غير معلنة وغير ملزمة، فإن استمراريتها ستظل مرتبطة بتوازن المصالح والردع المتبادل، وليس بضمانات مؤسسية واضحة، ومن ثم فإن اختبار اللقاء الحقيقي لن يكون في انعقاده، وإنما في قدرة الطرفين على الحفاظ على التفاهم عندما تتغير البيئة الإقليمية.

  من أمن الملاحة الدولية إلى الأمن الانتقائي

تثير التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي إشكالية عميقة تتعلق بأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، فإذا ضمنت التفاهمات تحييد الخطر الحوثي عن السفن الأمريكية والإسرائيلية، مع استمرار تهديد السفن السعودية، فإن أمن البحر الأحمر قد ينتقل من مفهوم الأمن الجماعي للملاحة إلى نمط من الأمن الانتقائي تحدد فيه درجة الحماية وفق هوية السفينة والتفاهمات السياسية.

وهذا يضعف فكرة أن البحر الأحمر ممر دولي تحكمه قواعد موحدة لحرية الملاحة، فالسفن السعودية جزء مهم من حركة التجارة والطاقة الدولية، وأمنها لا ينفصل عن أمن الأسواق وسلاسل الإمداد. 

وفي هذه الحالة قد ينشأ في البحر الأحمر نظام ملاحي مجزأ ومضطرب، تتعايش داخله ترتيبات أمنية مختلفة بدلاً من وجود منظومة واحدة للملاحة، وقد بدأت آثار الاضطراب تظهر بالفعل على حركة التجارة والطاقة، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن التطورات حول باب المندب، حتى مع بقاء حركة الشحن فيه قائمة في الوقت الراهن، تضيف مخاطر إلى سوق الطاقة والنقل في ظل اضطراب هرمز، وفي إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي في الحادي عشر من سبتمبر 2026، أفاد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بأن حدة القتال اشتدت على جبهات عدة ولا سيما الساحل الغربي، ودعا جماعة الحوثي إلى وقف هجماتها داخل اليمن وعبر الحدود على السعودية وضد السفن التجارية، كما ارتفعت أسعار خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل بعد السيطرة على المخا وجزر البحر الأحمر. 

 السعودية وإعادة تقييم منظومة الأمن

قد يكون أحد التداعيات المهمة للتطورات الأخيرة دفع المملكة العربية السعودية إلى إعادة تقييم درجة اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، وليس بالضرورة التخلي عنها.

فالامتناع الأمريكي عن تقديم دعم عسكري مباشر لحليف، بالتزامن مع الاتصالات المباشرة مع الحوثيين، قد يدفع الرياض إلى تنويع مصادر أمنها وشراكاتها الدفاعية، ويأتي ذلك في سياق إقليمي كانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت فيه في أغسطس 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يتضمن آليات للتعاون والتنسيق الدفاعي والمناورات والتعاون في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، ومن المحتمل أن يسرع الوضع الجديد الترتيبات الإقليمية المتعددة، بما فيها التعاون مع تركيا، وباكستان ومصر وغيرها.

وهذا التحول في الموقف الأمريكي إن اتسع، لن يقتصر أثره على السعودية، بل قد يسهم في إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي الخليجي من نظام يعتمد بدرجة كبيرة على الشراكة الأمريكية إلى نظام أكثر تعدداً في مراكز القوة والترتيبات الأمنية.

  أثر التفاهمات على اليمن 

 من المحتمل أن تؤدي التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي إن استمرت إلى إنهاء تهديد المصالح البحرية الأمريكية والإسرائيلية، لكنها ستبقي الحرب في اليمن، فهناك فرق بين إدارة الخطر البحري وبين تسوية الصراع اليمني، وقد تسمح التفاهمات المحدودة بإعادة فتح بعض قنوات الاتصال أو خفض استهداف بعض السفن، لكنها لا تحسم قضايا السلطة، والسيطرة على المؤسسات، والموارد، وشكل الدولة، والترتيبات الأمنية، والسيادة الوطنية، كما قد تؤدي التفاهمات إلى فصل الأمن البحري في البحر الأحمر عن القضية اليمنية، والتعامل مع الأولى باعتبارها أولوية مستقلة عن الثانية.

 وهذا قد يخلق وضعاً تصبح فيه القوى الدولية مستعدة للتعامل مع مليشيات الحوثي في الملفات التي تمس مصالحها المباشرة، بينما يبقى المسار السياسي اليمني متعثراً، وفي هذه الحالة، قد يتحول التعامل الأمريكي مع الحوثيين إلى محرك إضافي يطيل من أمد الصراع المسلح بدلاً من إنهائه وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي وخاصة القرار 2216 الصادر تحت أحكام الفصل السابع.

السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: تفاهمات محدودة مع استمرار الصراع الإقليمي

في هذا السيناريو، تستمر قناة الاتصال الأمريكية مع جماعة الحوثي، ويجري الحفاظ على تفاهمات تتعلق بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية، بينما يستمر الضغط الحوثي على المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليا. 

ويعني ذلك انتقالاً من المواجهة المباشرة إلى إدارة انتقائية للمخاطر، بحيث تحاول واشنطن حماية مصالحها الأساسية دون الانخراط في الصراع بصورة مباشرة.

لكن هذا السيناريو سيبقي أمن البحر الأحمر هشاً، لأن جذور الصراع ستظل قائمة، ولأن تحييد طرف معين من الاستهداف لا يمنع انتقال التهديد إلى أطراف أخرى.

السيناريو الثاني: اتساع التفاهم إلى ترتيبات أوسع للملاحة

قد تتحول التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي الحالية إلى تفاهمات أكثر اتساعاً تشمل حرية الملاحة، ووقف استهداف السفن التجارية، وربما ترتيبات مرتبطة بالساحل اليمني والجزر في البحر الأحمر وخليج عدن. 

وفي هذه الحالة يمكن أن تشكل مسقط قناةً لفتح باب التفاهم، لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على فصل الملف البحري عن تعقيدات الصراع اليمني والإقليمي. 

السيناريو الثالث: انهيار التفاهمات والعودة إلى التصعيد

تظل التفاهمات عرضة للانهيار إذا تغيرت المعادلة الإقليمية، أو توسع الاستهداف الحوثي، أو تعرضت سفن أمريكية أو مصالح أمريكية لهجمات، أو طلبت إيران من الحوثيين الضغط في معادلة تشبيك مضيق باب المندب بصورة أكبر بمسار التصعيد في مضيق هرمز.

وفي هذه الحالة قد تعود واشنطن إلى أدوات الردع العسكري، فيما قد يؤدي اتساع المواجهة إلى مزيد من عسكرة البحر الأحمر وتفاقم المخاطر على التجارة والطاقة.

خاتمة

تبدو التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي في مسقط مؤشرًا على تحول في طريقة إدارة المخاطر المرتبطة بالبحر الأحمر، فمع انتقال باب المندب إلى صلب معادلة التصعيد الإقليمي، أصبحت السيطرة الحوثية مصدراً لتهديد أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم تشبيك المضيقين دلالته، إذ أدى تزامن التصعيد في هرمز مع التهديدات المرتبطة بباب المندب إلى إدخال الموقع اليمني في معادلة إقليمية أوسع، وجعل أمن البحر الأحمر جزءاً من شبكة مترابطة من الضغوط والمصالح وأيضا التفاوض. 

وقد كشفت التفاهمات الأمريكية مع جماعة الحوثي عن مفارقة في السياسة الأمريكية، فواشنطن تستطيع الفصل بين موقفها القانوني من الحوثيين وبين تعاملها العملي معهم عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها ومصالح إسرائيل، غير أن استمرار هذا النمط قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية انتقائية، تجعل أمن الملاحة مرتبطا بهوية السفينة وطبيعة التفاهمات بين الأطراف، بدلاً من أن يستند إلى منظومة مشتركة لحماية الملاحة الدولية.

وهنا تبرز التداعيات الإقليمية الأوسع، فالسعودية وربما دول الخليج العربي قد تجد نفسها أمام حاجة متزايدة إلى تنويع خياراتها وشراكاتها الأمنية، وبذلك لا يعود أمن باب المندب شأنًا أمريكيا أو سعوديا أو يمنيا منفردا، وإنما قضية ترتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

أما بالنسبة لليمن، فإن التطور الأكثر أهمية يتمثل في انتقال الجغرافيا من كونها مسرحاً للنزاع إلى كونها إحدى أدوات التأثير فيه، وهذا يفرض ألا تُدار قضية أمن البحر الأحمر بمعزل عن الحرب الدائرة في اليابسة اليمنية، لأن التفاهمات التي تنجح في تحييد خطر بحري مؤقت قد تخفف كلفة التصعيد على بعض الأطراف، لكنها لا تعالج مصادر النزاع التي أنتجت هذا الخطر.


زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 2 + 1 ؟