اليمن في التناولات البحثية والإعلامية الدولية( النصف الأول من شهرسبتمبر)

مقدمة 

تُبرز التناولات الدولية الواردة خلال النصف الأول من سبتمبر 2026 تحول النقاش حول اليمن إلى ثلاثة أسئلة رئيسية: كيف تمكّن الحوثيون من تحقيق تقدم ميداني رغم التحذيرات المسبقة واتساع الدعم الأمريكي للسعودية؟ وكيف تتحول مكاسبهم قرب باب المندب إلى أداة ضغط على الملاحة وأسواق الطاقة ضمن مواجهة أوسع ترتبط أيضًا بحسابات إيران؟ وما حدود استعداد القوى الإقليمية والدولية لاحتواء هذا التحول؟

وتجمع هذه التناولات بين روايات عن قصور في الجاهزية وفي القرار العسكري لدى قوات الشرعية، وتقديرات بشأن تطور القدرات الاستخبارية والتقنية للجماعة، وقراءات لدور إيران في دعم الحوثيين وحدود قدرتها على التأثير في قرارهم، إلى جانب احتمالات تنامي الدور الروسي. وفي الوقت نفسه، تميّز بعض التحليلات بين قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة وقدرتهم على حماية المواقع التي سيطروا عليها، كما تفرّق بين تأمين الممرات البحرية ومعالجة الحرب اليمنية سياسيًا.

اختلال موازين القوى وأسباب الانهيار في الساحل الغربي

تغيير موازين القوى خلال سنوات التهدئة: يربط مقال رأي نشرته Al Jazeera English التقدم الحوثي باختلال متراكم في موازين القوى خلال التهدئة التي بدأت عام 2022. فبينما خفّضت السعودية انخراطها وركّزت على تقليل كلفة الحرب، استثمر الحوثيون تلك الفترة في توسيع بنيتهم التنظيمية والعسكرية، في حين بقيت الحكومة اليمنية منقسمة ولم تنجح في بناء هيكل عسكري موحد. ويرى الكاتب أن الضربة السعودية على مطار صنعاء في يوليو عززت لدى الجماعة قناعة بأن ضبط النفس لا يوفر الحماية، ومنحتها مبررًا للرد والتصعيد. ويقرأ تقرير The Horizon Brief نتائج هذا الاختلال على الساحل الغربي، معتبرًا أن سيطرة الحوثيين على المخا والخوخة وحيس وذباب وميون وزُقر وجزر حنيش حققت هدفهم الأساسي عند باب المندب، وشكّلت أول تحول كبير في خريطة السيطرة منذ عام 2022. ويربط التقرير هذا التحول بتداعيات اتفاق ستوكهولم، إذ يرى أن تجميد جبهة الحديدة منذ 2018 أوقف التقدم العسكري من دون معالجة اختلال ميزان القوة، ومنح الحوثيين سنوات لترسيخ وجودهم وإعادة تنظيم قواتهم، بينما بقيت القوى المناهضة لهم منقسمة. 

ضعف القوات المدافعة والفراغ الذي أعقب الانسحاب الإماراتي: أما تقرير CNN، فيقدم تفاصيل عن مواطن الضعف التي سمحت بترجمة هذا الاختلال إلى انهيار ميداني، فقد نقلت الشبكة عن مصدر مطلع على العمليات أن القوام الفعلي للوحدات التي واجهت الحوثيين في المخا لم يتجاوز نحو 20% من الأعداد المسجلة، وأن كشوف الرواتب تضمنت أسماء جنود وهميين، فيما كانت القوات الموجودة على الأرض تعاني استنزافًا شديدًا. وأضاف التقرير أن انسحاب الإمارات من اليمن في يناير خلّف فراغًا في الثكنات والقواعد التي كانت تشغلها القوات المدعومة منها، من دون أن توفر السعودية قوات أو ترتيبات بديلة كافية.

تأخر الإسناد رغم التحذيرات المسبقة ورفع حالة التأهب: مع بدء الهجوم على المخا صباح الخميس، طلب قادة يمنيون غطاءً جويًا سعوديًا عاجلًا. ونقلت CNN عن مصدر عسكري يمني رفيع أنه تلقى تأكيدًا من القيادة المركزية الأمريكية بأن الدعم قادم، لكنه لم يصل قبل سقوط المدينة. وقال مصدر يمني آخر إنه حذّر القيادة المركزية مرارًا خلال الأيام السابقة للهجوم، بما في ذلك اليوم السابق لسقوط المخا، من أن الوضع أصبح حرجًا. كما أفاد مصدر إقليمي بأن الرياض كانت تتلقى تحديثات لحظية طوال يوم الخميس، لكنها، بحسب روايته، لم تنفذ أي غارة لإنقاذ المدينة، وربط ذلك بخلافات حادة وتأخر في اتخاذ القرار داخل السعودية، محمّلًا القيادتين السعودية والأمريكية مسؤولية الانهيار. وإلى جانب ذلك، تشير مصادر CNN إلى أن السعودية رفعت حالة تأهب قواتها قبل ثلاثة أسابيع، لكنها لم تنقل الكوادر الفنية وعناصر القيادة الجوية اللازمة لإدارة العمليات وتوجيه الطائرات عند وقوع هجوم كبير، ما يعني أن التحذير المبكر ورفع التأهب لم يتحولا إلى جاهزية عملياتية كاملة. 

استعادة الساحل تحتاج إلى عمليات برية، فيما قد يوسع الحوثيون ضغطهم قبل 21 سبتمبر: يرى The Horizon Brief أن استمرار الضربات الجوية بين ذباب والمخا لن يكون كافيًا لاستعادة المناطق المفقودة ما لم يترافق مع عمليات برية متزامنة ومنظمة. ويعتبر أن الفترة المتبقية حتى 21 سبتمبر، ذكرى سيطرة الحوثيين على صنعاء، ستشكل اختبارًا لقدرة الحكومة على تنفيذ هجوم مضاد يستعيد أجزاء من الساحل أو يحقق مكاسب بديلة في مأرب أو الجوف أو البيضاء. وفي المقابل، يرجح التقرير أن يصعّد الحوثيون ضغطهم على مأرب أو تعز أو شبوة أو لحج قبل هذا التاريخ، بما يسمح لهم بالوصول إلى الذكرى من موقع أقوى ميدانيًا وبحريًا وتفاوضيًا.

التفوق الاستخباري الحوثي وحدود الدعم الأمريكي

التفوق الاستخباري الحوثي واختراق الاتصالات: إلى جانب ضعف قوات الحكومة الشرعية وتأخر الإسناد، تسلط صحيفة وول ستريت جورنال الضوء على دور القدرات الاستخبارية في التقدم الحوثي الأخير، فقد نقلت عن مصادر مطلعة أن الجماعة اعترضت اتصالات خصومها واستمعت إلى مكالمات بين القادة، بما أتاح لها الاطلاع على الخطط والتحركات الميدانية، مستفيدةً من سيطرتها على شبكات الهاتف المحمول في صنعاء ووصولها إلى هواتف مقاتلين أسرى من القوات المدعومة سعوديًا. وامتد استخدام هذه الوسائل إلى التأثير المباشر في المقاتلين؛ إذ تواصل الحوثيون مع عناصر من القوات المنافسة في الميدان لحثهم على الاستسلام، وبحسب مصادر ميدانية، أسهمت هذه الاتصالات في نشر الفوضى والارتباك داخل صفوف المدافعين، ما يشير إلى توظيف الاختراق الاستخباري لإضعاف تماسك القوات ومعنوياتها.

استهداف منظومة القيادة والسيطرة وتحويل الاختراق إلى أداة ميدانية: يقدم تقرير The Horizon Brief رواية أكثر تفصيلًا عن استهداف منظومة القيادة، معتبرًا أن انهيار محور الساحل الغربي كان في جوهره فشلًا في القيادة والسيطرة أكثر منه هزيمة ناجمة عن التفوق القتالي الحوثي. وبحسب التقرير، شمل الاختراق تمرير أمر انسحاب مزيف عبر أجهزة الاتصال والرسائل النصية وواتساب، واستخدام صوت مستنسخ لأحد القادة لإضفاء المصداقية عليه. ومع اضطراب منظومة القيادة لدى القوات التابعة لطارق صالح، خصوصًا بعد استهدافها في جبل النار، تعذر على الوحدات التحقق سريعًا من صحة التعليمات، فتحول الانسحاب إلى حالة من الارتباك والذعر. وتضيف هذه الرواية بُعدًا آخر إلى ما أوردته الصحيفة: اختراق الاتصالات لم يُستخدم لجمع المعلومات والتأثير في المعنويات فحسب، بل لتمرير أوامر مضللة تتحكم في حركة الوحدات.

اتساع الدعم الأمريكي مقابل محدودية الانخراط المباشر: في موازاة ذلك، تبرز فجوة بين اتساع الدعم الأمريكي داخل السعودية وغياب الإسناد الجوي في اللحظة الحاسمة. فقد ذكرت CNN أن أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي يعملون في المملكة لتقديم المعلومات الاستخبارية ودعم الاستهداف، فيما قدّر مسؤول أمريكي العدد الإجمالي بنحو 200 عسكري ضمن قيادة قوات مشتركة أُنشئت خلال الأسابيع الأخيرة، بعد ظهور مؤشرات على زيادة الدعم الإيراني للعمليات الحوثية ضد السعودية. ومع ذلك، وقع سقوط المخا وميون رغم وجود هذه الترتيبات، ما يشير إلى أن توافر المعلومات والإنذار ودعم الاستهداف لم يكن كافيًا لضمان وصول الإسناد الجوي في الوقت المطلوب. أما حدود الانخراط الأمريكي المباشر، فتربطها وول ستريت جورنال بتجربة الحملة السابقة ضد الحوثيين وضغوط العمليات الجارية؛ إذ استمرت الحملة، وفق التقرير، 53 يومًا من القصف المكثف وانتهت بوقف لإطلاق النار بعد رد حوثي قوي. وتواجه واشنطن حاليًا ضغطًا على مخزون صواريخ الاعتراض والأسلحة الدقيقة، بالتزامن مع أعباء حماية الناقلات في الخليج وتنفيذ حصار الموانئ الإيرانية. وفي هذا السياق، يفسر التقرير امتناع الرئيس دونالد ترامب عن توجيه ضربات مباشرة إلى الجماعة برغبة الإدارة في تجنب فتح جبهة إضافية.

ميون بين الضغط على الملاحة والانكشاف العسكري

في مقابلة مع Fox News، وصف مورغان مورفي، المسؤول السابق في البنتاغون والضابط المتقاعد في البحرية الأمريكية، جزيرة ميون بأنها نقطة تحكم في مدخل البحر الأحمر بسبب موقعها عند أضيق أجزاء المضيق. ويرى أن وجود الحوثيين فيها ينقل التهديد من محيط باب المندب إلى داخله، ويزيد قدرتهم على الضغط على السفن العابرة حتى من دون إغلاق الممر؛ إذ يكفي ارتفاع احتمالات الاستهداف لدفع شركات الملاحة والتأمين إلى إعادة تقييم مخاطر المرور وكلفته. ومع ذلك، يشدد مورفي على أن السيطرة على ميون لا تعني إحكام السيطرة العسكرية على المضيق، وإنما تمنح الحوثيين موقعًا أفضل لتهديد حركة الملاحة.

القيمة الاستراتيجية للجزيرة تقابلها هشاشة عسكرية واضحة: فميون صغيرة ومكشوفة، وتفتقر إلى المياه والغطاء الطبيعي والعمق الجغرافي، فضلًا عن قربها من الوجود العسكري الأمريكي في جيبوتي. ولهذا وصفها مورفي بأنها منطقة قتل (Kill Box)، إذ يسهل رصد القوات والمعدات واستهدافها مقارنة بمواقع الحوثيين في الجبال والمدن اليمنية. كما أن الأهمية التاريخية للجزيرة لا توفر اليوم الحماية نفسها في ظل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والصواريخ ووسائل الاستطلاع الحديثة. ومن ثم، قد تكمن قيمتها الأساسية في قدرتها على رفع كلفة الشحن والتأمين ونقل الطاقة، وإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على تخصيص موارد إضافية لحماية الملاحة، أكثر من كونها قاعدة يمكن الدفاع عنها لفترة طويلة. ويربط مورفي ذلك بمصلحة إيرانية أوسع في زيادة كلفة المواجهة مع واشنطن عبر الضغط على باب المندب بالتزامن مع التوتر في هرمز.

القدرة على تحييد الوجود الحوثي لا تعني وجود قرار أمريكي باستخدام القوة: وفق Fox News، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بترامب في 10 سبتمبر طلب خلالهما تحركًا عسكريًا أمريكيًا ضد الحوثيين، بينما أبقت واشنطن دورها عند مستوى الدعم الاستخباري من دون المشاركة المباشرة في القتال. ويرى مورفي أن تصريحات ترامب بشأن عدم رغبة الحوثيين في مواجهة الولايات المتحدة تعكس إدراك الجماعة للفارق الكبير في القوة، وأن تحصين ميون لن يكون كافيًا إذا قررت واشنطن التدخل مباشرة. لكنه يتوقع في المدى القريب تحركًا أمريكيًا لحشد الحلفاء حول حماية حرية الملاحة وإبقاء الممرات مفتوحة، وهو ما يشير إلى احتمال توسيع ترتيبات الأمن البحري، لا إلى قرار مؤكد بشن حملة عسكرية جديدة.

الدور الإيراني بين الدعم العسكري واستقلال القرار الحوثي

تتباين القراءات بشأن دور طهران في التصعيد الأخير؛ فمقال الجزيرة يرى أن إيران ربما لم تكن تفضل منذ البداية فتح جبهة جديدة في البحر الأحمر خشية دفع السعودية ومصر إلى مزيد من التقارب مع الولايات المتحدة، وأن التصعيد قد يكون خدم مصالحها لاحقًا من دون أن يكون خيارها الأول. وفي المقابل، نقلت رويترز عن مصدرين إيرانيين أن طهران طلبت من الحوثيين تنفيذ هجمات على السعودية ووعدتهم بتمويل وأسلحة إضافية، وأن عددًا من قادة الحرس الثوري سافروا إلى اليمن للمساعدة في تنسيق الهجمات، لكن التقرير نفسه نقل عن مسؤول إيراني رفيع، بعد أن نقلت باكستان تحذيرًا سعوديًا إلى طهران، قوله إن إيران “لا تسيطر على الحوثيين”. وتضع هذه الروايات السؤال عند مستوى أكثر تعقيدًا: فالسؤال لم يعد عن وجود دعم إيراني، بل عن مدى قدرة طهران على التأثير في قرار التصعيد أو كبح الجماعة عندما تتعارض تحركاتها مع حساباتها الأوسع.

يرى مقال الجزيرة أن الجماعة تسعى إلى منع أي تسوية إقليمية تتجاوزها، مستفيدة من نفوذها قرب الممرات البحرية لفرض حضورها في أي تفاوض محتمل بين السعودية وإيران أو بين واشنطن وطهران. كما أن رفع كلفة الطاقة والنقل قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية يمكن أن يزيد الضغط السياسي على إدارة ترامب، ما يمنح التصعيد قيمة تتجاوز الساحة اليمنية نفسها.

يرجح The Horizon Brief أن يستخدم الحوثيون مكاسبهم لرفع سقف مطالبهم السياسية والاقتصادية في أي عملية تفاوضية يمنية، بالتوازي مع مواصلة الضغط على الجيوب الخاضعة للقوات الحكومية، وهو ما يجعل تثبيت خطوط القتال أقل ترجيحًا من محاولة تعديلها مجددًا لمصلحتهم. كما يرجح التقرير أن تسعى طهران إلى إدخال الحوثيين ومطالبهم ضمن أي إطار إقليمي أوسع لخفض التصعيد، بحيث يتحول النفوذ البحري للجماعة إلى ورقة تربط التفاوض اليمني بمساومات تتجاوز حدوده.

اتفاق مكة أمام أول اختبار عملي في اليمن 

ضمن مساعي احتواء التصعيد، أفادت Türkiye Today، استنادًا إلى مصادر باكستانية غير مسماة، بأن إسلام آباد تدرس احتمال تنفيذ ضربات جوية ضد الحوثيين داخل اليمن بطلب سعودي، في إطار اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا. ووفق التقرير، وردت صعدة ضمن الأهداف المحتملة، مع الإشارة إلى إمكانية التحرك في وقت قريب، من دون أن يُتخذ قرار نهائي بشأن تنفيذ الضربات.

ويعطي هذا الطرح بعدًا أوسع للدور الباكستاني المحتمل، إذ لا يقتصر على دعم السعودية دفاعيًا من داخل أراضيها، بل يفتح الباب أمام احتمال مشاركة جوية مباشرة ضد أهداف حوثية في اليمن. وفي المقابل، بقي الموقف الرسمي الباكستاني أكثر تحفظًا؛ إذ قال وزير الدفاع خواجة آصف إن الهجمات على السعودية قد تؤدي إلى تفعيل اتفاق مكة وفق مبدأ الدفاع الجماعي، بينما أكدت الخارجية الباكستانية دعمها لحق المملكة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضيها.

وتتفق هذه الصورة جزئيًا مع ما نقلته رويترز عن اجتماعات في الرياض بين مسؤولين سعوديين وممثلين عسكريين كبار من باكستان وتركيا لتنسيق الرد. لكن رويترز حدّدت سقفًا أكثر تحفظًا، إذ تحدثت عن تفاهم على عدم إدخال قوات إلى اليمن، وعلى أن يُنفذ أي رد من الأراضي السعودية، مع بقاء أي مشاركة باكستانية هجومية غير محسومة.

وبذلك، تبرز روايتان متوازيتان: Türkiye Today تفتح احتمال الضربات داخل اليمن بصورة أوضح، بينما رويترز تضع الدور الباكستاني حتى الآن ضمن إطار دفاعي أكثر حذرًا. وفي الحالتين، يظهر اتفاق مكة للمرة الأولى كإطار قد يُستخدم عمليًا في التعامل مع التصعيد اليمني، لا كمجرد تفاهم سياسي أو دفاعي عام.

روسيا واحتمال تعويض تراجع الدعم الإيراني

يطرح مقال نشره Iran International احتمال أن تعوّض روسيا جانبًا من الدعم الإيراني لبعض حلفاء طهران إذا تراجعت قدرتها على التمويل والتسليح. وترى آنا بورشيفسكايا، الباحثة في The Washington Institute for Near East Policy، أن الحوثيين يمثلون أبرز الحالات التي قد تتلقى هذا الدعم، من خلال مساعدة انتقائية تُبقي الجماعة قادرة على العمل، من دون أن تتحمل موسكو أعباء شبكة إيران الإقليمية بأكملها.

ويستند هذا الاحتمال إلى تقارير سابقة عن تقديم روسيا معلومات استخبارية للحوثيين، شملت بيانات استهداف وصور أقمار صناعية قيل إنها استُخدمت في هجمات على سفن غربية في البحر الأحمر. ويشير المقال أيضًا إلى وساطة إيرانية في محادثات سرية بين موسكو والحوثيين بشأن احتمال تزويدهم بصواريخ متقدمة مضادة للسفن، وإلى بحث جهات روسية صفقات سلاح مع الجماعة. وتُظهر هذه السوابق، وفق بورشيفسكايا، وجود قنوات دعم يمكن توسيعها إذا تقلصت موارد طهران.

وتستبعد الباحثة أن تخاطر موسكو بمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها ترجح تقديم دعم استخباري وتقني وتسليحي لا يستلزم انتشارًا عسكريًا روسيًا. ومع غياب أدلة كافية على استعداد روسيا لتمويل شبكة إيران الإقليمية بالكامل، يرى المقال أن لديها مصلحة في منع إضعاف طهران وحلفائها إلى حد فقدان قدرتهم على التأثير.

وتزداد أهمية الحوثيين في هذه الحسابات مع تقدمهم إلى ميون وذباب، بالتزامن مع تعطل الملاحة في هرمز؛ إذ تمنحهم مواقعهم قرب باب المندب قدرة على الضغط عند ممر بحري استراتيجي ثانٍ. كما يرى المقال أن الجماعة قد تكون أكثر قدرة على الاستمرار من مكونات أخرى في شبكة حلفاء إيران، بعدما واصلت توسيع سيطرتها وتهديد الملاحة، في وقت تكبدت فيه طهران خسائر مباشرة في ساحات أخرى.

ويضع المقال هذا الدعم المحتمل ضمن التعاون العسكري المتنامي بين روسيا وإيران منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. فقد زودت طهران موسكو بطائرات “شاهد” المسيّرة والخبرة اللازمة لإنتاجها، مقابل حصولها على تقنيات ومعدات عسكرية روسية. ويشير المقال كذلك إلى تعاون سري بين الطرفين لتطوير تكنولوجيا صواريخ كروز أسرع من الصوت، بما يعكس اتساع المصالح العسكرية والتقنية التي قد تدفع موسكو إلى مساندة بعض حلفاء إيران.

الذكاء الاصطناعي ومحاولات تطوير قدرات تسليحية محلية

إلى جانب الدعم الخارجي، يكشف تقرير Financial Times عن مسار مختلف لتطوير القدرات الحوثية، يقوم على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام التقنية. ونقل التقرير عن شركة Anthropic، وهي شركة أمريكية متخصصة في الذكاء الاصطناعي ومطوّرة نموذج Claude، أن الحوثيين في اليمن استخدموا Claude في محاولة لتطوير برمجيات التوجيه والتحكم والملاحة لأسلحة موجهة، شملت صاروخًا باليستيًا متعدد المراحل، وصاروخًا متعدد النسخ، وقذيفة موجهة تعتمد على حاسوب طيران بإمكانات تقارب مستوى الهواتف الذكية. 

وبحسب Anthropic، استخدمت المجموعة Claude Code في بعض المهام التي كان يمكن أن يتولاها مهندسو برمجيات، بما في ذلك دمج نظام قيادة آلية مفتوح المصدر على حاسوب طيران بسيط، وكتابة برمجيات التحكم وتقدير الموقع، وضبط الإعدادات، وبناء البرمجيات وتشغيل محاكاة للطيران. ووصفت الشركة النشاط بأنه جهد مستمر لتطوير أسلحة موجهة، استُخدم فيه Claude بصورة مباشرة في تصميم برمجيات التوجيه.

وتقول الشركة إن آليات الحماية منعت عددًا من الطلبات، لكنها لم تمنعها جميعًا. وتمكن المستخدمون من تجاوز بعض القيود عبر إخفاء الغرض التسليحي وتقسيم العمل على جلسات متعددة، بحيث لا تكشف أي جلسة بمفردها طبيعة المشروع كاملة. كما أشارت إلى تنفيذ اختبار ميداني لقذيفة موجهة بدا أنه فشل، إذ عاد المستخدمون خلال ساعات إلى Claude لمحاولة تحليل أسباب الإخفاق.

واللافت أن المجموعة كانت قد أنشأت، قبل حظر الحسابات، حزمة محاكاة محلية تعمل من دون اتصال ولا تعتمد على Claude أو على بيئات هندسية خارجية. وتكمن أهمية ذلك في أن جزءًا من الأدوات والمعرفة التقنية أصبح متاحًا داخل بيئة مستقلة حتى بعد إغلاق الوصول إلى الخدمة. وبعد اكتشاف النشاط، حظرت Anthropic الحسابات المرتبطة به وشاركت معلومات التهديد مع جهات عامة وخاصة، لكن التقرير لا يوضح متى بدأ النشاط، ولا المدة التي استمر فيها، ولا حجم البرمجيات التي أُنجزت قبل الحظر.

وتُعد الحالة اليمنية واحدة من ست حالات مرتبطة بالأسلحة التقليدية وثقها التقرير، شملت ثلاث حالات في الصين، وحالتين في روسيا، وحالة واحدة في اليمن. وتبرز أهمية الحالة اليمنية في أن الاستخدام لم يقتصر على البحث أو جمع المعلومات، بل امتد إلى مهام تقنية مرتبطة بتطوير برمجيات التوجيه والمحاكاة لأنظمة تسليح موجهة. 

أمن الملاحة واحتمالات اتساع تدويل الحرب

تلتقي القراءات السابقة عند احتمال أن يدفع التهديد في باب المندب أطرافًا متباعدة سياسيًا إلى تنسيق أمني أكبر. ويرى مقال Al Jazeera English أن تهديد البحر الأحمر يمكن أن يخلق مصلحة مشتركة بين الولايات المتحدة والسعودية ومصر ودول أوروبية وإسرائيل، حتى إن اقتصر التعاون على المجالين البحري والأمني. ويتقاطع ذلك مع ما توقعه مورفي في مقابلته مع Fox News من تحرك أمريكي لحشد الحلفاء، فيما تكشف روايات رويترز عن محاولة باكستان وتركيا والسعودية ضبط نطاق الاستجابة ضمن سقف دفاعي محدد. 

غير أن مقال الجزيرة يحذر من مساواة نجاح تحالف بحري بالنجاح في معالجة الصراع اليمني. فقد تتمكن القوى الدولية من حماية السفن، بينما يؤدي تدخلها إلى تعميق تدويل الحرب، وإعادة السعودية إلى مواجهة كانت تحاول الخروج منها، وزيادة صعوبة الوصول إلى تسوية يمنية داخلية. وبحسب المقال، تظل حماية الملاحة، والحد من قدرة الحوثيين على توظيف مكاسبهم، وإصلاح اختلالات القوى المناهضة لهم، ملفات مترابطة لا يحسم التقدم في أحدها بقية الملفات تلقائيًا.

المصادر

  1. Al Jazeera, The Houthis’ escalation in Yemen could flop: https://www.aljazeera.com/opinions/2026/9/13/the-houthis-escalation-in-yemen-could-flop 
  2. CNN, ‘A f*-up of epic proportions’: Blame game begins after Iran-backed Houthis’ lightning advance down Red Sea coast: https://edition.cnn.com/2026/09/12/middleeast/yemen-houthi-saudi-us-blame-intl 
  3. The Wall Street Journal, Widening Mideast Instability Squeezes Global Oil Supplies: https://www.wsj.com/world/middle-east/widening-mideast-instability-squeezes-global-oil-supplies-0cd316ad 
  4. Fox News Digital, Houthi rebels seize Perim Island in Red Sea ‘kill box,’ official warns: https://www.foxnews.com/world/houthis-enter-us-kill-box-after-seizing-red-sea-cork-former-pentagon-official-warns 
  5. Reuters, EXCLUSIVE: Pakistan warns Iran to rein in Houthis as Riyadh strikes back:https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-warns-iran-rein-houthis-riyadh-strikes-back-2026-09-09/ 
  6. Iran International, Russia may fill Iran gap if support for Yemen Houthis falters: https://www.iranintl.com/en/202609118723 
  7. Financial Times, Houthis used Anthropic AI to try to build ballistic missiles:https://www.ft.com/content/8310cf56-ce60-4e6e-8254-5bb470e9a880?syn-25a6b1a6=1 
  8. The Horizon Brief, Command Failure, Not Combat Defeat: How Bab al-Mandab Fell to the Houthis, and Iran Gained a Second Strait: https://ibrahimjalal.substack.com/p/command-failure-not-combat-defeat?r=7vh8q6&utm_medium=ios 


زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك في القائمة البريدية

أدخل بياناتك لتصلك أحدث المواد والتحديثات.

للتحقق البشري: كم يساوي 9 + 1 ؟