السياسات السعودية تجاه اليمن بين الثورة والعاصفة أ/ أسامة طنين

Getting your Trinity Audio player ready...


مقدمة:

تتَّصل اليمن بالسُّعوديَّة بروابط جغرافيَّة، إذ إنَّ البلدين يمتلكان حدودًا بريَّة مشتركة، ما أتاح لهما عبر التَّاريخ الاتِّصال والتَّرابط، بروابط اجتماعيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة؛ وهذا بدوره فرض الاشتراك في اللُّغة والثَّقافة والعادات والتَّقاليد. ومِن ثمَّ فإنَّ عوامل التَّأثُّر والتَّأثير بين الطَّرفين راسخة برسوخ هذه الرَّوابط الَّتي لا يمكن الفكاك مِنها، إذ تقتضيها عوامل عدَّة.

وفي ظلِّ الدِّراسات الجيوسياسيَّة يأتي الموقع الجغرافي والرَّوابط الإستراتيجيَّة المتَّصلة به كمدخل في فهم طبيعة الأبعاد والأدوار والآثار الفاعلة في المشهد الإقليمي، حيث تتشكَّل الظَّواهر السِّياسيَّة نتيجة امتزاج عوامل البيئة والجغرافيا والتَّركيب الدِّيموغرافي والقواسم والمصالح المشتركة. لذا فإنَّ دراسة العلاقة بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السُّعودية تأخذ أبعادًا مختلفة، بعضها يفرض اشتباك المواقف وربَّما تداخل السِّياسات.

مِن هنا، شكَّلت “ثَّورة 11 فبراير”، التي قامت في اليمن ضدَّ نظام علي عبد الله صالح، عاملًا مؤثِّرًا في العلاقة بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السُّعودية، إذ فرضت – في ظلِّ موجة ثورات “الرَّبيع العربي”- قلقًا في المحيط الإقليمي، مِن نتائجها السِّياسية وآثارها على شعوب المنطقة المتطلِّعة للتَّغيير. وكانت السُّعودية بفعل علاقاتها التَّاريخية مع الأطراف اليمنية المختلفة حاضرة في مسار أحداث الثَّورة، ومواجهة آثارها، وصياغة “المبادرة الخليجية” التي تعاملت مع الثَّورة باعتبارها أزمة سياسية بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، لا باعتبارها حراكًا شعبيًّا ثوريًّا ينشد الانعتاق مِن هيمنة النِّظام الحاكم لصالح عملية سياسية حقيقية تعتمد الدِّيمقراطية والانتخابات والتَّداول السِّلمي للسُّلطة، خاصَّة بعد انسداد أفق التَّغيير لعقدين كاملين مِن هيمنة حزب “المؤتمر الشَّعبي العام” الحاكم على المشهد.

ومع انطلاق عمليَّة “عاصفة الحزم”، الَّتي قادتها السُّعوديَّة تحت لافتة “التَّحالف العربي”، بات التَّدخُّل السُّعودي في اليمن حقيقة واقعة، وهذا بدوره فرض أهمية دراسة وتحليل العلاقات اليمنيَّة السُّعوديَّة خلال الفترة ما بين فبراير 2011م وحتَّى فبراير 2021م، بغية تحليل مساراتها وخطِّها البياني، صعودًا وهبوطًا، ومنعطفاتها وتحوُّلاتها، والعوامل المؤثِّرة فيها؛ لما شهدته هذه الفترة الحرجة مِن مواقف وأحداث وتغيُّرات وأزمات عدَّة.

لقد جاء التَّدخُّل السُّعودي في اليمن في مرحلة مهمَّة مِن تاريخ المنطقة، وهو جزء مِن انعكاسات طبيعة العلاقة الَّتي حكمت البلدين خلال أكثر مِن 80 عامًا، دخلا فيها في صراعات واتِّفاقات وتوتُّرات وتحالفات، ممَّا انعكس على ظروف اليمن الدَّاخليَّة بشكل أخص، باعتبارها كانت الحلقة الأضعف في هذه العلاقة.

ونظرًا لأهميَّة الدَّور السُّعودي في مسار الأحداث، وعلاقتها بالأطراف اليمنيَّة المختلفة، وتأثيرها في صناعة القرار الإقليمي والدُّولي بشأن اليمن، ورعايتها لتوقيع “المبادرة الخليجيَّة”، وقيادتها لـ “التَّحالف العربي”، وتحمُّلها أعباء عملية “عاصفة الحزم” العسكريَّة، وكونها المستفيد والمتضرِّر مِن مآل الواقع اليمني في المرحلة القادمة، كان ولا بدَّ مِن تتبُّع المواقف السُّعوديَّة، خلال الفترة محلِّ الدِّراسة، نظرًا لخطورة آثار هذه المرحلة وانعكاساتها على مستقبل البلدين. وهذا يتطلَّب فهم طبيعة السِّياسيَّة السُّعوديَّة تجاه اليمن في ظلِّ التَّقلُّبات والتَّحوُّلات، والفواعل المحليَّة والإقليمية والدُّولية، لإدراك الأبعاد والعوامل المؤثِّرة فيها، نظرًا للتَّغيُّرات الَّتي شهدتها الظُّروف والملابسات الَّتي حكمت هذه السياسة لعقود سابقة.

في مقابل ذلك، كان للتَّدخُّل السُّعودي في الشَّأن اليمني منذ عام 2011م، سياسيًّا مِن خلال تبنِّي “المبادرة الخليجيَّة” ورعايتها، وعسكريًّا مِن خلال عمليَّة “عاصفة الحزم”، الَّتي قادتها في ظلِّ “التَّحالف العربي” الَّذي أعلنت عنه، وما تخلَّل ذلك مِن مواقف وسياسات ظاهرة وخفيَّة، أثره على المشهد اليمني وعلاقة الأطراف اليمنيَّة عمومًا بالسُّعوديَّة.

وتهدف الدِّراسة إلى ما يلي:

  1. تقديم رؤية شاملة لطبيعة السياسة السُّعوديَّة تجاه اليمن خلال عقد كامل، منذ انطلاق ثورة 11 فبراير، والمؤثِّرات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، والعوامل الإقليميَّة والدُّوليَّة المؤثِّرة عليها.
  2. تناول الواقع القائم اليوم، بكلِّ تفاعلاته وأطرافه وأبعاده، بحياد تامٍّ وبعيدًا عن أي توظيف، بهدف تقديم دراسة تحليليَّة معمَّقة ودقيقة.
  3. مناقشة قضيَّة لها تأثيرها على المستوى الدَّاخلي لكلا الدَّولتين والشَّعبين، في اليمن والسُّعوديَّة، وكذلك تأثيرها على المحيط الإقليمي والدُّولي.
  4. الإسهام في نشر الوعي السِّياسي بالسياسة الخارجيَّة السعودية تجاه اليمن، سواء في الإطار الإقليمي أو الدُّولي.
  5. التَّعرُّف على التَّناقضات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في اليمن، والدَّعم السُّعودي لهذه التَّناقضات الَّتي انعكست سلبًا على 


    اضغط لتحميل المادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى